الدوحة ـ «القدس العربي»: تعرضت دولة قطر طوال الأسبوع الماضي لهجوم مستمر من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتواصل الهجوم من السبت الماضي، وحتى الجمعة الماضية، حيث تصدت الدوحة لأكثر من 100 صاروخ باليستي وعشرات الطائرات المسيرة، إضافة إلى ثلاثة صواريخ كروز، وطائرتين مقاتلتين SU 24.
ومنذ بدء الهجوم، تلقى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، عشرات الاتصالات من قادة دول العالم، حيث أعربوا عن تضامنهم مع الدوحة.
وأكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، أن الاعتداء الإيراني يعد انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية لبلاده، ولا ينسجم مع مبادئ حسن الجوار، ولا يمكن قبوله تحت أي مبرر أو ذريعة، مشيرا في هذا السياق إلى أن دولة قطر حرصت على الدوام على النأي بنفسها عن الصراعات الإقليمية، وسعت إلى تيسير الحوار بين الجانب الإيراني والمجتمع الدولي، إلا أن تجدد استهداف أراضيها لا ينم عن حسن نية ويهدد أرضية التفاهمات التي قامت عليها العلاقات الثنائية بين البلدين.
وشدّد على ضرورة الوقف الفوري لأي أعمال تصعيدية، والعودة إلى طاولة الحوار، وتغليب لغة العقل والحكمة، والعمل على احتواء الأزمة بما يحفظ أمن المنطقة.
من ناحية أخرى، قررت المؤسسات القطرية تفعيل نظام العمل عن بعد منذ بدء الهجوم الإيراني، كما أن الدراسة باتت عن بُعد.
على الجانب الاقتصادي، تسبب الهجوم الإيراني في تضرر الكثير من المصالح، التي لها أثر عالمي، فدولة قطر من أكبر مصدري الغاز في العالم، وفي الثاني من اذار/مارس الجاري، أعلنت قطر للطاقة توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال، بسبب هجوم عسكري على مرافقها التشغيلية في مدينة راس لفان الصناعية ومدينة مسيعيد الصناعية في دولة قطر، ثم أعلنت حالة «القوة القاهرة».
كما أعلنت أربع شركات صناعية مدرجة في بورصة قطر، تخفيض أو إيقاف بعض أنشطتها التشغيلية وذلك عطفا على إعلان قطر للطاقة وقف إنتاج بعض منتجات صناعاتها الكيميائية والبتروكيميائية والتحويلية وغيرها في دولة قطر. وضمت قائمة الشركات: مسيعيد للبتروكيميائيات وصناعات قطر والخليج الدولية للخدمات وقطر لصناعة الألمنيوم «قامكو».
ووفق شبكة «بلومبرغ» الأمريكية فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 40 في المئة لتصل لأعلى مستوى منذ 2023 بعد توقف صادرات الغاز القطرية الجمعة التي تشكل خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال. كما أدى إعلان شركة قطر لصناعة الألمنيوم «قامكو» التي تمتلك قطر للطاقة حصة 51 في المئة وقف إنتاج الألمنيوم إلى قفزة في أسعار الألمنيوم عالمياً.
وارتفع عقد الألمنيوم الأكثر تداولًا في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 3.55 في المئة ليصل إلى نحو 3.684 دولار للطن المتري، بينما صعد عقد الألمنيوم القياسي لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.81 في المئة إلى 3.369.5 دولار للطن وذلك بعد أن لامس أعلى مستوى في نحو 4 سنوات.
وتشهد الأسواق القطرية حالة من الاستقرار، حيث حرصت دولة قطر، ومنذ الأزمة الخليجية في 2017، على تعزيز أمنها الغذائي، ووفق تصريحات لمسؤولين بوزارة التجارة والصناعة، فالمخزون الاستراتيجي من السلع يغطي أكثر من 6 أشهر، حيث تتعامل قطر مع الوضع الحالي بجاهزية عالية وبثقة لاستمرار تدفق السلع الغذائية في المنافذ والأسواق.
ومن بين أسباب حالة الاستقرار بالأسواق القطرية تمكن الدولة من تحقيق مستويات عالية من الاكتفاء الذاتي في عدد من السلع الاستراتيجية، فتصل نسبة الاكتفاء الذاتي من الحليب ومنتجات الألبان إلى 98 في المئة، فيما تصل إلى 100 في المئة في الدواجن الطازجة، كما تحقق قطر نسبة اكتفاء تصل إلى 39 في المئة من الخضراوات الاستراتيجية، و30 في المئة من بيض المائدة، و65 في المئة من الأسماك الطازجة، و14 في المئة في إنتاج اللحوم الحمراء الطازجة.
كما حرصت الدوحة على تفعيل نظام إلكتروني للمراقبة والانذار المبكر يسمح بمتابعة حالة المخزون وسرعة اتخاذ القرارات، كما ألزمت المتعاملين بتلك السلع بتغذية النظام الإلكتروني بالبيانات المتعلقة بحركة السلع والكميات المتوفرة، كما أطلقت في نهاية 2024 الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2030، والتي تمثل خريطة طريق تضمن استمرارية الإمدادات الغذائية في مواجهة التحديات العالمية
وحرصاً على حماية المستهلك، أغلقت وزارة التجارة والصناعة القطرية إحدى شركات التسويق إغلاقاً إدارياً لمدة شهر، مع غرامة مالية بقيمة مليون ريال قطري (قرابة 274 ألف دولار) لمخالفتها قانون حماية المستهلك، برفع سعر إحدى السلع.
وحرصت وزارة الداخلية القطرية على توجيه العديد من الرسائل للسكان لضمان سلامتهم، ضمن جهود مشتركة مع مختلف مؤسسات الدولة، واستجابة للتوجيهات الأمنية ألغت العديد من المؤسسات احتفالات كانت مقررة في شهر رمضان المبارك، من بينها احتفالات ليلة القرانقعوه، وهو احتفال تراثي ينتشر في العديد من دول الخليج، يشارك فيه الأطفال بصورة واسعة.
كما شددت وزارة الداخلية على عدم التوجه إلى أماكن تقع فيها بقايا صواريخ، وعدم تصويرها، كما أكدت على ضرورة عدم التجمهر وإخلاء هذه المواقع للجهات المختصة لتقوم بعملها.
وتحرص وزارة الداخلية من خلال نظام إنذار على توجيه رسائل قٌبيل أي هجوم يتم رصده على الدولة، تؤكد فيها على ضرورة الالتزام بالبقاء في المنازل والأماكن المغلقة، حرصاً على سلامة الجميع.
من ناحية أخرى، أعلنت وزارة الداخلية القطرية، تمكنها من إلقاء القبض على خليتين تعملان لصالح الحرس الثوري الإيراني في دولة قطر، وأن عمليات الرصد والمتابعة الدقيقة أسفرت عن القبض على عشرة متهمين؛ 7 منهم كلفوا بمهام تجسسية لجمع المعلومات حول المنشآت الحيوية والعسكرية في الدولة، و3 آخرين كلفوا بالقيام بأعمال تخريبية وتلقوا تدريباً على استخدام الطائرات المسيرة، كما عثر بحوزتهم على مواقع وإحداثيات لمنشآت ومرافق حساسة ووسائل اتصال وأجهزة تقنية.
وأقر المتهمون خلال التحقيقات بارتباطهم بالحرس الثوري الإيراني وتكليفهم بمهام تجسسية وأعمال تخريبية.
كما تمكنت الداخلية القطرية من ضبط 194 شخصاً لقيامهم بالتصوير ونشر معلومات مضللة ونشر الشائعات بما يساهم في إثارة الرأي العام، وحذرت الوزارة من تصوير أو نشر المقاطع أو الشائعات المرتبطة بالمستجدات الميدانية، مشددة على أهمية استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية فقط.
وفجر الخميس الماضي، أعلنت الداخلية القطرية، أن الجهات المختصة تُجلي السكان القاطنين في محيط السفارة الأمريكية في العاصمة الدوحة كإجراء احترازي مؤقت، مؤكدة أن هذا الإجراء يأتي في إطار المحافظة على السلامة العامة، وأنه تم توفير سكن بديل لهم، وذلك في إطار اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.
وفجر الجمعة، أعلنت وزارة الدفاع القطرية عن تصدي قوات الدفاع الجوي الأميري القطري لهجمة بالطائرات المسيرة استهدفت قاعدة العديد الجوية. وبالقطاع الصحي، أكدت وزارة الصحة العامة في قطر، استمرار العمل بشكل طبيعي في كافة المستشفيات والمراكز الصحية، وأن كافة المواعيد الطبية يجري استقبالها من دون تأخير أو تأجيل، كما خصصت خطاً ساخناً لتقديم الدعم والإجابة عن استفسارات المرضى، وقد أسهم بشكل كبير في تسهيل التواصل مع الجمهور.
وأشارت الوزارة إلى أن الدولة تمتلك مخزوناً استراتيجياً من الأدوية يغطي احتياجاتها في مثل هذه الظروف.
وأكد مطار حمد الدولي أن المطار اتخذ جميع التدابير اللازمة لضمان تشغيله بكفاءة عالية وتحقيق أعلى مستويات السلامة، مؤكداً الحرص على سلامة المسافرين في جميع الأوقات، ويجري التنسيق بشكل مستمر مع الجهات المعنية لضمان توفير أماكن إقامة مناسبة للمسافرين العالقين، بما يضمن تقديم الدعم اللازم لهم حتى استكمال رحلاتهم.
وتواصل قطر جهودها من أجل خفض التصعيد في المنطقة، وانهاء الاستهداف الإيراني لأراضيها، في الوقت نفسه تؤكد الجهات الرسمية جاهزيتها للمحافظة على استقرار الأوضاع الداخلية واستمرار الخدمات الأساسية.