هل يتشكل قطب دولي من خلال منظمة شنغهاي؟

حجم الخط
0

عقدت منظمة شنغهاي للتعاون قمتها الجديدة في العاصمة الصينية بكين مؤخرا. وكان الحضور يمثل 20 دولة تشكل حوالي 40% من سكان العالم. وتكمن أهمية هذه القمة في التوقيت والظروف التي يمر بها العالم، حتى إن العديد من دول هذه المنظمة تمر بتحديات كبيرة، فبعضها يخوض مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع أطراف دولية أخرى، كما أنها تعاني من السلوك السياسي لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. وقد عبر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن ذلك بالقول «لا تزال عقلية الحرب الباردة والحمائية تخيم على العالم. التهديدات والتحديات في تزايد ويجد العالم نفسه في فترة جديدة من الاضطرابات والتحول. الحوكمة العالمية وصلت إلى مفترق طرق جديد»، لكن هل يمكن أن تنجب منظمة شنغهاي للتعاون قطبا دوليا جديدا يستطيع منافسة الولايات المتحدة؟
يقول رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في كلمته في قمة شنغهاي، «يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن تصبح بمثابة المنارة الموجهة للتعددية والنظام العالمي الشامل». وإذا ما نظرنا إلى الصين، باعتبارها الاقتصاد الثاني في العالم، التي ترغب في أن يكون العالم ضمن تعددية قطبية، تكسر هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل الحرب التجارية القائمة بينها وبين الولايات المتحدة، لكن ذلك ليس دليلا على أن هناك قطبا آخر يتشكل مقابل الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال منظمة شنغهاي للتعاون.

الصين‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬قمة‭ ‬شنغهاي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مصرة‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬سياسة‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬صراع‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬مسألة‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية

صحيح أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قال، إننا لا نعيش في العصر الأمريكي، وأننا نعيش في عصر التعددية القطبية، واعتبر الصين وروسيا أقطابا دولية، لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما، فكل دول منظمة شنغهاي ليست دولا متكافئة في المستوى الاقتصادي، ولا في المستوى العسكري، ولا في المستوى التقني، وكلها متخلفة عن الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن التحالف بين هذه الدول، تحالف هش وليس استراتيجيا، فلم تفعل الصين شيئا ذا قيمة لروسيا في حربها في أوكرانيا مثلا، ولم تفعل دول هذه المنظمة شيئا لإيران، التي ضربتها إسرائيل في الصميم في حرب الأيام الاثني عشر. نعم هنالك حالة من الندية من قبل الصين للولايات المتحدة الأمريكية، لكن بقية دول المنظمة متخلفة عن هذا المسار، وهي تحتاج إلى عقود من الزمن كي تصل إلى حالة المنافسة. وعليه يمكن القول إن منظمة شنغهاي للتعاون قد تكون جبهة معارضة للولايات المتحدة بقيادة الصين، لكنها ليست قطبا دوليا منافسا للولايات المتحدة في الوقت الحاضر. إن السياسة الدفاعية الصينية قائمة على أساس الدفاع الذاتي، مستبعدة قضايا التدخل العسكري المباشر وغير المباشر في النزاعات العالمية، بل إنها ترفض سياسة تشكيل تحالفات عسكرية مع أي طرف دولي أو إقليمي، وإذا كانت عروضها العسكرية تحوي قوى صلبة مبهرة، فهي ليست أكثر من إشارة واضحة إلى العالم الغربي، بأنها تمتلك قدرات عسكرية كبيرة قوية ومتطورة، لكن كل هذه القدرات هي للدفاع الذاتي لا أكثر. ويبدو أن صانع القرار الصيني قد استثمر كثيرا في فكرة مستشار الأمن الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، التي تقول إن الدول الكبرى بحاجة إلى الصبر الاستراتيجي، وحالة الغموض. وقد استفادت الصين من هذه الفكرة كثيرا في السنوات الأخيرة، في صنع واقعها الحالي المتطور، ولم تنزلق إلى حروب كبيرة أو صغيرة، مباشرة وغير مباشرة. وأن كل ما تريده بكين من منظمة شنغهاي هو أن تكون أصبعا مرفوعة تشير إلى رفض التهديد والوعيد الغربي، وأن تحترم الولايات المتحدة القانون الدولي، وأن لا تخرق سيادة الدول، وتمنع عنها حرية الاختيار السياسي، وتمارس عليها الضغط والهيمنة، من أجل تمرير قراراتها عليها، كما حدث مؤخرا في موضوعة الرسوم الجمركية، التي فرضتها على العديد من الدول، من دون مناقشة أو حوار أو مفاوضات. هذه السياسات باتت غير مقبولة من الصين وروسيا والهند ودول أخرى كثيرة.
إن الصين التي تحتضن قمة شنغهاي لا تزال مصرة على اعتماد سياسة القوة الناعمة، رغم أنها في حالة صراع مع الولايات المتحدة على مسألة الرسوم الجمركية، وعلى مناطق النفوذ في آسيا والجوار الصيني، والممرات المائية وطرق الحرير الجديدة، وفي أكثر من مكان آخر في العالم. لكن بكين تريد استكمال استعداداتها كي تحول إلى قوة عسكرية واقتصادية كبيرة. عند ذاك يمكن أن تطمح كي تكون القوة العالمية البديلة، لذلك فمنظمة شنغهاي كما منظمة بريكس هي سبيل الصين للوصول إلى هذا الهدف. يقينا أن السلوك السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو الذي دفع لإنشاء هذه الجبهة المعارضة بقيادة الصين، فحربه التجارية وتعريفته الجمركية المستفزة، دفعت الصين والهند إلى مزيد من التقارب، رغم الخلافات العميقة بين البلدين في ما يتعلق بالحدود والمياه والدعم العسكري لباكستان وغيرها. في حين أن ترامب نفسه سبق أن لام الرئيس السابق بايدن، بأنه هو من دفع روسيا والصين إلى التقارب، من خلال سياسة الاحتواء المزدوج، التي كان بايدن قد أعلن عنها، والتي في الحقيقة كانت انقلابا على استراتيجية الرئيس الأسبق نيكسون، الذي قرّب الصين إلى الولايات المتحدة لتحدي الاتحاد السوفييتي آنذاك، والذي كانت نتائجه هزيمة الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، وتفككه بشكل كامل. وعليه يمكن القول إن ترامب قد أهدر ثلاثة عقود من العمل السياسي والدبلوماسي للولايات المتحدة، لمنع حصول تقارب صيني هندي، من خلال فرضه الرسوم الجمركية على الهند والصين، وبذلك يمكن قراءة حضور رئيس الوزراء الهندي إلى بكين وحديثه مع الرئيس الصيني أمام الكاميرات، في وقت كان يتجنب فعل ذلك، بأنها رسالة إلى واشنطن من أنه إذا لم يتم معاملة الهند باحترام، فهي لديها خيارات أخرى تشمل الصين وروسيا. أما السؤال الجوهري فهو، أين العالم العربي من كل هذه التحركات والتجمعات الدولية؟ والإجابة على ذلك بسيطة جدا. وهي أن العالم العربي دوره فقط مسرحا للحروب، وعدم الاستقرار والتخلف. وأن كل ما جرى ويجري بعد غزوة السابع من أكتوبر يثبت ذلك، خاصة في ظل التغول الإسرائيلي وفائض القوة المكتسبة مؤخرا. لقد كان العالم العربي يوما ما له مقعد مهم في عالم عدم الانحياز إلى جانب الصين والهند ويوغسلافيا ودول أخرى. أما العالم العربي اليوم، فرغم أن بعض دوله أرادت إثبات وجودها في هذا الحراك، من خلال الانضمام لمنظمة بريكس مثلا، لكن المفارقة أن هذه الدول العربية الموجودة ضمن بريكس هي حليفة جدا للولايات المتحدة كالإمارات ومصر.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية