لقد حان الوقت. لم يعد ممكناً المراوغة والامتناع عن الإجابة. لم يعد ممكناً التلعثم والتخفيف والطمس. ولم يعد ممكناً مواصلة التلاعب القانوني بـ “أساس النية” أو انتظار حكم محكمة العدل الدولية في لاهاي، الذي قد يصدر عندما يفوت الأوان. أصبح الوقت الآن متأخراً جداً. لذلك، يمكن الأن تسمية الأعمال الفظيعة باسمها، واسمها الكامل هو الإبادة الجماعية، إبادة شعب. لم تعد هناك طريقة أخرى لتسميتها. أمام أنظارنا المندهشة، ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في قطاع غزة، وهي لم تبدأ الآن، بل في 1948، لكن تراكم ما يكفي الآن من الشهادات لتسمية الوحش في غزة باسمه.
هذه لحظة تبعث على اليأس، لكنها في الوقت نفسه لحظة محررة. الإثنين الماضي، في لوبي فندق في شرقي القدس، أمام عيون عشرات المراسلين من أرجاء العالم، وحضور شبه معدوم ومعيب لوسائل الإعلام الإسرائيلية، أعلنت منظمات مهمة في إسرائيل لحقوق الإنسان، بأن الأمر وقع. منظمة “بتسيلم” ومنظمة “أطباء بلا حدود” توصلتا إلى استنتاج بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية.
بصفتهما منظمتين موثوقتين لا مثيل لهما في إسرائيل، فقد دخلتا التاريخ في تلك اللحظة. كان واضحاً على المتحدثين بلسانهما أن الأمر لم يكن سهلاً. كان الحزن يعم قاعة المؤتمرات. “الإبادة الجماعية خاصتنا”، هذا كان عنوان تقرير “بتسيلم”، وهو إبادة جماعية خاصة بنا. مر الإعلان الدراماتيكي في إسرائيل بتجاهل شبه مطلق. وهذا يثبت الوضع الخطير: إبادة جماعية ينكرها منفذوها.
المعنى صعب، أن تعيش في دولة ينفذ جنودها إبادة جماعية هذه وصفة لن تمحى. وجه مشوه ينظر إلى المرآة. تحد وطني وشخصي لكل إسرائيلي. هذا التعريف يثير تساؤلات عميقة حول الدولة وحول دورنا في هذا الأمر. هذا يذكرنا بأصلنا، ويطرح أسئلة صعبة حول توجهنا. عبء الإثبات الآن هو الأخف. الأساس القانوني قد يأتي من لاهاي، لكن الأدلة الأخلاقية تتراكم يوماً بعد يوم.
القلائل في إسرائيل تألموا خلال أشهر، الذين يرون قطاع غزة من منظار مسألة النية: هل تنوي إسرائيل ارتكاب إبادة جماعية، أم تتدحرج نحوها بالتدريج. هذه مسألة أصبحت بدون أهمية. ليس حجم الدمار والقتل هو الذي شطب هذه المسألة من جدول الأعمال، بل الطريقة الممنهجة التي تنفذ فيها هذه الأفعال.
عندما يدمرون 33 مستشفى من بين 35 فالنية مبيتة، والنقاش انتهى. وعندما يقومون بمحو احياء وقرى ومدن بالكامل بشكل ممنهج، ينتهي التشكك بالنية. وعندما يقتلون عشرات الأشخاص يومياً أثناء حضورهم بطوابير للحصول على الطعام، فهذه الطريقة إثبات قطعي بدون أدنى شك. وعندما يستخدمون التجويع سلاحاً، فأي علامات استفهام تبقى؟
لم يعد هناك أي شيء ناقص لنفهم بأن ما يحدث في غزة ليس ضرراً عارضاً لحرب قبيحة، بل هو الهدف. التجويع، والتدمير والقتل الجماعي، هي الهدف. من هنا فالمسافة قصيرة لنستنتج أنها “إبادة جماعية”.
من الواضح أن إسرائيل تنوي تدمير المجتمع الفلسطيني في القطاع، وجعل القطاع مكاناً غير قابل للعيش فيه، وبعد ذلك تطهيره عرقياً، سواء بالإبادة الجماعية أو الترانسفير. ومن المرغوب فيه كليهما. هذا لا يعني أن المؤامرة تنجح بشكل كامل، لكنها تسرع الخطى نحو هذا الحل المطلق. نتنياهو، أبو المؤامرة ومنفذها الرئيسي، يسميها “النصر المطلق”، وهذا النصر هو الإبادة الجماعية والترانسفير. نتنياهو والحكومة لن يتنازلوا عن أقل من ذلك. لا أحد في أحزاب المعارضة يعارض ذلك.
لم يعد في إسرائيل من يوقف الإبادة الجماعية المتسارعة. بل هناك من يخفونها عن الأنظار. ومهما ظهر قول ذلك مخيفاً، فثمة خطر في عدم وقف هذا الأمر في غزة. في الضفة الغربية أقاموا له في السابق بنية تحتية فكرية وعملية. عرب إسرائيل سيكونون التالين في الدور، لا يوجد من يوقف ذلك، علينا نحن وقف ذلك.
جدعون ليفي
هآرتس 31/7/2025