من القديس أوغستين إلى اليوم… جزائريون على طريق «الحرقة»

حجم الخط
0

واحدة من أغرب الفتاوى الدينية صدرت، قبل أيام، في الجزائر، بتحريم «الحرة»، أو الهجرة غير الشرعية، فبعدما فشل النظام في كسب ثقة الشباب، وعجز عن تجسيد وعوده، بتشييد دولة «العزة والكرامة» كما كان يردد ـ دائما ـ رئيس الجمهورية الحالي، في حملاته الانتخابية، وبعدما جرب تجريم «الحرقة» وتهديد المُقبلين عليها بالسجن، وفشل في وقف نزيف «فرار» الجزائريين إلى جنوب أوروبا، لجأ النظام إلى اللعب على العاطفة الدينية، استعان بالكتاب والسنة، حرك أئمة ودعاة الفضائيات الجديدة، وبعض المؤسسات الدينية الرسمية، وخاط لنفسه فتوى، على المقاس.
إن اللجوء إلى الدين، واستصدار فتوى مُستعجلة، بطريقة كهذه ومحتوى كهذا، لمُعالجة قضية اجتماعية بامتياز، يعني أن النظام فشل على صعيدين.. أولا، في عدم إيجاد بدائل ملموسة لإقناع الشباب، بالاستقرار في البلد، وثانيا، يُثبت عدم فهم لعقلية الشباب، هؤلاء الذين يخسرون أموالهم، ويُجازفون بأرواحهم في طرق بحرية طويلة ولا يُبالون، لن توقفهم الحلول الترقيعية، ومن السذاجة الاعتقاد أن فتوى ـ عابرة ـ ستكون سببا في تخليهم عن أحلامهم، في الوصول إلى الضفة الأوروبية.
قبل أيام، شرع «حراق»، من الجزائر، أُلقي عليه القبض، في اليونان، وعاد إلى بلده، متمسكأ برغبة تكرار المُحاولة، في نشر شهاداته، في موقع إلكتروني. قدم (ف.ح)، الذي لا يتجاوز الواحدة والثلاثين من العمر، شهادات حية وصادمة، عن يوميات المُهاجرين غير الشرعيين، عما يتعرضون له، في طريق العبور إلى الجزر اليونانية، وعن أسباب ودوافع تفكيرهم في الهجرة غير الشرعية. يختصر (ف.ح) الأسباب التي دفعته إلى «الحرقة» بالقول: «انعدام الأمل، التوزيع غير العادل للثروة وتوسع الفوارق الاجتماعية». (ف.ح) هو خريج المدرسة الجزائرية، يعتبر نفسه واحدا من ضحايا التعليم المُنحاز في البلد، حيث كتب في شهادته: «حين كبرنا، وقعنا في الفخ. لم نجد «الوطن»، الذي قرأنا عنه في المدرسة، وسمعنا عنه في الإذاعة والتلفزيون. وجدنا أنفسنا في سجن واسع اسمه «وطن»، مُسيج بالأكاذيب والشعارات الفضفاضة. وجدنا أنفسنا في «وطن» لم نختره، بل وُلدنا فيه صدفة. ثلاثة عقود مرت، لم أشعر فيها بالانتماء إليه. أعيش فيه مرغما، وأموت كل يوم، اغترابا وحزنا».
طريق الهجرة غير الشرعية، من الجزائر إلى أوروبا، كانت تنطلق، في السابق، من عنابة أو مستغانم أو وهران، وصولا إلى شواطئ صقلية أو سردينيا أو ألميريا، لكن، في السنوات الأخيرة، باتت سواحل الجزائر تحت المُراقبة، هكذا قرر (ف.ح)، مع مئات الجزائريين الآخرين، تغيير الطريق، الذهاب إلى إسطنبول جوا، ثم التوجه برا إلى أزمير، ومن هناك عبور البحر، إلى جزيرة خيوس اليونانية. في سبيل الوصول إلى أول جزيرة يونانية، سيضطر «الحراق» الجزائري إلى دفع ما لا يقل عن ثلاثة آلاف يورو، للمهربين، ولتقمص أدوار عديدة، كأن ينتحل صفة سوري، في حال ألقى الأمن التركي القبض عليه، كي لا يُرحل إلى بلده الأصلي. ففي مدن شمال غرب تركيا، وعلى شواطئ بحر إيجة، صار من العادي مُصادفة جزائريين، وسماع اللهجة الجزائرية، في الشارع، بسبب توافد المهاجرين غير الشرعيين عليها، الذين عرفوا كيف ينظمون أنفسهم، صارت لهم نقاط التقاء معروفة، في مقاه وفنادق، وبعض منهم بات يُجيد التحدث بالتركية، كل هذا يحصل، في ظل تفاخر النظام، في الجزائر، باستتباب الأمن، وتوفير الحياة الكريمة للجزائريين، فلماذا ـ إذن ـ تستمر الهجرة غير الشرعية، التي صارت واحدة من القضايا، التي تؤرق الطبقة السياسية، في البلد؟
مصطلح «الهجرة غير الشرعية» يحتاج إلى إعادة تعريف، فحين تغيب ظروف العيش الكريم في مكان ما، تصير الهجرة حقا مشروعا، فالدوافع إليها ليست فقط الحروب وانعدام الأمن، بل أيضا دوافع اجتماعية، كغياب الفرص والتهميش واللاعدالة. وتاريخ «الحرقة»، ليس وليد القرن الواحد والعشرين، بل هي ظاهرة تاريخية، في الجزائر، لم تتوقف، بل كانت دائما في تصاعد، منذ أن فرّ القديس أوغستين من البلد، في نهايات القرن الرابع، إلى روما ثم ميلانو، بسبب تدني أجور الأساتذة، وسوء المعاملة، التي تعرض لها، والجزائريون يهربون من بلدهم، للأسباب نفسها تقريبا، ومعالجة ظاهرة، كهذه لن يكون بإجراءات جنائية، ولا بفتاوى، بل يبدأ من فهم عقلية الجزائري، الذي ملّ من تكرار التاريخ، ومن تحوله إلى تابع، بدل أن يصير مواطنا، مكتمل الحقوق والصفات، كما هو حال مواطني دول، يهجر إليها.
لقد ابتكر الشباب الجزائري في السنوات الأخيرة، أمثالا ومقولات، تعبر عن رغبته في الهجرة، والتحرر من «خيبات» الوطن الذي يعيش فيه، كالقول: «روما ولا انتوما» (أفضل روما عنكم) أو «يأكلني الحوت وما يأكلنيش الدود». تراكمت الأسباب، التي تدفع بعشرات الآلاف منهم إلى عبور البحر، فقد بلغ «اليأس» ذروته، لدرجة أنهم يفضلون الموت على البقاء، لكن في سعيهم إلى الهجرة هناك أيضا بعد إنساني، نزعة إلى تنظيم حياتهم، وإيجاد خيارات أرحم، فهم لا يجرؤون على مغامرة كهذه، تحتمل الموت، سوى من أجل الوصول إلى بدائل أفضل، لتحسين أوضاع فشلت بلادهم الأصلية في توفيرها لهم. هؤلاء الشباب، الذين تستهدفهم الفتوى الجديدة، التي تبناها المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، جعلوا من «الحرقة» بيتا لهم، خيارهم الأسمى، ولن يعودوا في قرارهم ما لم يخرج البلد، من سياساته الأحادية، وحكمه الأفقي، هم يُهاجرون بحثا عن أنفسهم، رغبة منهم في الإمساك بما لم يصلوا إليه في وطنهم، يُهاجرون بحثا عن حقهم في الحرية، ونصيبهم في الحلم، من أجل أن يحققوا ميلادا جديدا لذواتهم.
خيط الأمل الرقيق، في حياة أنقى، هو ما يحركهم إلى المجازفة، هو الذي يفتح أعينهم للنظر صوب الشمال، وركوب البحر، فالأمل هو عماد العالم، كما يقول مثل إفريقي، هو السقف الذي يحتمون تحته، ويوفر لهم مسافة أمان عن الموت. إن كل هجرة، مهما كانت جهتها، ستتحول، مع الوقت، إلى هجرة عكسية، بالاتجاه الذي انطلقت منه، هذا ما عبر عنه (ف.ح) أيضا، في شهاداته، فكلما ابتعد عن الجزائر، نظر إليها، بشكل أفضل، وأعاد تجديد علاقته بها، لهذا فإن «الحرقة»، أو الهجرة غير الشرعية، ليست سوى مرحلة أولى، كردة فعل عن فشل منظومة حاكمة، قبل أن تتحول إلى هجرة عكسية أخرى، وهذا ما لا ينظر إليه القائمون على شؤون الناس في الجزائر، يطلقون فتوى استعجالية، للتضييق على حريات الأفراد، بدون الانتباه إلى أن ما يحصل ليس سوى جزء ثابت من تاريخ البلد، فالجزائري مرتبط، منذ القدم، بعلاقة حميمة مع البحر، يذهب في كل الاتجاهات، لكن سرعان ما يعود من حيث أتى.

٭ كاتب جزائري

من القديس أوغستين إلى اليوم… جزائريون على طريق «الحرقة»

سعيد خطيبي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية