أي نتائج للزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي هذا الأسبوع إلى الصين؟

آدم جابر
حجم الخط
0

رغم أن نتائج الزيارة جاءت أقل من طموحات باريس، ولكن حسب مراقبين ومحللين، فإنها تمثل خطوة فرنسية للحفاظ على جسور التواصل مع قوة يتعزز دورها في رسم مستقبل العلاقات الدولية.

باريس ـ «القدس العربي»: حظيت الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي هذا الأسبوع إلى الصين باهتمام سياسي وإعلامي واسع، لما تحمله من أبعاد تتصل بمكانة أوروبا في العالم وتوازن القوى بين الشرق والغرب؛ وتميّزت بمحادثات ثنائية معمّقة وتوقيع عدة اتفاقيات اقتصادية.
هذه الزيارة، التي استمرّت ثلاثة أيام، هي الرابعة لماكرون إلى الصين في غضون ثماني سنوات، وهدفت إلى تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة الملفات الدولية الكبرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والتبادل التجاري بين البلدين. وقدّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الجمعة حصيلة هذه الزيارة، التي تميّزت بمحادثات ثنائية معمّقة وتوقيع عدة اتفاقيات اقتصادية.
وأوضح الرئيس الفرنسي أن المحادثات مع نظيره الصيني تناولت أبرز النزاعات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الروسية ضد أوكرانيا، في وقت تأمل فيه فرنسا في أن تستخدم بكين علاقاتها الوثيقة مع موسكو للضغط من أجل إنهاء الحرب.
وأكد أنه تم تبادل وجهات النظر مع الصيني شي جينبينغ، مُشدداً على ضرورة تحقيق سلام متين ودائم يضمن لأوكرانيا عدم تعرّضها لاعتداءات جديدة، ومعتبراً في الوقت نفسه أن روسيا تبقى، على المدى القصير، الطرف الوحيد الذي لا يريد السلام.
لكن رغم التأكيد على أهمية السلام وضرورة خفض التوتر، لم تصدر عن بكين وعود واضحة بشأن تغيير موقفها أو ممارسة ضغوط مباشرة على روسيا. واحتفى الطرفان بالاتفاق على استمرار الحوار الدبلوماسي بين وزيري خارجية البلدين خلال الفترة المقبلة، والعمل على صياغة وثيقة مشتركة حول مستقبل الصراع  الروسي- الأوكراني. ودعا ماكرون إلى وحدة الموقف الأمريكي والأوروبي حيال أوكرانيا.
على الصعيد الاقتصادي، تم توقيع عدة اتفاقيات في مجالات الطيران والصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل والبنى التحتية، إضافة إلى رسائل نوايا لتعزيز التعاون الصناعي وتقليص العجز التجاري.
وعرض ماكرون برنامجاً يهدف إلى إعادة توازن العلاقات الصينية-الأوروبية، مشدداً على أهمية تعزيز القدرة التنافسية الأوروبية، وتشجيع الاستهلاك الداخلي في الصين لتقليص الاختلالات التجارية، وتوسيع انفتاح السوق الصينية أمام السلع والخدمات الأوروبية، علاوة على تشجيع الاستثمارات الصينية المباشرة في أوروبا في قطاعات استراتيجية مثل الليثيوم والبطاريات وطاقة الرياح.
كما شدد الرئيس الفرنسي على ضرورة رفع القيود المتبادلة على الصادرات وتطوير عمليات نقل التكنولوجيا من أجل تهدئة العلاقات التجارية وخلق قيمة مضافة للطرفين؛ وعلى أهمية «الأولوية الأوروبية» وآليات الحماية للقطاعات المهدَّدة، مع الحفاظ على حوار بنّاء مع الصين لتفادي القيود التعسفية.
فالعلاقات الاقتصادية بين فرنسا والصين غير متوازنة بشكل كبير، إذ تعاني فرنسا من عجز تجاري ضخم تجاه الصين يبلغ 47 مليار يورو خلال عام 2024. وهذا ما دفع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المطالبة بفتح السوق الصينية بشكل أكبر أمام المنتجات الفرنسية وتحقيق نوع من التوازن في التبادل التجاري. لكن الزيارة لم تُسفر عن أي اتفاق تجاري كبير، خاصة في ظل عدم الإعلان عن صفقة شراء 500 طائرة «إيرباص» التي كانت منتظرة.
كما أن بعض المنتجات الفرنسية، مثل الكحوليات والمنتجات الزراعية، ما زالت تواجه قيودًا داخل الصين، في وقت تزداد فيه المنافسة الصينية على الأسواق الأوروبية، خصوصًا في مجال السيارات الكهربائية.
ومع ذلك، جدّدت فرنسا والصين التزامهما بتعميق الشراكة الزراعية بينهما، وفق ما جاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه، مؤكداً أن الرئيسين ماكرون وشي جين بينغ شددا على «الدور المحوري للزراعة» في العلاقات الثنائية. ووصف بيان الأليزيه البلدين بأنهما «قوتان زراعيتان رائدتان» تجمعهما أولويات مشتركة، من بينها التكيّف مع التغير المناخي، والارتقاء بجودة وكفاءة سلاسل الإنتاج من خلال التقنيات الحديثة والممارسات الزراعية البيئية، وتحسين دخل المزارعين، وتنشيط المناطق الريفية، وتعزيز الأمن الغذائي  العالمي.
ورحبت باريس وبكين بتجديد الترتيب الإداري بين الإدارة الصينية لتنظيم الأسواق ووزارة الزراعة الفرنسية بشأن تفويض مهام التدقيق المرتبطة بتقييم تركيبات حليب الأطفال، وهو ملف يُعدّ أولوية في مجال سلامة الأغذية. وفي قطاع النبيذ والكرمة، أشاد الطرفان بالتنفيذ الفعّال للبروتوكول المُجدّد عام 2024 بشأن التعاون في مجال المؤشرات الجغرافية للمنتجات الزراعية والغذائية، والذي يتضمن اعتراف الصين بـ70 تسمية منشأ لنبيذ منطقة بورغوندي. وأعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن بلاده مستعدة لاستيراد المزيد من «المنتجات الفرنسية عالية الجودة».
أتاحت الزيارة أيضًا تعزيز التعاون الجامعي، ولا سيّما في جامعة سيتشوان، حيث اختتم إيمانويل ماكرون زيارته. وترغب فرنسا في استقبال عدد أكبر من الطلاب الصينيين، وهو مكسب في وقت تُغلِق فيه الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب أبوابها أمام الطلاب الأجانب.
ورغم أن نتائج الزيارة جاءت أقل من طموحات باريس، فقد حظي ماكرون باستقبال رسمي حافل في الصين، يعكس مكانة العلاقات التاريخية بين البلدين، حسب مراقبين ومحللين، والذين رأوا أيضًا أنه رغم محدودية مكاسب هذه زيارة الرئيس الفرنسي هذه إلى الصين، فإنها تمثل خطوة فرنسية للحفاظ على جسور التواصل مع قوة دولية يتعزز دورها بوتيرة متسارعة في رسم مستقبل العلاقات الدولية. ولذلك، فإن استمرار الحوار بين الجانبين يُعد أمرًا ضروريًا في عالم يتجه نحو المزيد من الانقسام والمنافسة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية