بناء التحالف نيابة عن أوكرانيا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، تحوّل منذ أشهر إلى إدارة الأزمة في غزة. وتقف أمريكا الآن على خلاف مع حلفائها المخلصين مثل، فرنسا وكندا وأستراليا واليابان وغيرهم، من الذين صوّتوا جميعا لصالح قرار الأمم المتحدة، ولقرار يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة. وقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد كل قرار أكثر من مرة، على أساس أن أي وقف للأعمال القتالية من شأنه أن يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها ومهاجمة إسرائيل مرة أخرى. من يُشجّع على استمرار الحرب إذن؟ بإمكان واشنطن إيقاف المجازر اليومية في حق الشعب الفلسطيني لو أرادت، ولكنها لا تفعل ذلك، وتسمح لإسرائيل بالتمادي في القتل والإرهاب.
الضغينة تجاه واشنطن بشأن دورها في صراع غزة يمكن أن تؤدي إلى تعقيد الأهداف الدبلوماسية الأخرى للولايات المتحدة، على الأقل في المدى القريب. بينما تحرس الولايات المتحدة مصالح إسرائيل في الأمم المتحدة، وتؤيد هدفها المتمثل في تدمير حماس، وتوفر ذخائرها النوعية، يرى جزء كبير من العالم أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تُمكّن من شنّ حملة عسكرية إسرائيلية فتاكة، لا يمكن تبريرها، تحت إطار القصف العشوائي والتدمير والإبادة والسماح بالتجويع كسلاح في هذه الحرب البشعة، التي تستهدف شعبا عربيا تحت أنظار الحكومات العربية.
في الماضي، سمح بعض زعماء المنطقة لشعوبهم المحبطة بالتنفيس عن غضبهم من خلال الأنشطة المؤيدة للفلسطينيين والمناهضة لإسرائيل. ولكن الآن المعاناة في غزة تورّط الحكومات العربية في عيون العديد من مواطنيها، لذلك فإن الهتافات تخطّت منطقة حساسة. وبعيدا عن مواكبة شعوبها فيما يتعلّق بقضايا الفرص الاقتصادية والحريات السياسية، واجهت بعض الحكومات في العالم العربي منذ فترة طويلة استياء متزايدا بشأن علاقاتها مع إسرائيل وحليفتها الرئيسية الولايات المتحدة. والآن أدّت حرب غزة، وما يعتبره العديد من العرب تواطؤا من جانب حكوماتهم إلى دق إسفين قديم بين الحكام والمحكومين بقوة جديدة بتعبير «نيويورك تايمز» الأمريكية. عندما بدأت إسرائيل بتطبيع علاقاتها مع بعض جيرانها عام 2020، في إطار اتفاقيات إبراهام، التي توسطت فيها الولايات المتحدة، بدأ العديد من المحللين يتساءلون عما إذا كانت القضية الفلسطينية لا تزال تُشكل أهميةً للعالم العربي، وتزايدت الشكوك حول ذلك أواخر عام 2023، عندما بدا أن المملكة العربية السعودية قد تنضم أيضا إلى الاتفاقيات، وتُطبّع علاقاتها مع إسرائيل دون المطالبة في المقابل، بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. اليوم، وعلى عكس ما كان عليه الحال قبل السابع من أكتوبر، لا يمكن لقادة المنطقة تجاهل دعم شعوبهم للقضية الفلسطينية، وإذا أرادت إسرائيل أن تُحرز تقدّما ملموسا في اندماجها في المنطقة، فلا بد من إيجاد سبيل ما لإقامة دولة فلسطينية مثلما أكدت «فورين أفيرز». تحتاج واشنطن بشدة إلى إعادة التفكير في علاقتها بالقوة العسكرية، وفي تشجيعها مغامرات إسرائيل في المنطقة. قبل كل شيء، يجب أن تتوقف عن اعتبار المغامرات العسكرية، الحل الأمثل لجميع التهديدات المحتملة. وفي الوقت نفسه، لا يمكنها النظر إلى كل تدخل محتمل على أنه كارثة حتمية من شأنها تحويل الموارد عن الأولويات المحلية. إن الخطر الحقيقي، حسب جينيفر كافانا وبريان فريدريك، ليس التدخلات العسكرية في حد ذاتها، بل في التدخلات الكبيرة ذات الأهداف التوسعية البعيدة عن الواقع على الأرض، «هؤلاء هم الذين يقامرون بدماء الولايات المتحدة وكنزها».
تحتاج واشنطن إلى إعادة التفكير في تشجيعها مغامرات إسرائيل في المنطقة وقبل كل شيء، يجب أن تتوقف عن اعتبار المغامرات العسكرية هي الحل الأمثل لجميع التهديدات المحتملة
باسم مصلحة الكيان الصهيونيّ «المهدّد وجوديا»، لا يبرّر الاحتلال الإسرائيلي جرائمه ومحارقه في غزة، بل يعتبر قتل المدنيين وإبادتهم بالآلاف «دوغما صهيونية» مدعّمة بالفتاوى الحاخامية، وبالنزعات الجنونية، وبالطبع متكئة على الدعم الأمريكي المطلق، حيث تنكّرت أمريكا بشكل تام لمعظم قرارات الأمم المتحدة المؤيدة للحقوق الفلسطينية، ليس في هذه الحرب الدائرة اليوم فقط، التي كشفت لا أخلاقية سياسية ودبلوماسية. هناك تناقض جوهري في إلحاق هذا النوع من المعاناة بالشعوب، باسم هزيمة حزب الله، أو إضعافه، أو هزيمة حماس أو إضعافها. حركات المقاومة في لبنان أو في فلسطين تدين بتأسيسها ونموّ قوّتها إلى الاستياء الشعبي من الألم الذي ألحقته إسرائيل بالفلسطينيين وباللبنانيين سابقا. ولا يوجد ما يدعو إلى توقّع اختلاف هذا النمط في المستقبل، سواء كانت حماس أو كان حزب الله نفسه الوسيلة الرئيسية لتعبئة هذا الاستياء أم لا. ورغم التكاليف البشرية الباهظة، فإن كل هذا لن يوفر لإسرائيل أمناً مطلقاً، نظرا للنمط المتكرر من المعاناة التي تثير ردود فعل عنيفة. وبالتالي، فإن أحد هذه التكاليف، أن إسرائيل نفسها ستعيش فعلا إلى الأبد «تحت رحمة السيف».
لم يتمكّن المجتمع الإسرائيلي أبدا من حلّ التناقض بين الجاذبية العالمية لمُثل الإعلان والإصرار الأضيق لتأسيس إسرائيل كدولة يهودية لحماية الشعب اليهودي، خاصة أنه عند إنشاء إسرائيل، في مايو 1948، تصوّر مؤسسوها دولة تحترم القيم الإنسانية وتؤيد القانون الدولي. أصر إعلان الاستقلال، الوثيقة التأسيسية لإسرائيل، على أن الدولة «ستضمن المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكانها بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس»، وأنها ستكون «وفية لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة». لكن منذ البداية، لم تتحقق هذه الرؤية أبدا، فبعد ما يقرب من عقدين من الزمان منذ توقيع الإعلان، عاش الفلسطينيون في إسرائيل تحت الأحكام العرفية. على مدى عقود، ظهر هذا التناقض الجوهري مرارا وتكرارا، ما خلق اضطرابات سياسية شكّلت وأعادت تشكيل المجتمع والسياسة الإسرائيلية، دون حل التناقض.
لكن الآن الحرب في غزة والأزمة القضائية التي سبقتها جعلت من الصعب أكثر من أي وقت مضى السير على هذا النحو، ما دفع إسرائيل إلى نقطة الانهيار. ومن الواضح أنّ استراتيجية مجرم الحرب نتنياهو، تعتمد على استغلال التردد الأمريكي وتحويله إلى غطاء دبلوماسي لمزيد من التصعيد الإقليمي على نحو مستمر. هذا جوهر ما يفعله نتنياهو بعد استمراره في أعمال الحرب والإبادة والارهاب على غزة المحاصرة والمنكوبة. حسابات تل أبيب غير مرتبطة بالالتزامات التفاوضية، ولم تكن يوما كذلك. وعندما يجد رئيس حكومة الاحتلال أن دعم الرئيس الأمريكي ترامب ليس مجانيا، بل قائم على صفقات ومصالح تجعل مواقفه مترددة، فهو يعلم بالتالي أن مثل هذا الرئيس وإدارته لن يضغطوا على إسرائيل لتطبيق مشروع إعمار غزة، أو إنهاء الحرب بشكل نهائي رغم ما يقال عن مفاوضات جارية الآن تهدف إلى وقف الحرب.
بناء نظام عالمي قادر على إدارة التحديات المشتركة، بدءا من معضلة الحروب الهمجية التي تنتهك حقوق الإنسان وتمنع استقلال الشعوب، وأيضا معالجة مشاكل تغير المناخ والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وصولا إلى تخفيف خطر المواجهات العسكرية المدمرة، في زمن التطبيع مع الحرب النووية. وتحقيق تنمية بشرية عادلة، هي الرهانات والتحدي الحقيقي أمام الدول. صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال تلعب دورا مهمّا، لكن عليها التخلي عن فكرة الزعامة العالمية الإمبراطورية، عليها أن تفسح المجال لنظام مترابط، حيث تتقاسم القوى الإقليمية والمؤسسات الدولية والكتل الاقتصادية المسؤولية عن الاستقرار العالمي. بدلا من البحث عن هيمنة عالمية جديدة، يجب على المجتمع الدولي أن يتبنى نظاما أكثر لامركزية وأشد تعاونا وإنسانية.
كاتب تونسي