لم يتأخر كثيرا إقحام السياسي في ملف المقاطعة الشعبية في المغرب، فأول ما انطلقت مقاطعة ثلاثة منتوجات أساسية (حليب سنطرال، ماء سيدي علي، ومحروقات شركة افريقيا) حتى اتهم قياديون في التجمع الوطني للأحرار العدالة والتنمية بكونه وراء هذه المقاطعة لاسيما بعد أن أخطأ هؤلاء القادة في التعاطي مع فعل المقاطعة، وتصدوا لسب الجمهور ونعتهم بالمداويخ، وتبخيس فعلهم، وكونه مجرد نضال في الفضاء الافتراضي وأنه لا أثر له، ثم بعد ذلك تحديهم.
لكن ما لبثت التهمة أن تغيرت مع الوقت، بعد أن تصدى قيادات العدالة والتنمية وحدهم للتعاطي مع مخاطر استمرار مقاطعة حليب شركة سنطرال على وضعية 120 ألف من الفلاحين الذين يزودون هذه الشركة بالحليب، وتعرض وزير الحكامة والشؤون العامة لحسن الداودي لحملة شعبية قوية، ألجأته لتقديم ملتمس إعفائه من الحكومة بعد أن شارك في وقفة احتجاجية أمام البرلمان، نظمها بعض المحسوبين على معارضي المقاطعة، فتحول الاتهام من جديد للقيادة السابقة للأصالة والمعاصرة، خاصة بعد أن تم رفع شعار «أخنوش ارحل» أمام الملك في نشاط ملكي في مدينة طنجة، كان الملك مرافقا فيه بوزير الفلاحة والصيد البحري عزيز أخنوش. وبعد أن رفع التجمع الوطني للأحرار الأمر للبرلمان، ودعا النيابة العامة للتحقيق فيمن وراء رفع هذا الشعار، وأبدى استعداده لتقديم وثائق تثبت ضلوع إلياس العماري في إثارة غضب الملك من عزيز أخنوش.
بيد أن هذا التحول من اتهام العدالة والتنمية إلى اتهام إلياس العمري الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، لم ينه الجدل حول الأطراف التي دخلت على خط المقاطعة، ولم يجعل الصورة واضحة تماما، ففضلا عن بروز مؤشرات لضلوع جهات قريبة من السلطة في تأجيج فعل المقاطعة واستهداف عزيز أخنوش، وبشكل خاص دور القناة الثانية في هذا الموضوع، فقد وقعت في الأسابيع القليلة الماضية ثلاثة مؤشرات أربكت الصورة تماما، وخلقت جوا من الغموض والضبابية، وفتحت الإمكانية للحديث ربما عن أطراف ما تريد استثمار فعل المقاطعة لضرب الاستقرار في المغرب.
أول هذه المؤشرات، هو صدور تقارير مطردة عن مجموعة إعلامية تتهم شركات للحليب منافسة لشركة سنطرال (مثل شركة كوباغ وشركة كولينور) في استعمال الحليب المجفف المستورد في إنتاج الحليب ومخالفة معايير «أونسا» بهذا الخصوص.
ثاني هذه المؤشرات، وهو تسريب مضمون تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول سلامة بعض المنتوجات الغذائية، والذي تضمن معطيات خطيرة حول عدم السلامة الصحية لعدد من المنتجات الغذائية (الخضار والفواكه واللحوم والشاي) بسبب عدم تخليصها من آثار المبيدات الحشرية.
ثالث هذه المؤشرات، وهو صدور تصريحات مطردة من عدد من الفاعلين في قطاع المحروقات، تقدم معطيات عن السعر الحقيقي الذي ينبغي أن تكون عليه المحروقات، والسيناريو الذي تم به التحايل على إصلاح صندوق المقاصة، للتحكم في أسعار النفط، والتواطؤ مع شركات المحروقات لتوسيع هامش الربح بما في ذلك تعطيل تفعيل مجلس المنافسة وتوقيت توقيف مصفاة لاسامير!
والواقع أن تحليل هذه المؤشرات لا يصب في خانة واحدة، فالتقارير التي تروجها المجموعة الإعلامية عن نشاط شركات الحليب المنافسة لشركة سنطرال، يمكن قراءتها من زاوية فعل تنافسي ربما تقوم به شركة سنطرال لإحداث نوع من التوازن، أو الضغط على الدولة للتدخل لحمايتها بسلاح «نموت جميعا أو تعمل الدولة على اتخاذ ما يلزم لإنقاذ شركتنا»، لكن، يمكن قراءتها أيضا من زاوية أخرى، ترتبط بالأثر على الاستقرار، فإشاعة مثل هذه التقارير، يخلق حالة من التشوش العارم على مزاج الرأي العام، يمكن أن يتحول إلى خلق فوضى عارمة لا يمكن التحكم فيها.
أما المؤشر الثاني، المرتبط بتسريب مضمون تقرير المجلس الأعلى للحسابات حتى قبل أن ينتهي من مهامه بهذا الخصوص، بل حتى قبل أن تقدم وزارة الفلاحة جوابها، فيمكن قراءته من زاوية استمرار استهداف عزيز أخنوش، كما يمكن أيضا قراءته من زاوية خلق حالة هياج اجتماعي عارم على خلفية وجود أطراف لا يهمها سوى الربح، ولو كان الثمن تدمير صحة المغاربة، مما يعني في المحصلة أن المستهدف هو الاستقرار.
أما المؤشر الثالث فيمكن قراءته أيضا من الزاويتين السابقتين نفسيهما، مما يعني في المحصلة إمكانية دخول خط آخر على فعل المقاطعة، وتحول الرهان من الضغط السياسي لتفكيك زواج السلطة والمال، إلى محاولة زعزعة الاستقرار الاجتماعي.
والمثير أن الأمر لا يتوقف عند هذه الحدود، إذ بالإضافة إلى هذه النتيجة المرتبطة بضرب الاستقرار الاجتماعي، ثمة مؤشرات أخرى ترتبط بتهديد التوازن والاستقرار السياسي، وخلق حالة فراغ خطير لا تملك فيه السلطة السياسية أي خيارات للخروج منها، فالذي يتابع الأثر السياسي للمقاطعة بعد دخول بعض الأطراف على خطها، يخلص في نهاية تركيبه للخلاصات، أن ثلاثة أحزاب سياسية كانت مرشحة للتنافس على صدارة المشهد السياسي استنزفت بفعل المقاطعة، إذ كان العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار أكبر المتضررين، بعد الأصالة والمعاصرة الذي احترق تماما بعد اقتراع السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وبعد جملة سلوكات سياسية أنتجتها قيادته السابقة انتهت بها إلى الخروج من المشهد مؤخرا بعد طول عناد.
وما يزيد من تأكيد هذه الخلاصة هو ما تضمنه مقال نشره الأمين العام الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة حكيم بنشماس، الذي دعا فيه صراحة إلى التخلص من وجع مخرجات الشرعية الانتخابية، وتسويغ انقلاب على المسار السياسي بآليات دستورية.
تركيب هذه المعطيات في بعدها الاجتماعي والسياسي، يسمح بالحديث عن ثلاث احتمالات:
الأول، أن تكون هناك أطراف داخل السلطة، دخلت على خط المقاطعة، وصارت توجه مخرجاته لخلق حالة من الفوضى والارتباك تنتهي بتسويغ إنهاء مخرجات الفعل العملية الانتخابية، أو على الأقل، تنتهي بإقناع الجمهور بوجود أطراف تحاول تحريك المقاطعة لضرب الاستقرار.
الثاني، أن يكون الأصالة والمعاصرة ببعض علاقاته، يحاول استثمار فعل المقاطعة وتيارات الرفض المجتمعي، ومحاولة إيصالها لحالة الفوضى، من أجل تجديد الإقناع براهنيته وصلاحيته للقيام بدور في قيادة الحكومة.
الثالث، أن تكون هناك أطراف خارجية، تسعى إلى توظيف الديناميات الاجتماعية والسياسية لخلق الارتباك الاجتماعي والسياسي للتخلص تماما من تجربة العدالة والتنمية، ولو بالقيام بانقلاب على العملية السياسية والانتخابية، أو لإحداث فوضى عارمة تلحق المغرب بدول الربيع العربي التي تاهت طويلا من أجل أن تعيد الاستقرار السياسي والاجتماعي.
لحد الآن لا وجود لمعطيات عن دور أجنبي في الموضوع، لكن الكشف في تونس عن انقلاب كانت الإمارات ترتب له، مع ملاحظة تواتر حالة الارتباك الموجودة، والتي دفعت التقدم والاشتراكية للخروج ببيان ينبه إلى خطورة هذه الحالة السياسية، فضلا عن خروج عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، لدعوة الناس إلى التهدئة وإنهاء مقاطعة الحليب، كل ذلك، يسمح بإدخال هذا المعطى في التحليل، خاصة وأن التجارب المؤرخة لمثل هذه الانقلابات، تظهر أن اشتغال الفاعل الأجنبي، لا يكون مستقلا عن اشتغال الفاعلين السياسيين المحليين، سواء بفعل التنسيق الواعي، أو بفعل الاستثمار للمخرجات ومحاولة توظيفها.
التقدير، أن فعل المقاطعة بدأ مجتمعيا، وبلغ مستويات عميقة من الـتأثير وإيصال الرسالة السياسية المرتبطة بمخاطر زواج السلطة بالمال، لكن توظيف مخرجاته والانزياح الذي يقع في مساره لجهة دفع الجمهور للانخراط في حالة من الفوضى والارتباك، يؤشر على أن المقاطعة اليوم صارت توجه برهانات سياسية كبيرة، تتجاوز إرادة المقاطعين.
كاتب وباحث مغربي
بلال التليدي