«أنا والقدس»: شهادة لهوية المكان وساكنيه… وسجل تاريخي لمباهج المدينة قبل النكبة

حجم الخط
0

«أنا والقدس»، سيرة ذاتية للكاتبة والمربية المقدسية هالة السكاكيني (2002-1924)، صدرت باللغة الإنكليزية عام 1990، عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تحت عنوان Jerusalem and I: A Personal Record، بترجمة إلى العربية من هلا الشروف. وفي عام 2019 صدرت بالعربية، عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، وقدم لها رناد القبج وسليم تماري.
عنوان النسخة الإنكليزية جاء مستهلا بالقدس المكان (القدس وأنا) ما يستدعي تصنيف هذه السردية، في قالب «سيرة مكان»، لكن الإضافة «سيرة ذاتية»، الممَوْضعة تحت العنوان، تشير بشكل قاطع، أن الكتاب سيرة ذاتية لا سيرة مكان، وإن كان الاثنان القدس والكاتبة، في هذا العمل التخييلي، جسديْن ملتصقيْن مثل توأم سيامي، لا يمكن الفصل بينهما، تأكيدا على التعلق الروحي بالمدينة والرابط التاريخي بينهما، كما أن السرديات المنثورة بين دفتي الكتاب، بغالبيتها سيَر ذاتية وتراجم، للمؤلفة هالة السكاكيني وأختها دمية، وأمها سلطانة، وأبيها المربي والمعلم والكاتب خليل السكاكيني (1878 -1953) وأخيها سَري السكاكيني، اللذيْن فجعت برحيلهما القاسي عام 1953، ما أرغمها على مغادرة القاهرة التي لجأت إليها بمعية أختها ديمة وعمتها ميليا عام 1948، والعودة إلى رام الله عام 1953.
إنها لملمة ذكريات الطفولة والصبا التي عاشتها هالة في القدس القديمة في الحي المسيحي، وفي القدس الغربية في حي القطمون، الذي سكنته العائلات الميسورة، إبان الانتداب البريطاني على فلسطين. تنثر فيها تفاصيل صغيرة، عن طفولتها وعن عائلتها، وفي عين كارم وفي القدس، الانتدابية المشتهاة والأثيرة، بين الأعوام 1924-1948. إنها خريطة جغرافية وتاريخية وثقافية واجتماعية لمدينة القدس الانتدابية، وشهادة لهوية المكان وساكنيه العرب وسجل تاريخي وشجرة لعائلتها، وألبوم جميل لمباني القدس، ومباهج الأفراح والمسرات التي عاشتها فيها قبل عام 1948، المكوية بفاجعة رحيل أمها عام 1939.
في هذه السيرة المدينة، تحضر القدس بشرا وحجرا، هوية وانتماء جغرافيا جميلا، وتاريخا ممتدا في عمق الزمن، فالكاتبة مزهوة بانتمائها المقدسي، والقدس في عينيها مدينة عظيمة، وانتماء وجذور ووطن تاريخي أبا عن جد، وهي تقيم علائق روحية وعاطفية معها: «القدس مدينتي. في تلك المدينة العظيمة ولد أبي، وكذلك جداي من الطرفيْن إلى الجد السابع. (كانت جدة أبي لأبيه يونانية ولدت في إسطنبول). ومع أنني لم أمضِ في القدس إلا الأعوام الأربعة والعشرين الأولى من حياتي، إلا أنني أشعر، وبحق، بأنه تربطني بهذه المدينة العظيمة قرون من التاريخ العائلي، وأيا كان المكان الذي أعيش فيه، سأظل مقدسية دائما». والقدس هي العلائق الروحية، الأهل والبيت والأصدقاء والجيران، وهي المدرسة والزملاء، وهي كلية النهضة التي بدأت هالة التدريس فيها، عام 1946، وهي التحية التي طرحها عليها أخوها سري، في اليوم الأول من مزاولتها التدريس «ما زلت أبتسم عندما أتذكر كيف حياني سري عندما عدت إلى البيت بعد يومي الأول في التعليم: «أهلا معلمتي».
والقدس هي والدها المربي والأديب خليل السكاكيني (1878-1953)، والأثر العميق الذي تركه فيها، والحِراك الثقافي والتجديد التعليمي الذي قام به في فلسطين عامة، والمنتدى الأدبي الذي أقامه في بيته، واستقبل فيه كوكبة من رجال الفكر والعلم والأدب والفن، أمثال طه حسين وميخائيل نعيمة وعباس محمود العقاد والممثل يوسف وهبي، «كان أبي مدير مدرسة. وكان قد تخرج في سن الخامسة عشرة في مدرسة في القدس، يديرها مبشرون إنكليز وألمان بالتناوب، وأصبحت تعرف لاحقا باسم الكلية الإنكليزية». إنها إطلالة من الداخل، على فكر وبيت، وحياة خليل السكاكيني أحد رجالات ورموز فلسطين.
والقدس هي بيت الطفولة والذكريات والخريطة المحفورة في المخيلة، وهي أحاديث وحكايات أفراد الأسرة، أو «العائلة الصغرى»، بتوصيف والدها خليل السكاكيني «خلال أول عاميْن من حياتي عاشت أسرتنا في بيت صغير، على الأطراف الغربية لمدينة القدس، حيث كانت البيوت قليلة ومتباعدة، وتفصلنا عن جيراننا مساحات من الحقول مكشوفة. وكانت كلية تراسنطا المبنية حديثا، تقع في الجوار، كان البيت الذي سكنا فيه، معروفا للأصدقاء والأقارب باسم الكوخ، وكان في الأصل طاحونة هواء قديمة». والقدس هي الأحياء والبيوت التي سكنتها، البيت الواقع في الكولونية الألمانية، «أمضيْنا في ذلك المنزل ستة أعوام، من سنة 1931 حتى سنة 1937»، وبيتهم الجديد في القطمون المعروف برقيه، الذي انتقلوا إليه عام 1937، هذا الحي الراقي، الذي سكنته البورجوازية الفلسطينية، وهو تجسيد لجمالية البناء المقدسي، كما تكرر في معظم السير الفلسطينية. والقدس في هذه السردية، هي المناطق السكنية الجديدة، الأحياء العربية الراقية مثل القطمون، والبقعة التحتا والنمامرة والطالبية بكياسة أهلها المقدسيين». وقد شكلت معا مدينة حدائق، إذ إنها كانت تتكون من فيلات محاطة بالحدائق. وكانت البيوت كلها، بلا استثناء تقريبا، مبنية من الحجر، والقدس هي الحدائق والمقاهي، المنثورة فيها والمطلة على تلالها المكسوة بالزيتون، «كانت مقاهي إفرست وبانوراما وعايدة تقع على التلال المحيطة بقرية بيت جالا جنوبي القدس، وكانت جميعها تطل على مشهد طبيعي من التلال المغطاة بأشجار الزيتون».

زيارة البيت الذي لم يعد لهم في القطمون وانفجار الذكريات

القدس الانتدابية في سيرة هالة السكاكيني، مغمورة بالمسرات، ومسورة بمواسم الأفراح والمناسبات السعيدة، لكنها بين 1946- 1948 أضحت بئر مواجع، وقارورة أحزان وأعراس دم، وصدامات بين اليهود والعرب، وانفجارات وحوادث قتل وجنائز، وحكايات وجيعة بفعل النكبة، بعد أن هجر أهلها، واقتلع سكانها، وسلب بيتهم الواقع في القطمون، والتي قامت المؤلفة وأختها دمية، بزيارته قسرا عام 1967، «يوم الثلاثاء الرابع من تموز/ يوليو 1967، بعد شهر على حرب الأيام الستة، زرنا، أنا وأختي دمية، بيتنا في حي القطمون في القدس أول مرة منذ تسعة عشر عاما. كان لقاء حزينا، كأن تلتقي شخصا عزيزا رأيته آخر مرة وهو في عز الشباب والصحة والأناقة، لتجده قد أصبح هرما، مريضا ورث الثياب، بل أسوأ من ذلك، كأن تلتقي صديقا تغيرت شخصيته تماما، ولم يعد الشخص الذي عرفته قبل أعوام. لقد أمضيْنا حياتنا منذ سنة 1948 في المنفى، بعيدا عن قدسنا. كنا فقدنا الأمل تقريبا بأن نرى القطمون وبيتنا مرة أخرى. وعندما جاءتنا الفرصة أخيرا لزيارة حينا القديم، ترددنا، ما هكذا أردنا أن تكون عودتنا». هذه العودة الخجولة شبيهة بعودة سعيد في رواية «عائد إلى حيفا» 1969 لغسان كنفاني (1936- 1972)، وزيارتَيْ إدوارد سعيد (1935-2003) لبيتهم المسلوب، في القطمون عام 1992 وعام 1998.
في سيرة هالة السكاكيني، بعد 19 عاما من حرب فلسطين، واضطرارهم للهروب من البيت، تغيرت وضعية البيت، من مشرق ومضيء إلى باهت، دالة على المناخ الحزين والموجع للساردة، كما تغيرت هوية ساكنيه. ففي الطريق مشيا إلى البيت، بدأ ينثال أمام هالة وأختها دمية، شريط ذكريات الطفولة والصبا في حي القطمون، من استذكار البيوت والمحال وساكنيها، أمثال محل تلميع الأحذية لصديقهم الأرمني، ومحل حلويات «أبو شفيق»، ودكان فاكهة جودت الأحمد، الذي كان يبيع فيه عدا الفاكهة، الصحف العربية المحلية مثل «فلسطين» و»الدفاع». ودكان شتيرن، وصالون حمودي للتجميل والحلاقة، ومقهى بيكاديلي لعيسى سلفيتي، وخضراوات الدجاني وملحمة الكالوتي، وبيتيْ عائلة طليل وفيلتَيْ مرقص التوأميْن. وعندما وصلتا بيتهما، الذي أضحى يستخدم حضانة وروضة، «شعرنا بالراحة عندما رأيْنا قرميد السطح ما زال في مكانه، وأنه لم تبْنَ فوق البيت طبقة أخرى.. لقد وصلنا إلى وجهتنا. كانت لحظة حزينة! من الخارج بدا البيت سليما، لكنه، وبشكل ما، بدا قاتما. كانت الجدران مغبرة، والدرج قذرا، وكان طلاء النوافذ قد بهت».. وحين سمعتا أصوات أطفال، من الغرفة التي كانت في ما مضى غرفة جلوسهما، طرقتا الباب، فظهرت سيدتان تتكلمان الألمانية «حاولنا أن نشرح: هذا بيتنا، كنا نعيش هنا قبل سنة 1948، هذه أول مرة نراه منذ تسعة عشر عاما.. بدأ التأثر على السيدة الطاعنة في السن، لكنها بدأت تشرح لنا فورا أنها هي الأخرى فقدت بيتا في بولندا، وكأننا نحن شخصيا، أو العرب عامة، المسؤولون عن ذلك. وجدنا أن من غير المجدي مجادلتها». وقد غادرتا البيت مصحوبتيْن بالخواء والخيبة العميقة والإحباط.
لقد حملت هذه السيرة، المكتوبة بشفافية وجرأة، بمنظور مثقفة فلسطينية تنويرية، القدس إبان نهضتها العمرانية والثقافية، فسيفساء جميلة، بأحيائها العربية ومجتمعها المتآخي، ورموزها، وشوارعها، ومبانيها الجميلة، ومقاهيها ومنتدياتها، وجبالها وأشجارها، وأفراحها وأحزانها.. إنها هوية مكان مسروق، يحمل علائق روحية لأشخاص شتتوا واقتلعوا منه.. وما زالوا يحملونه بتفاصيله في تلافيف الذاكرة الجماعية، إنها سيرة كل فلسطيني عاش أحداث نكبة 1948. سِفر مهم في تاريخ القدس الانتدابية ومرجع توثيقي.
*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية