وصلتني مؤخرا رسالة من كاتب قصة مبتدئ، يسمى نفسه: أسد الكتابة، يقول فيها إنه ابتدأ من حيث انتهى الآخرون ولا يعترف بأي كاتب سبقه على الإطلاق. وسيأتي اليوم الذي يعرف العالم كله ذلك، وإنه يرسل لي نصا من نصوصه القصصية لأطلع عليه وأعرف تماما أهميته، ولم ينس أن يحذرني من محاولات السطو على نصه، لأن النص موثق لدى محام، وسينكشف أمر السارق بالتأكيد.
كانت القصة التي أرسلها تحكي عن ملك قديم صادف فتاة جميلة في غابة وأحبها من أول نظرة، وأراد الزواج منها، ليكتشف أنها ابنة حطاب فقير يعيش في أطراف الغابة، وهكذا يحدث صراع بين قلبه العاشق، ومكانته الكبرى كملك، وينتهي الأمر بأن ينهزم وجدانيا ويعين الحطاب وزيرا عنده، ثم يتزوج ابنته بهذه الصفة.
وطبعا واضح سذاجة القصة، وأنها ليست قصة مبتكرة على الإطلاق، في الحقيقة هي قصة مكررة في كل الآداب الشعبية، العربية وغير العربية، ولطالما قرأنا مثلها في القصص الشعبي، وثمة سلسلة في هذا الشأن تصدرها دار ذات السلاسل في الكويت، أزعم أنني قرأتها كلها، وكتبت عن الشبه الشديد في ما بينها، خاصة موضوع الملك، أو الأمير الذي يحب فتاة فقيرة، ويعين والدها في القصر.
لكن ثمة سؤال يتبادر إلى الذهن: لماذا أنا مهتم بقراءة رسائل الوهم التي تأتي باستمرار في بريدي، بدءا من رسائل المحتالين التي تأتي غالبا من افريقيا، ويزدحم بها بريد الناس كلهم تقريبا، مرورا برسائل المحتالين الأكثر تطورا الذين يبيعون الأحلام للكتاب البسطاء في العالم الثالث، وانتهاء برسائل الكتاب المغمورين وغالبا غير ناضجين، الذين يدججون أسماءهم بألقاب كبيرة مرعبة ولا يقدمون شيئا سوى خواطر وانطباعات مؤسفة، لكن اكتشفت أنني أستفيد من هذه الرسائل، وكثيرا ما أدخلتها ضمن نصوص كتبتها، وكانت ملائمة تماما، وغطت كثيرا من المساحات.
أعود لأسد الكتابة وأعاتبه ليس على ادعاء التجاوز والبداية من حيث انتهى الآخرون، واختراع كتابة جديدة، فهذه نقاط تحدثنا عنها كثيرا، وحذرت شخصيا من الركض وراء الأحلام غير المجدية، وناديت بالتفرغ للتكوين وزيادة المعارف عسى الخروج بشيء ذي قيمة، أعاتبه على استخدام اسم الأسد في تسميته لنفسه، فالأسد رمز للشراسة والتوحش، ويستخدم في موروثنا الشعبي دلالة على الشجاعة، وعدم تهيب الموت، والثبات في النزال، مثلا في رثاء الثائر عبد القادر ود حبوبة، الذي قاد ثورة ضد المستعمر الإنكليزي، في منطقة الحلاويين، في الجزيرة، وسط البلاد:
الأسد النتر من جيهة الأبقار.
لمولو الورط شايلين سلاح النار.
بمعنى أن الثائر الشجاع خرج من وسط الجبناء، ليواجه بسيفه الأسلحة النارية، والعتاد من دون خوف.
وكذا في قصائد عديدة تمجد الشجعان الأسود، لذلك حين تطلق على نفسك أسد الكتابة، فأنت تستغل الأسد في مهمة أخرى ليست من مهماته، الأسد ليس مبدعا، ولا يوجد إبداع في التوحش وسفك الدم، فالأبطال الذين ذكرهم الموروث الشعبي، ووصفهم بالأسود، مهما كان معنى بطولتهم، فلا بد من سفك للدم، ولا بد من موت وخراب.
بالنسبة لمسألة امتلاك الألقاب، والزهو بها ومحاولة تطويعها لدى المبتدئين، أقول دائما بأن ذلك غير مجد إطلاقا، وصراحة مضيعة للوقت والموهبة، إن كان ثمة موهبة، قيمة الكاتب في أعماله وتميزه في اسمه الذي سيتوجّه، إذا توهجت أعماله، فالذي يسمي نفسه كافكا الجديد، سيظل الجديد فقط، طول عمره، ويظل كافكا هو كافكا القديم، الذي نعرفه، والذي يقول بأنه موراكامي افريقيا، سيظل مبتدئا في افريقيا وموراكامي بعيدا بتقاليده اليابانية، ونجاحاته التي صنعها وحده، وكذا ماركيز العرب، وغير ذلك، وأذكر أنني تلقيت مرة رسالة من فوكنر الأسمر، وكانت تمجيدا لكاتب لم أسمع به، وكان يقول بأننا نتجاهل الكتاب العباقرة الجدد، لأنهم أفضل منا، تجاهلت تلك الرسالة بالطبع، ثم تلقيت بعد فترة رسالة أخرى من واحد يقول بأنه والد فوكنر الأسمر، الذي راسلني وتجاهلته، ويدعوني لقراءة روايات ابنه المخطوطة ونشرها، لأكتشف بعد ذلك أن فوكنر الأسمر هذا طفل في الخامسة عشرة، زين له عقله الطفل بأنه من العظماء، ودعمت الأسرة ذلك المنحى المراهق.
رددت على والده، قلت له: شجعه ليكبر في الإبداع لا في الألقاب. فلم يرد عليّ الأب وفوجئت بأنه اشتكاني لأحد أصدقائي.
أنا أيضا حين كنت صغيرا ومبتدئا، لم أسلم من هذه الترهات التي لا بد أن وراءها مشجعين، إما جادين وإما يسخرون، وحين كنت أكتب الشعر الغنائي، كنت أظن نفسي كبيرا وعظيما، لدرجة أن أرفض الحوارات مع الصحافيين، أراها مضيعة للوقت، لكني لم أسع نظريا أو في الحلم لأمحو شاعرا مجيدا سبقني، أو أطلق على نفسي لقبا، وحتى الآن حين أتذكر تلك المرحلة أحس بشيء من المرح والانزعاج في الوقت نفسه.
كلام أخير لأسد الكتابة، الزئير معروف فهو في الغابات أو حدائق التنزه في المدن الكبرى، التي تسجن فيها الأسود والنمور، داخل أقفاص منعا لافتراسها الناس، لا يوجد أسود للكتابة، تعال إلى عالم الجمال جميلا بلا ألقاب غبية، ولا محاولة لمحو إنجازات من أنجزوا من قبل.
كاتب سوداني