أرونداتي روي: أمومة/ بنوّة نووية!

حجم الخط
0

قليلة، إذا لم تكن نادرة تلك المناسبات التي سجلت ابتهاج هذه السطور إزاء لائحة الكتب الأكثر تفضيلاً لدى كتّاب/ مراجعي الإصدارات في صحيفة «نيويورك تايمز»، كما هي الحال مع اختيارات 2025؛ لاعتبارات شتى فكرية وسياسية وثقافية وجمالية، وبتواضع شخصي أقصى غنيّ عن القول. فإذا وُضعت جانباً الأعمال الإبداعية، فإنّ قائمة ما يطلق عليه التصنيف الأنغلو ـ سكسوني صفة الـNon-Fiction ضمّت ثلاثة أعمال مميزة في مضامينها أوّلاً؛ كما أنها ثانياً، وهنا مكمن بعض المفاجأة السارة، تحمل الكثير من المغزى في مقارباتها الأخلاقية والسياسية.
كتاب كيفن ساك «الأمّ إمانويل» يغطي مجزرة كنيسة إمانويل التابعة لمدينة شالستون، ولاية ساوث كارولاينا، يوم 17 حزيران (يونيو) 2015؛ التي ارتكبها ديلان روف، أحد دعاة التفوّق العرقي الأبيض، وأوقعت تسعة قتلى، وانطوت على جريمة كراهية ذات بُعد عنصري صريح. وعلى امتداد عشر سنوات، واظب ساك على استقصاء العوامل الداخلية، السياسية والتربوية والدينية، التي حكمت تطرّف القاتل؛ ضمن بيئة حاضنة كانت تأثيراتها تحفر عميقاً في سنوات عمره التي لم تتجاوز 21 سنة. كما سعى إلى التوغل عميقاً في طبائع العلاقة بين كنائس الجاليات الأفرو ـ أمريكية ونظائرها التابعة لـ»الأمريكي الأبيض»؛ حيث لا تغيب خلفيات الاستعباد، والأنشطة التبشيرية، والتمييز العنصري.
كتاب سو بريدو «شيء برّي» يجتهد لمتابعة سيرة الفنان التشكيلي الفرنسي بول غوغان (1848 ـ 1903) الذي احتل مكانة مرموقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأقام منذ سنة 1891 في بولينيزيا، تاهيتي، واشتُهر بسلسلة أعماله عن نساء تلك الأصقاع. ثمة أكثر من جديد في هذه السيرة، لعلّ الأبرز بينها مناقشة بريدو لثنائية التناقض في شخصية غوغان: أنه كان مناصراً لحقوق البولينيزيين الوطنية والإنسانية، من جهة أولى؛ ولكنه من جهة ثانية، استغلّ حفنة من الصبايا وحوّلهن إلى محظيات بطرائق اعتُبرت استعمارية، فضلاً عن اتهامه بنقل مرض السفلس إلى المحيط الذي عاش فيه.
كتاب أرونداتي روي «الأمّ ماري تأتي إليّ» ليس سيرة ذاتية تماماً، رغم أنه يغطي مراحل من حياة الروائية والناشطة الحقوقية الهندية؛ بل هو كما تصفه مراراً وبصياغات مختلفة، علاقة أمومة وبنوّة أقرب إلى مواجهة بين قوّتين نوويتين، في إسار حرب باردة! الابنة هي أرونداتي، والأمّ هي ماري روي «التي لم تقلْ قط: دع الأمر يمرّ»، كما في أغنية «البيتلز» الشهيرة التي يُستعار منها عنوان الكتاب. ورغم استقلال الابنة المبكر ورحيلها عن مقاطعة كيرالا لدراسة العمارة في نيودلهي، فإنها لم تتوقف عن المراقبة اللصيقة للأمّ: «عبقريتها، غرابة أطوارها، طيبتها الراديكالية، شجاعتها النضالية، عنفوانها، سخاؤها، قسوتها، تجبّرها، صوابها العملي، ومزاجها الضاري غير المتوقع»…
الأمّ، إلى هذا كله، كانت مديرة مدرسة خرّجت مئات الطالبات والطلاب، وخاضت معركة قضائية شرسة لانتزاع قرار من المحكمة العليا يمنح النساء المسيحيات حقوق الوراثة، وظلت نسوية صلبة الدفاع عن حقوق المرأة، رغم العلاقة العاصفة «النووية» للتذكير، مع ابنتها خصوصاً، وليس مع ابنها. وإذ تستعيد روي الابنة ذاكرتها عن روي الأمّ، فإنها تعترف بغياب أي وطأة جراء ذلك الاستذكار، خاصة وأنها سبق أن استعادت شخصية الأمّ في روايتيها «إله الأشياء الصغيرة و»وزارة السعادة القصوى»؛ فتكتب هكذا: «لقد آمنتُ حقاً بأنّ الأمر حكاية. تعلمت أنّ معظمنا حساءٌ حيّ نابض للذاكرة والمخيّلة، وأننا قد لا نكون الحكّام الأفضل حول تمييز هذه عن تلك». ذلك يدفعها إلى رجاء القارئ أن يقرأ كتابها «الأمّ ماري تأتي إليّ»، كما يفعل مع رواية، «فالقصة هي ذلك الشيء الغريب، الدخاني، الذي لا يمتلكه الكاتب كلياً، حتى إذا ظنّ أنه يفعل».
وفي فقرة أخرى، ثاقبة إنسانياً وإبداعياً، تكتب روي الابنة: «جهودي للإحاطة بأمّي، لرؤية الأشياء من منظورها، لاستيعابها، لفهم ما يؤلمها، وما دفعها إلى القيام بما قامت به، والتكهن بما ستفعل أو لا تفعل لاحقاً… انقلبتُ إلى بلبلة، متاهة لتقاطع طرق تتشابك تحت الأرض وتنبثق على السطح عند أماكن غريبة، آملة في العثور على نقطة علام لمنظور آخر غير ما في حوزتي. أن أبصرها عبر عدسات، لم تكن ملوّنة تماماً بتجربتي الشخصية عنها، جعلني أثمّنها كامرأة بما هي عليه. ذاك جعلني كاتبة. روائية. فهكذا هم الروائيون، عبارة عن متاهات».
جميل، وليس تطوراً عابراً، أن تُقرأ هذه النبرة من روائية متمرسة مكرّمة، يحدث أيضاً أنها أصدرت 20 كتاباً في السياسة والاقتصاد والزراعة والسدود والعنصرية واليمين المتطرف ونقد السلطة ومسألة كشمير، بصدد بلدها الهند؛ والسياسة الدولية والإمبريالية العالمية والعولمة المتوحشة والعدالة الدولية الكاذبة وعنصرية الاحتلال الإسرائيلي وخصائص الإمبراطورية المعاصرة وأكاذيب الديمقراطيات الغربية، في ميادين السياسة الدولية. وكانت في ذلك كله تُحسن المزج بين التحليل المتعمق والحسّ النقدي الراديكالي والسخرية المرّة المقذعة أحياناً، وهذه سطور تستذكر خصوصاً اقتراحها الشهير بأن يلقي الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن خطبته في حديقة حيوانات دلهي بدل البرلمان!
ويبقى أنّ ثمة الكثير من الإمتاع والمؤانسة في هذه المقارعة «النووية»، حيث نواة الأمومة والبنوّة لا تنشطر تماماً!

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية