عمان- «القدس العربي»: قد لا تكون أكثر من صدفة وقد تكون…العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني يصطحب أربعة من أمراء العائلة المالكة لقمة إسطنبول الأخيرة في اليوم التالي الذي نشرت فيه صورة لأربعة زعماء طالما اعتبروا الأردن «شقيقهم الخامس» لفظياً على الأقل».
التزامن لا يمكن تجاهله بين الواقعتين فالصورة التي تضم الرئيس السيسي وولي عهد السعودية مع نظيره الإماراتي وملك البحرين نشرها أحد العاملين في مكتب الأمير محمد بن سلمان قبل ساعات فقط من قمة إسطنبول على أساس أنها التقطت لاجتماع «ودي» في القاهرة. القادة الأربعة تغيبوا معاً عن قمة إسطنبول لكنهم ظهروا بمعية العاهل الأردني في لقطة مماثلة أيام انعقاد قمة العرب الأخيرة في الظهران.
طبعاً لا يوجد مبرر سياسي للقول بأن غياب «القيادة الأردنية» عن اللقاء الرباعي والصورة في القاهرة له دلالات مكشوفة على الأقل. لكن توجد مساحة واسعة من التكهن والتوقع والمعطيات تجعل صورة ملك الأردن برفقة الأمراء الأربعة علي وفيصل وهاشم وحمزة أولاد الحسين مفعمة بالرسائل الملغزة وهي تلتقط – نقصد الصورة – أثناء التوجه إلى اسطنبول.
بعيداً عن عدم وجود ترتيبات وأشغال تستوجب وجود أهم أركان العائلة الهاشمية برفقة الرئيس رجب طيب اردوغان في اسطنبول يمكن القول إن الإثارة الناتجة عن دبلوماسية «الصور» تكتمل بقسوة في صورة الأحد الماضي التي تظهر مصافحة ودية جداً بين العاهل الأردني والرئيس الإيراني حسن روحاني ولأول مرة منذ 15 عاماً. وبطبيعة الحال لم يعرف بعد ما إذا كان الأمراء الأربعة المرافقون لملكهم قد حضروا أي «اجتماعات مغلقة او ثنائية» سرية أو علنية مع اي زعيم آخر مثل أمير قطر أو اردوغان نفسه أو أن حضورهم حال عملياً دون حصول لقاءات «رأس برأس».
لكن الثابت هو ما يلي: دبلوماسية الصور المسيسة أشعلت التوقعات تماماً عشية قمة إسطنبول على صعيد النطاق الحيوي المفترض لتحالفات الأردن خصوصاً وأن عاهل الأردن بدأ خطابه بالعبارة نفسها التي يرى كل المراقبين انها تغيظ محمد بن سلمان وهي «النبي العربي الهاشمي الأمين».
عموماً عدم الاستعجال مطلوب فالأردن ليس بصدد لا «مواجهة» الإدارة الأمريكية ولا تحدي إسرائيل ولا «الإنقلاب» على تحالفاته المعروفة في نطاق نادي النظام الرسمي العربي ليس فقط لأن بناء استنتاجات متسرعة على صور ومجاملات غامضة قد لا يوفر ما يكفي من معلومات. ولكن لأن غرفة القرار الأردنية وعندما تسأل حصرياً عن اسباب عدم ارسال السفير الأردني إلى طهران او السماح بعودة السفير القطري إلى عمان لا تزال مهووسة بإحدى أكثر «الحقائق المرة» سياسياً وعملياً وهي وجود ما لا يقل عن نصف مليون أردني يقيمون في السعودية والإمارات يرسلون مليارات الدولارات لبلدهم سنوياً.
هنا قد يبرز الملف المسكوت عنه فالرسميون الأردنيون على قناعة بعدم وجود «ضمانات» لا أخوية ولا سياسية ولا اخلاقية كافية تضمن عدم الانتقام من الشعب الأردني في حال اتخاذ سياسات او قرارات «بعيدة أكثر» عن المحور السعودي سواء بالانفتاح على تركيا اردوغان او التعامل مع الحضن الإيراني. لذلك وطوال الوقت يحظى كل برلماني أردني تكتب له زيارة طهران بالتحذير التالي..» تجنبوا المصافحات والكاميرات» وتجري عملية الاقتراب بحذر.
ولذلك شارك الأردن و«بزخم واضح» في مؤتمر إسطنبول من اجل القدس لكن حكومته تقصدت الغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا قبل ساعات من المؤتمر بذات الوقت في رسالة مزدوجة أثارت حيرة الجميع ولا تزال. وكان قبل ستة أسابيع صرح الامير محمد بن سلمان مرتين على الأقل بأن التحالف العربي الجديد الذي يتصدى لإيران والإرهاب والإخوان المسلمين يضم السعودية ومصر والإمارات والبحرين والأردن ايضا…صورة القاهرة المثيرة للجدل «تغيب عنها» الأردن بصفته العضو أوالشقيق الخامس.
الغياب هنا يحتاج لتفسير لكن المصافحة مع حسن روحاني وقبلها صورة أمراء الهاشميين الرباعية هي المؤشر الأبرز سياسياً على وصول العلاقات الأردنية مع النادي السعودي بمن فيه إلى مرحلة تبادل الصور الملغزة بدلالة مرجحة على «أزمة» لا يريد الجميع التحدث عنها. لكنها أزمة موجودة ومتاحة للرصد حتى في حال إنكارها وإن كان الأردن يهتم بتجنب إغضاب الجميع ويناور في مساحات ضيقة مع الاتراك والإيرانيين فقط حتى لا يخدش عملاق النادي السعودي ويتحول إلى حالة تخاصم وعداء معه. الصور هنا وإن كانت مسيسة وملغزة الا انها حمالة اوجه في التفسير والتبرير ويمكن استثمارها للفت النظر ليس أكثر خصوصاً وأن الأردن يقول بان أولوياته في مصالحه فقط والتي تطلب صورة مسيسة هنا او حديث عابر امام الكاميرات هناك.
وهي في كل حال المصالح نفسها التي يصر على تجاهلها الشقيق السعودي الأكبر والذي لم تبرز من عنده أي مؤشرات تضامن أكيدة وثقيلة عندما يتعلق الأمر بأزمة الوصاية. تبدو التوازنات الأردنية ذات الصلة بالصمود والبقاء في غاية الدقة والتعقيد لأن وزير الخارجية أيمن الصفدي أطلق تصريحاً خشناً ضد إسرائيل عندما قال بانه جريمتها الاخيرة في قطاع غزة ينبغي أن لا تمر دون عقاب.
قال ذلك ثم حاول في إسطنبول تحقيق اختراق ولو صغير عقب تقديم توضيحات وشروحات لنظيره السعودي عادل الجبير. وقال الوزير الأردني ما قاله تحت بند الجريمة والعقاب لإسرائيل دون حتى أن يعلن اجراء من نوع إعادة سفير بلاده في تل ابيب او حتى سحبه رغم ان السفير اصلاً في عمان منذ فترة طويلة وقبل الأحداث الاخيرة ولأسباب ليست سياسية. يظهر ذلك مع تلك الصور الدبلوماسية المسيسة مستوى التعقيد الذي انزلقت إليه الأولويات والخيارات الأردنية.