التحركات الدبلوماسية والمظاهرات الشعبية في مختلف دول العالم، هي بالمعنى الاستراتيجي مهمّة للقضية الفلسطينية، لكنّها في الواقع لا تتكلّم اللغة الوحيدة التي يبدو أن إسرائيل تفهمها، وهي لغة القوة والإكراه. لذلك فإنّ الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يُخفّف من المعاناة المباشرة على الأرض، ولا يخفي أثر الدماء على الشاشة.
سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تُثبت أنّ تداخلات الفواعل الدّولية لم تنجح في بناء عالم ما بعد كورونا، على أسس تُقلّص من حدة الأزمات، بل عمّقت النزوع نحو الصراع بدل التوافق. من أفغانستان إلى العراق، أظهرت الولايات المتحدة أنّها لا تعرف كيف تخوض حربا، فضلا عن أن تربحها. آلاف الأمريكيين ومئات آلاف الأفغان والعراقيين فقدوا حياتهم. انتهت حرب العراق بسلطة ميليشيات وحكومة مدعومة من إيران، وانتهت حرب أفغانستان بعودة طالبان إلى الحكم بعد انسحاب أمريكي مذلّ. هذا يثبت جهلا أمريكا مدهشا بدروس التاريخ في الشرق الأوسط، جهل ما زالت تظهره الولايات المتحدة على شكل غرور مفرط، وعدم اعتراف بحدود القوة. ناهيك من الارتداد الخطير لدعم جماعات مسلحة لا تعرف عنها واشنطن الكثير، ولا تسيطر عليها، وانجذابها المتكرر إلى منطقة أقسمت مرارا أنها ستفكّ ارتباطها بها.
باختصار، زواج بين نزعة أمريكية لا تُقاوَم للتدخل، وجهل عميق بخصوصيات المنطقة. في تقدير «فورين أفيرز» السياسيون يفعلون ما يظنون أنه سينجح، يُعيدون فعله بعد فشله، يزعمون أنه نجح فيما الجميع يعلم العكس، يعدون بأنّه سينجح وقد نفد صبر الجميع. تنفصل التصريحات عن الواقع وتتحوّل إلى كلام تفاؤل أجوف، يتجاوز مجرد التجميل الإعلامي، ليصبح موقفا استراتيجيا قريبا من الإنكار المفرط. هذه الطريقة المريحة التي تُطلق بها الولايات المتحدة تصريحات متفائلة تتناقض مع الأدلة وسجلّها البائس، هو ما يثير الدهشة والحيرة. لقد أحسّوا فعلا أنّ الزمن لم يعد محايدا، وأنّه يعمل ضد كيان الاحتلال. كلّ يوم بلا إطار سياسي هو نقطة تحوّل جديدة في الرأي العام العالمي، وتحوّل جديد في السياسة الأوروبية، وصورة أخرى تفسّر تلك الكلمة الرمادية: العزلة التي تحاصر إسرائيل. التهديد الأكبر الآن كما يراه الإسرائيليون ليس الصواريخ من غزة، بل التآكل الدولي، ذلك الذي يتغلغل في كل جانب من جوانب الحياة عندهم. واجهت محاولة نتنياهو التحرّك على مسارين في وقت واحد: هزيمة حماس والتوصل إلى صفقة كاملة لإطلاق الأسرى، إشارة توقّف دولية. إذ إن التوصل إلى اتفاق ولو كان جزئيا، قد يؤدي إلى استعادة العلاقات مع أوروبا وتهدئة التوترات مع الولايات المتحدة. وبين تعظيم الإنجازات وتعظيم هامش المناورة السياسي، بين إنهاء الحرب، والقضاء على حماس، بدا كأنّ رغبة نتنياهو في إبقاء كلا الخيارين مفتوحين حتى اللحظة الأخيرة، هو نمط عمل يخدمه سياسيا، لكنّه أصبح باليا في ظل تصاعد وتيرة الأحداث الدولية. لذلك، هناك خط بديل لا يقبله نتنياهو وهو فصل الجبهتين العسكرية والسياسية. اليوم، لم يعد الأمر إنسانيّا فحسب، بل أصبح بالفعل نهجا ثلاثي الأبعاد: إنسانيا، وإنهاء القتال، والاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولكن اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، ومثيله بتسلئيل سموتريتش يسعيان إلى جعل ضم الضفة الغربية الرد الإسرائيلي الرئيسي على الاعتراف الغربي بفلسطين، وإنهاء القتال في غزة. أمام كل هذا، يبدو أنّ فرض تكاليف وعواقب جسيمة على إسرائيل فقط كفيل بدفعها إلى تغيير سياساتها. صحيفة «معآريف»، تعتبر أنّ نتنياهو يُدرك أنّ كلّ تلك الإنجازات التي حقّقها في العامين الماضيين، وهي «إنجازات هائلةٌ» ضد حزب الله وإيران، لا يُمكنها أن تُمحي وصمة عار كارثة السابع من أكتوبر المروعة، وأنّ الانتصار الكامل على حماس وحده كفيل بإغلاق هذه الدائرة. هذا هو الهدف الأسمى الذي يتمسك به. هذا ما يطمح إليه، وهذا ما يُسابق إليه الزمن، مُقاوما كلّ المخاطر، ومُقاوما كلّ المنطق، ومُقاوما كلّ البراغماتية.
