يمكن للمرء التّعرّف بسهولة على ما يجب أن يفعله في حياته القصيرة، منها أن تكون مصريّاً خالصاً لمدّة تسعة أيام هي زمن زيارتك تلك البلاد، من 8 إلى 17 كانون الثاني/يناير 2025، مستبقاً معرض القاهرة الدّولي للكتاب، بل وعازماً على عدم حضوره، فليس من طبعك اللّهاث وراء الجديد في دنيا الأدب، وما لديّ في مكتبتي يَكفيني حتى لو عشتُ مئة مرة. يقول ألبير كامو: «الذين يقتنون كثيراً من الكتب لا يقرأونها». وإن اطّلعوا عليها، لا يتمّ لهم تمثيلها في البدن والعقل والفؤاد دون إعادة قراءتها مرّات، ومن ثَمَّ تنظير هذا التمثيل وتحويله إلى تأسيس أخلاقي يؤثر في الوعي والسّلوك وطريقة العيش. هذا من ناحية، ومن أخرى فإنه «في مصر يرى الإنسان كم هو جميل التّعبير الطّبيعي التّامّ، أكثر من التّعبير السّحري لأحسن الفنّانين»، وأكثر أيضاً مما يُنجزه الأدباء. العبارة للسيدة الإنكليزية ليدي دوف جوردون، زارت مصر في القرن التاسع عشر، وألّفت كتاباً في صورة رسائل كانت تبعثها إلى زوجها وأبيها، وكنت أصطحب معي في أيام رحلتي مؤلّفها «رسائل من مصر»، وأحاول أن أجرّب كيف تتماهى عيون البشر، وإن اختلفت جنسيّاتهم وطباعهم، في ما تنظر وتخزّن من صور وأفكار.
«التّعبير الطّبيعي التّام» في كلام السيدة جوردون لا يعني أنك تجد نفسك بدائياً في هذه البلاد، وعليك من أجل أن تأخذ بأبعاد هذا التّعبير، أن تعيش مع المصريين مثل من يكتشف عالماً جديداً، لتدرك أنهم جميعاً فنّانون بالفطرة، لا يحتاج الواحد منهم إلى موهبة أو تلقين وتمرين في سبيل أن يكون من أهل الفنّ الأصيل والقديم، كأنما منذ عصر آمون رع إله الشّمس. تسألُ شابّاً واقفاً في الشّارع عن موقع ساحة (طلعت حرب)، ويُجيبك مباشرة وبكلام سريع ومعسول باللّهجة الدّارجة: «خذ يا فندم الدّخلة التانية عاليمين وتمشي على طول حتلائي راجل وائف عالمنصّة عامل كده هو- ويتّخذ الشّابّ وقفة فيها مهابة مصطنعة، بهيئة كاريكاتيريّة للتّمثال الشّهير الذي يتوسّط السّاحة، ثم أطلق الشابّ ضحكة أنستْه الفقر والعوز اللّذين يوجعان قلوب المصريّين المنكسرين و(الغلابة) في هذه السنين، فهم يجابهون قدَرهم وحيدين وعزل، وليس هناك من يقدّم لهم المساعدة.
وأنت تسير في الشّوارع المؤدّية إلى السّاحة الشّهيرة، ينتقل إليك جلال فنّ العمارة القديم، فيسكن روحك وتشعر عندها بالسّموّ والرِّفعة، قريباً من أن ترتفع قدماك عن الأرض، ويتأكّد لديك هذا الإحساس عندما تفكّر في أن هذا العزّ والمجد يقف وراءه ناس بسطاء، يسبحون في لجّة الفقر في كلّ شيء، المأكل والملبس ووسائل النّقل… يا لعظمة ومجد الإنسان عندما يقدر على خلق الممكن من المستحيل، ويا لروعة الحياة عندما يعيش من حولك، من يستطيع أن يثبت أن كلّ شيء يأتي من لا شيء! أين هي الخرائب والحطام الذي ينتشر في بلدي مثل السّرطان، وسط بحر النّفط والمال، مع رافدين ووادٍ كان في الماضي قِبلة الأرض، ولدينا بالإضافة إلى ذلك ابنة ولدت وعاشت وتربّت هنا، اسمها زُهاء حديد؟ من أين جاءتنا كلّ هذه اللّعنة، وأيّ ذنب اقترفناه كي ننتهي إلى هذا المصير؟
يتّهم أندريه مالرو المصريين بأنهم جاؤوا أولاً بفكرة التوحيد، فالنيل واحد، والإله على هذا الأساس يجب أن يكون لا شريك له في الطاعة والخدمة والولاء. مرّة أخرى مع رسالة السيّدة الإنكليزية إلى «أمها الحبيبة». القاهرة في 21 مايو 1863: «في المدينة القرآن مرئيّ وواضح جدّاً، وفي الرّيف ترى هيرودوت الذي هو واضح ومثير، بين القبط في كنائسهم التي أقيمت على شكل المعابد القديمة». هذا صحيح تماماً، فالمصريون متديّنون بصورة مبالغ بها، لكن بدل الإسلام المغلق الذي يريد به المؤمنون العودة السّريعة إلى الماضي، تجد في مصر أنماط حياة وطقوساً من عقائد قديمة تنهض «حتى من خلال الصّدق الصّارم للإسلام» بتعبير السيدة. الإسلام والمسيحيّة هنا فرعان من ديانة فرعونيّة مُحدثة ومعدّلة، هدفها التقويم وليس الطّاعة، وزراعة الهدوء المستقرّ في النّفس، بالإضافة إلى فلسفة الشكر التي تحتاج إلى دراسة، فالمصري يشكر الله على ندرة الخبز، وعلى الجوع والمرض، وحتى موت الأحبّة، وربما كان في الأمر نوع من المكابرة.
من خلال زياراتي العديدة إلى هذه البلاد، أستطيع القول إن أكثر من 90 ٪ من أهلها لا يقربون الخمرة، واستبدلوا بها الدخان المخدّر في مختلف صوره. ثم رفع الصديق عزّت القمحاوي هذه النّسبة بعد اطلاعه على المقال إلى 95 بالمئة، ويعود السبب على الأغلب إلى عدم وجود آية صريحة بتحريم الحشيش في الكتاب المنزّل. يمكن لمشهد النيل الواسع أن يمزج السماء بالأرض، وهو أمر تشترك فيه جميع أنهار العالم. لكنك لا تستطيع في هذه البلاد غير أن تكون مصريّاً، لأنك ترى الشّمسَ مثلما يراها المصريّون، وتقبّل ضوءها بحرارة، وجميع السيّاح والغرباء يرونها مثلك، حتى الوزير العتيد كيسنجر، بوجهه المتجهّم المنقبض، لمّا زار البلاد في السبعينيات، بانت ألوان شمس النيل السعيدة على محيّاه، واضطرّ لهذا السبب إلى أن يشعر بطلاوة المتعة التي تهبها لنا دون مقابل الموسيقى الشّرقية، وربما راح يتمايل الثّعلب في داخله مع الأنغام، على وقع أقدام فراشة أرضيّة اسمها سهير زكي.
قدّمت السينما المصرية خدمة عظيمة للأمة المصرية، وأساءت إليها في آنٍ. نشرت لهجة أهل البلد في جميع بلدان الضاد، لكنها عكست صورة أخرى عنهم غير حقيقية بالمرّة. يقول هيرودوت عن المطر في بلاد النيل بأنه «معجزة»، وإنني أستبدل بالمطر هنا أخلاق المصريين وعاداتهم وطباعهم، فهي في محلّ توقير كبير حيثما حللت، وهذه أسس الحضارة العظيمة والمستقرّة، بينما أظهرتها لنا الدراما المصرية في أكثر الصور قتامةً، وتترك المشاهد مشفقاً على هذا الشعب ومصدوماً، حتى إن المرء يتساءل كم يحتاج المصريّون من زمن من أجل غسل التّشويه الذي لحق بهم من جرّاء السينما.
الأجانب تلقاهم في أنحاء البلد في كلّ (حتّة)، في الفندق من فئة الخمس نجوم، وفي الجامع والزّقاق والمطعم الفقير بطعامه وناسه. أمريكان وإنجليز ويابانيون وفرنسيون وأتراك وإسبان وزنوج وشراكسة وألمان، لكن الغلبة هنا للقوميّة الرّوسيّة، فكأنّ مصر باتت لهم دارَهم الثانية. «إلى السير ألكساندر دوف جوردون. الثلاثاء 5 يناير 1864. أعتقد أنك ستلقي رداءك الإفرنجي في مصر وترتدي جلباباً داكناً ولبدة، وبسرعة تصبح أسمرَ مثل أيّ فلاح».
في هذا البلد عليك أن تكون مصريّاً لأن «ما تلقاه من المصريين وكلّ ما هو مصري لا شيء غير الرّقّة والإخلاص والأدب»، بتعبير السيدة الإنكليزيّة. يقول لك عامل الفندق حين تعود في المساء: «أهلاً بك في بيتك ومطرحك» و»تعبنا كثير في غيابك». نسبة عالية من العراقيين وأهل الخليج مغرورون، مع بعض الخشونة في الطّباع والعادات، والشّاميون متكلّفون واستعراضيون في الغالب، في المقابل هناك رقّة وهدوء لدى المصريين، وهم حسّاسون جداً أمام أي إرادة شريرة، حتى إنه «إذا حدّق فيهم رجل بقوّة، فهذا يكفي أن يجعلهم يمرضون». النساء هنا بسمرة إفريقية، وهيئات وملامح متشابهة تقريباً، والعيون بلون القهوة، فيها سحر خاصّ يَفتن الرّجال ويقهرهم. «أوقات العمل هي سبع ساعات في النّهار، وسبع ساعات أخرى إضافيّة في اللّيل، يرجع العمال إلى بيوتهم للعشاء، وينامون قليلاً ثم يعودون إلى العمل. هؤلاء هم المصريون الكسالى!»، تقول السيّدة متندّرة. بمثل هذا النّظام المتشدّد في العمل تمّ بناء تحفة الزّمان أبد الدهر؛ الأهرامات، ولهذا السبب أيضاً كان المصريون نحافاً أو لديهم بنيان متين، ولا توجد سمنة وكروش بعلوّ الجبال. ومثلما كانت مصر هبة النيل، فإن مصر بالمقابل هِبة الصعيد، فترى ناسه في كلّ مكان في البلاد، يتبّلون طعم الحياة وطريقة العيش؛ ثيابهم وهيئاتهم ولهجتهم تعلن عنهم، وفيها ما يلذّ العين والسّمع والوجدان. سألتُ رجلاً من الصّعيد يبيع ملابس أطفال ونساء: «هل هذه بضاعة الصّعيد؟». أجابني محتجّاً: «في الصّعيد نصنع (ركّاله) ونبعث بهم إلى أمّ الدنيا».
في مقهى على كورنيش النيل، توقّف رجل عابرٌ في سبيله قربي. لم يكن يبدو عليه البَلَه. سألني، وكان يتكلّم ببطء، وبصوت خفيض، وهذا دليل على أنه متأكد مما يقوله:
«لماذا يبدو عليك (يا فندم) الغضب والزّعل؟».
استغربتُ السّؤال، وعمّ ضباب خفيف رأسي، ولمّا لم أجبه بشيء، غادرني الكهل الذي لم أكن أعرفه ولا يعرفني، فأنا غريب في هذه البلدة، وتكدّرت بسببه البهجة الوادعة التي يشعر بها السّائح، ثم عدتُ أدير في بالي ما قاله لي. لماذا يبدو عليّ الزّعل والغضب؟