لم يتح لي أن أطلع على ما تحتويه المكتبة العربية من أبحاث عن أهم العائلات العربية العريقة في مجال الإنتاج الرمزي، بدءَا من علوم الدين فالشعر فالنقد فالتأريخ فالقانون، الخ. فمعروف في تونس مثلا أن هناك دراسة، من تأليف د. لمياء العبيدي، عن آل بن عاشور. وقد يكون آل الشنقيطي في موريتانيا وآل الفاسي في المغرب وآل الإبراهيمي في الجزائر وآل النيفر وآل بن عاشور في تونس أشهر العائلات العلمية في المغرب العربي. أما في الثقافة الفلسطينية فإن آل الخالدي يمثلون إحدى أبرز العائلات العلمية، بل لعلها الأبرز.
وربما جاز القول إنه يندر أن يجتاز القارئ العربي المعاصر القرن العشرين وبدايات هذا القرن بدون أن يكون قد قرأ كتابا أو مقالا لأحد الكتّاب والأكاديميين الكُثر من آل الخالدي. وقد روى أبرعهم استثمارا لمتون التراث العربي، وهو طريف الخالدي صاحب الدراسات القيمة المتنوعة مثل “فكرة التاريخ عند العرب” و”الإنجيل برواية المسلمين”، تاريخ آل الخالدي في نبذة بعنوان “تاريخ عائلة”، هي في الأصل موجز عن مقال مطول تعقب فيه البروفسور وليد الخالدي تاريخ العائلة حتى أوائل القرن العشرين. أما تاريخها بعد ذلك فلم يُكتب بعدُ لأنه “متروك”، كما قال وليد الخالدي، “لكاتب آخر”.
كان وليد الخالدي، الذي انتقل إلى رحمة الله يوم 8 مارس، عميد مؤرخي فسلطين الحافظ لحقائق نكبتها المنادي بعدالة قضيتها، مثقفا وطنيا مستقلا مرموق المكانة رفيع الإنجاز، واسما معروفا في الأوساط الجامعية الأمريكية والبريطانية. إلا أن الإعلام الأمريكي ظل لزمن حصنا ممتنعا عليه وعلى سواه من الأصوات غير الصهيونية. من ذلك مثلا أن لجنة “الأيباك” كتبت إلى النيويورك تايمز يوم 12 يناير 1984 تحتج على مجرد نعت كاتبها أنثوني لويس لوليد الخالدي بأنه “معتدل”! ودليل تطرفه عند “الأيباك” أنه لم ينخرط في الإجماع الصهيوني-الكوني على ضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية عزلاء من كل سلاح! ومع ذلك فقد كان وليد الخالدي أحد أوائل (بل الأرجح أنه أول) المثقفين الفلسطينيين الذين ظهروا في الإعلام التلفزي الأمريكي. حيث خرج المذيع الفذّ تد كوبل على طاحونة الشيء الأمريكي المعتاد لما أقدم ليلة 28 أبريل 1987 على استضافة وليد الخالدي في برنامجه الشهير “نايتلاين”، فكانت تلك أول مرة يَشْهَد فيها الجمهور الأمريكي أكاديميا محترما يؤكد أنْ ليس للصهيونية أي حق في فلسطين! قال الخالدي: “ما نحن بصدد الحديث عنه هو الأساس الذي يستند عليه الزعم الصهيوني بالأحقية بأرض فلسطين. ثمة أربعة أسس. أحدها هو حجة الوعد الإلهي. وأساس آخر هو الحجة المستمدة من القانون الوضعي، أي بعبارة أخرى عصبة الأمم ووعد بلفور. والحجة الأخرى هي المستمدة من القانون الطبيعي، أي الحاجة. أما الأخيرة فهي حجة الارتباط التاريخي. تلك هي الحجج أو سلاسل الاستدلال الأربع. وكل منها قابل للتمحيص العلمي، وكل منها يمكن فحصه مثل أيّ من الحجج والادعاءات. وإذا نظرنا في حجة القانون الإلهي، القائمة على الوعد الإلهي، التي أشرت إليها آنفا وجدنا أنها لا تستقيم ولا سبيل إلى إثباتها لأنها تعني المواجهة بين إلهي وإلهك وبذلك نجد أنفسنا في وطيس حملة دينية تقابلها حملة مضادة…”
يندر أن يجتاز القارئ العربي المعاصر القرن العشرين بدون أن يكون قد قرأ كتابا أو مقالا لأحد الكتّاب والأكاديميين الكُثر من آل الخالدي
وبينما كان وليد الخالدي مسترسلا، قاطعه تد كوبل قائلا: “لقد ذكرتَ جملة من الحجج، ولكن الحجة التي لم تذكرها، والتي تمثل حجر الأساس لكل أعمال الغزو عبر التاريخ، هي أن القوة توجب الحق وتصنعه (مايت ميكس رايت). إن ما يُعتدّ به فعلا في نهاية الأمر ليس التاريخ، بل مَن عنده السلطة والقوة، أليس كذلك؟” فإذا بوليد الخالدي يرد: “(..) ولكني ظننت أننا لا نتحدث عن السيف (القوة)، بل عن الأساس الأخلاقي (للأحقية بأرض فلسطين)”.
بعد ذلك بشهور اندلعت انتفاضة الحجارة في ديسمبر 1987 ونشر الخالدي في مارس 1988 مقالا بعنوان “نحو السلام في الأرض المقدسة” في فصلية “فورين أفيرز”، التي تحظى بمتابعة النخبة السياسية والأكاديمية الأمريكية، قال فيه بالتعايش السلمي بين دولتين، ودعا الإسرائيليين، بسموّ في الطرح والتعبير، إلى قبول مبدأ “تناظُر الكرامة” (بسبب أو، برغم، عدم تناظر القوة) بينهم وبين الفلسطينيين. على أن المقال الذي حرك راكد مياه العقل السياسي الأمريكي أول الأمر إنما هو ذلك الذي بكّر بنشره منذ يوليو 1978 في الفصلية ذاتها بعنوان “تصوُّرُ الممتنع على التصوّر: دولة فلسطينية ذات سيادة”.
٭ كاتب تونسي