التهديد الأكبر الآن كما يراه الإسرائيليون ليس الصواريخ من غزة، بل التآكل الدولي، ذلك الذي يتغلغل في كل جانب من جوانب الحياة عندهم
مما لا شكّ فيه أنّ الهجوم على قطر، أظهر للحكومات العربية ليس فقط أنّ إسرائيل هي الدولة الأكثر زعزعة للاستقرار في المنطقة، بل أيضا أنّ أي دولة من دولها معرّضة لهجوم مماثل. فلم تحمِ علاقات قطر الأمنية مع الداعم الرئيسي لإسرائيل، الولايات المتحدة، التي تمتلك وجودا عسكريا كبيرا في قاعدة «العديد» الجوية في قطر، من العدوان الإسرائيلي. ورغم أنّ الحكومات العربية قد تُظهر دعمها للقضية الفلسطينية، إلا أنّها تشعر بقلق بالغ إزاء احتمال وقوع أي هجوم على أراضيها بعد تجاوز إسرائيل للخطوط الحمر، وتعدّيها السافر على سيادة دول الإقليم من لبنان والعراق إلى سوريا واليمن وقطر. هل من استراتيجية عمل عربية أو تفعيل اتفاقية دفاع مشتركة؟ لا شيء من هذا القبيل مُتّفق عليه. في الأثناء، أوساط أمريكية عديدة ترى أن اتفاقية أمنية رسمية جديدة مع دولة عربية، كتلك التي سعت إليها إدارة بايدن مع المملكة العربية السعودية، أصبحت أقل احتمالا من ذي قبل. يُسهم هذا التطور حسب اعتقادهم في تقليل خطر تورّط الولايات المتحدة في صراعات ليست من صنعها. ولكن كما توضح حادثة قطر، فإنّ مجرد ضمان ضمني ينطوي على تكاليف ومخاطر. ومع استعداد إسرائيل لتكرار مثل هذه الهجمات، في أي مكان في المنطقة، قد تجد الولايات المتحدة، نظرا لارتباطها الوثيق بإسرائيل، نفسها في موقف صعب مرة أخرى. ماذا ستفعل حينها؟ هل تترك إسرائيل تقصف ثم يأتي البيت الأبيض ليبرّر ويعتذر، أم تقسو ولو مرة على «فرخها الكسيح» وقاعدتها المتقدمة في المنطقة إسرائيل؟
يبدو من الصعب على الولايات المتحدة على الأقل في هذه المرحلة من التاريخ التي يحكم فيها أمثال دونالد ترامب، أن تتجاوز الشعارات المألوفة حول اعتبار إيران أكبر مصدر لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وعلى هذا الأساس تثير كما تعوّدت دائما الانقسامات الإقليمية. عماء بصيرة اختياري يجعلها لا تنظر إلى أي دولة أخرى أشعلت حروبا في المنطقة، وهاجمت دولا ذات سيادة، وانتهكت كل القوانين الدولية وكل المواثيق الأممية، قتلت آلاف المدنيين عمدا وارتكبت إبادة جماعية. يكاد يكون من المستحيل على دولة أمريكا التي تدّعي الديمقراطية أن تُعيد تقييم علاقتها بدولة الاحتلال لا جزئياً ولا جذرياً.
*كاتب تونسي