احتفلت عمّان في مطلع هذا الأسبوع بتكريم المناضلة الجزائرية الرمز جميلة بوحيرد، بمنحها جائزة بهجت أبو غربية شيخ المناضلين الفلسطينيين، منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى رحيله قبل خمس سنوات.
من الرائع أن يكرم المناضل بجائزة مناضل، كما حدث هنا، بعيدًا عن ذلك التكريم الذي أضمر فيه منحُ جائزة لمناضل، أو شخصية ساطعة ضميرياً، سرقة لجزء من ضوء الشخصية المُكرَّمة، لصالح الشخصية التي تمنح التكريم أو الجائزة أو الوسام. وهذا أمر نراه في كثير من جوانب حياتنا السياسية والنضالية والفنية والأدبية، ففي حقيقة الأمر، إن الجوائز يتم تكريمها بمن يحصلون عليها عادة، لا العكس.
منح جميلة بوحيرد هذه الجائزة، مبادرة رائعة من قبل لجنة جائزة بهجت أبو غربية، ذلك الذي لم يقبل الانسحاب إلى داخل أسوار القدس، حين انسحب كثيرون، عام 1948، وظل يدافع عن الأسوار والمدينة ومن استحكموا خلف أسوارها، ولعل توقيت منح الجائزة، في وقت بلغ فيه إضراب الأسرى الفلسطينيين أوجَهُ في سجون العنصرية الصهيونية، أعطى للجائزة بعداً نضالياً آخر، ومعنوياً آخر.
كان الحضور لائقاً، وكان القادمون متلهفين للقاء جميلة بوحيرد، لكن وضعها الصحي، لم يسمح، ولم يُتح لمحبي روحها وشمسها وعطائها فرصة اللقاء بها، كما أشار منظمو الاحتفالية. لكن كل القلوب كانت تخفق بمحبتها لهذه المناضلة الكبيرة، الرمز، ما بين نشيد الجزائر الذي أنشده الحاضرون: قسماً.. ونشيد «موطني» الذي كتبه إبراهيم طوقان.
ولعل ما أعطى الاحتفال بعده الرمزي أيضاً، أنه جاء عكس أجواء العار التي سحقت قلب الإنسان العربي في كل مكان، بسبب ما تمخضت عنه زيارة ترامب لهذه المنطقة، وذلك الشعور الكاسر بالمهانة والاستلاب.
تكريم جميلة بوحيرد كان شمعة في بحر هذا الليل، الذي بات بحاجة إلى مليون شمس مشرقة لتكنس حلكته، ولزوجته العالقة بكل روح متطلعة للكرامة والحرية والمستقبل، مستقبل البشر الطيبين، لا سواهم.
لكن أفراحنا نحن الشعوب المُحِبَّة للحياة، ولأيام تشبه وجوه أطفالنا وصفاء قلوبهم لا تكتمل.
منذ مدة قصيرة، تابعت ذلك الحوار الساخن الذي دار في الجزائر حول ذلك الفيلم المزمع إنتاجه عن تجربة جميلة بوحيرد، وقرأت بعض الآراء التي تدعو للتمهّل قبل الحكم على الفيلم، وكل ذلك أمر منطقي، لكنني حين قرأت تصريح جميلة بوحيرد نفسها، حول كون أصحاب الفيلم لم يأخذوا رأيها، ولم يطلبوا إذنها، تغير الأمر، فقد (عبّرتْ عن أستيائها ورفضها لتصوير فيلم عن حياتها دون الرجوع إليها أو أخذ موافقتها)، إذ كيف يمكن أن ينتج فيلم عن شخصية، بوزنها، على قيد الحياة، دون أن يكلف أصحاب الفيلم أنفسهم بطلب إذن المناضلة، موضوع الفيلم، والاستماع إلى تجربتها، منها، وهي فرصة نادرة لهم ليقدموا فيلمًا، سنقول عندها أننا ننتظره.
تصريح جميلة بوحيرد مؤلم، لأن التصرف في حياة شخصية بهذه المكانة، هكذا، دون الرجوع إليها، كما لو أنها ملكية خاصة لهم، وليست لشعبها ولكل الشعوب التي ناصرت ثورة شعبها، أمر يدعو للغرابة، ويجعلني أستعيد تلك الضجة الكبيرة التي حدثت بعد انتاج ذلك المسلسل الضعيف عن شخصية الشاعر محمود درويش، بسرعة هائلة، بعد وفاته، دون الأخذ بأي اعتبار المكانة التي تمثلها هذه الشخصية.
بالتأكيد، هناك دوافع كثيرة تقف خلف تجاوز الفنان كما لو أنه غير موجود، أو أن ورثته غير موجودين، باعتباره شخصية عامة، لكن الأمر أعقد من ذلك بكثير، لأننا نتحدث عما يمكن أن ندعوه هنا: ضمان الجودة، وفي أحيان كثيرة: مدى المصداقية في تناول هذه الشخصية أو تلك، وقد استمعت من مناضلة فلسطينية كبيرة، بوزن جميلة بوحيرد، عن مشروع لإنتاج فيلم عن حياتها، ولكن المخرج يصرّ على أن تكون هنالك قصة حب في الفيلم، مع أن الفترة التي يتناولها، وتشابكات ظروف إحدى العمليات التي نفذتها، لا توجد فيها لا من قريب ولا من بعيد قصة حب. لكن القائمين على الفيلم يرون، في حدود وعيهم، أن وجود هذه القصة ضرورة درامية.
لا يعرف المرء كيف يمكن أن تكون الحكاية العاطفية ضرورة درامية ملحّة لفيلم اختار شخصية نضالية! هذا في الحقيقة شكل من أشكال وضع اليد على حياة الشخصية العامة لمشاريع خاصة. وكأن أصحاب هذه المشاريع لا يعرفون بأن السينما باتت (للمواطن العام) مرجعاً أساسياً، لتكوين صورة عن كثير من المواضيع، والشخصيات، والقضايا والفترات التاريخية.
وما يمكن أن يحدث للشخصية العامة، يحدث في حياتنا العربية لأعمال أدبية بارزة، بعضها رحل أصحابها، وبعضها لم يرحلوا، إذ يكفي بعضهم أن يسأل كاتبًا ما: إنني أفكر في إنتاج عمل فني عن عملك؟ ويردّ الكاتب: فكرة جيدة. وبعدها يتصرف الطرف الأول على هواه، كما لو أنه وقع مع الكاتب عقداً، ومنحه حقوقه كاملة، لأنه ببساطة يتعامل مع الموافقة العابرة للكاتب وكأنها كل شيء، ولا كلام بعدها ولا حقوق، وأحياناً، لا رأي في ذلك الذي سيتم إنتاجه، ولعل ذلك يستدعي أيضاً بعض صور دور النشر التي باتت تستعمر الكتّاب وإنتاجهم بما يذكر بالقوى الاستعمارية التي كانت توقع عقوداً احتكارية مع سكان المستعمرات مدتها تسعة وتسعون عاماً!
إن ما يحدث مع الشعوب، وما يحدث مع المناضلين، وما يحدث مع الكتاب أو المبدعين في كثير من الحقول، هو في الحقيقة شكل من أشكال الاستباحة السافرة، التي تبني وجودها على قاعدة إنني أستبيحك لأنني أريد أن أقدم خدمة لك، لحياتك، لصورتك، لعملك المغمور، لحياتك التي تحتاج إلى جهد أكبر كي تشعّ.
إبراهيم نصر الله