أصوات الأرض المعذَّبة ـ من غزة إلى السودان السينما تحوّل الألم إلى شهادة في مهرجان الدوحة

خالد الطوالبة
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: في قلب صخب العالم، حيث تُغرق السياسة الضوضاء في أعين البشر، تتحوّل السينما في قطر إلى منبر للذين لا صوت لهم، للذين يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط الحروب والجوع والفقدان.
النسخة الثالثة عشرة من مهرجان الدوحة الدولي للأفلام، التي انطلقت الخميس، تمنح للألم مساحة للتنفس، وللصراخ صدى يمكن للعالم أن يسمعه.
97 فيلمًا من 62 دولة ستعرض على مدار ثمانية أيام، وجوائز تصل قيمتها إلى 300 ألف دولار، لكنها كلها أرقام تبدو صغيرة أمام حجم الحكاية الحقيقية: أصوات المعذَّبين على الأرض. من غزة إلى السودان، ومن الكونغو إلى سوريا ولبنان، تلتقي هذه الأصوات على شاشات السينما، لا على صفحات الأخبار، لتصبح شهادات حية على معاناة البشر.

صوت هند رجب

المهرجان افتتح هذا العام بفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي يوثق اللحظات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية التي هزّت العالم قبل أن تُقتل مع عائلتها. هذا الفيلم بيان إنساني وسياسي لا يترك مجالًا للحياد.
كوثر بن هنية تقول في حديثها لـ«القدس العربي» :»هند لم تكن تريد أن تموت… كانت تريد فقط أن تُسمَع. حين استمعت لأول مرة لتسجيل مكالماتها، لم أعد مجرد مخرجة، أصبحت شاهدة وأمًا. التصوير يجعل المشاهد يعيش اللحظة، لا يكتفي برؤيتها من بعيد. أفلام الحرب ليست عن الحرب، إنها عن النجاة.»
تضيف كوثر: «أردت أن يشعر الجمهور بما شعرته هند في دقائقها الأخيرة. كل حركة، كل نظرة، كل صمت يحمل خوفها وألمها. هذا ليس مجرد إعادة تمثيل، بل محاولة لجعل كل من يشاهد الفيلم يعيش الرعب والانتظار مع الطفلة.» وتشرح: «اخترنا استخدام صوت المكالمات الحقيقية مع الإسعاف والموسيقى المصاحبة بحذر شديد، لتصبح لحظة هند تجربة حسية كاملة. الهدف هو أن يعرف المشاهد أن كل رقم وإحصاء هو إنسان، وأن كل صورة تحمل قلبًا يخفق خوفًا.»
وتضيف: «عرض الفيلم في الدوحة يحمل بعدًا مختلفًا. هنا، المدينة تفهم معنى أن تعطي ضحايا الحرب مساحة للتعبير عن صمتهم. هذه المساحة تسمح للألم بأن يتحوّل إلى شهادة حية.»
وليس «صوت هند رجب» وحده الذي يضع فلسطين في قلب المهرجان. هناك أفلام أخرى مثل «مع حسن في غزة» لكمال الجعفري، و«كان يا ما كان في غزة» لطرزان وعرب نصّار، و«فلسطين 36» لآن ماري جاسر، تشكل برنامج «ذاكرة المقاومة».
كمال الجعفري، المخرج الفلسطيني، يوضح لـ«القدس العربي»: «فلسطين ليست حدثًا عابرًا، إنها ذاكرة كونية. كل فيلم نصنعه محاولة لتثبيت صورة قبل أن تختفي. غزة ليست مجرد قصة، إنها سؤال عن كيفية نجاة الإنسان من محاولات محوه.»
ويضيف: «في فيلم (مع حسن في غزة) حاولت أن أدمج شهادات حقيقية من السكان مع لقطات درامية، لأن التوثيق وحده لا يكفي. الجمهور يحتاج لأن يشعر بمعاناة الناس، ليعرف حجم الخسارة اليومية.»
ويقول: «كل مشهد يحمل رمزية، حتى تفاصيل الحياة اليومية في غزة. من صوت الأطفال وهم يلعبون تحت الأنقاض إلى لحظات الأمل الصغيرة، كل ذلك يجعل الصورة أقوى من أي تقرير صحافي.»
ويشرح: «السينما تمنحنا القدرة على توثيق الحياة، على تثبيت التفاصيل التي قد تنسى مع الزمن. هذا جزء من المقاومة؛ مقاومة النسيان، ومحاولة إعطاء كل إنسان حقه في أن يُرى ويسمع.»

السينما لإثبات البقاء

آراء مشابهة تحملها المخرجة آن ماري جاسر، صاحبة فيلم «فلسطين 36»: «الفلسطيني لا يبحث عن البطولة… يريد الحياة. السينما هي الطريق لإظهار أننا ما زلنا هنا، وأن الجرح لم يلتئم بعد. الفن لا يمكن أن يتجاهله العالم، حتى لو تجاهل الأخبار.»
وتضيف آن ماري: «في (فلسطين 36) حاولت أن أصور الواقع اليومي داخل المخيمات، وأن أركز على التفاصيل الصغيرة التي تحكي قصة صمود الناس: العائلات، الأطفال، وحتى الطرق الضيقة التي يسير فيها السكان. كل هذه التفاصيل تحمل رسائل أمل وصبر.»
وتكمل: «السينما تمنحنا القدرة على جعل المشاهد يشعر بأنه جزء من المشهد، وليس مجرد متفرج. نحن لا نصنع أفلامًا عن الحدث السياسي، بل عن البشر الذين يعيشون تحت الاحتلال، ويقاومون الحياة اليومية.»
وتقول: «عرض الفيلم في الدوحة يحمل قيمة خاصة. هنا يشعر المخرج بأن صوته لا يُنسى، وأن الجمهور العربي يفهم المشهد دون حاجة إلى شرح إضافي. الفن يصبح لغة مشتركة تجمع الناس على الإنسانية قبل كل شيء.»

قصص تلتقي في الدوحة

لكن المهرجان لا يختزل الألم في فلسطين فقط. من السودان، تأتي أفلام توثق النزاع والتهجير والجوع، ومن الكونغو الديمقراطية تتناول الصراع بين الجيوش والميليشيات، ومن سوريا، أفلام عن شعب مشتت على الخرائط، ومن لبنان، مشاهد المخيمات مثل برج البراجنة وشاتيلا وعين الحلوة. كل هذه القصص تلتقي في الدوحة، لتكوّن لوحة من الحزن العالمي، لكنها لوحة تنطق بالإنسانية والصمود.
عبد الله المسلم، نائب مدير المهرجان، يؤكد: «نحن لا نقدّم أفلامًا فحسب، بل ذاكرة. روايات الناس الذين لم يُسمح لهم أن يحكوا قصصهم.»
وفي خضم العواصف الكبرى، يفتح المهرجان مساحة مهمة للشباب القطري. عشرة أفلام هذا العام تحت برنامج «صُنع في قطر»، تشمل أفلامًا وثائقية وروائية وتجريبية، مثل «العقيق: الزخم الافتراضي»، «بابا يذوب»، و«فهد الغاضب». هذه الأعمال، رغم صغر حجمها، تمثل خطوة حقيقية نحو بناء سينما قطرية تمتلك صوتها وجرأتها الخاصة.

السينما أكثر من مجرد ترفيه

المهرجان يقام في عدة مواقع ثقافية في الدوحة: كتارا، مشيرب، قلب الدوحة، ومتحف الفن الإسلامي، وهي فضاءات للحوار، للورشات، للندوات، وجلسات الشباب. السينما هنا أداة فهم، وصوت للذين يريدون النجاة.
اختيار مهرجان دولي لأن يجعل صوت طفلة فلسطينية عنوان افتتاحه، وأن يقدم منصة لمخرجي السودان، الكونغو، والشتات العربي، وأن يفتتح لجنة تحكيم دولية لأول مرة، كل ذلك يرسل رسالة واضحة: الدوحة لا تعرض أفلامًا، بل تُدوّن تاريخ البشر المعذَّبين.
في عالم يحاول فيه الإنسان أن يختفي في صمت، تعلن السينما في الدوحة أن الصمت ليس خيارًا. وهنا يصبح السؤال: لماذا نصنع الأفلام؟ الجواب يأتي من هند رجب نفسها: لكي يسمعنا أحد… فقط يسمعنا.
من غزة التي تبحث عن الهواء، إلى السودان الذي يبحث عن وقف النزيف، إلى المخيمات التي تبحث عن مستقبل، تتجمع الأصوات في الدوحة. مدينة صارت منصة لكشف الألم، لتوثيق الذاكرة، ولرفع صوت الضحية. هذا المهرجان يشكل نصبا تذكاريا مؤقتا للإنسانية، يثبت أن الجرح واحد، والصوت واحد، وأن الصراخ، مهما خفت، وجد مكانه ليُسمع.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية