التأويلية وتجديد الخطاب الديني

لا يختلف اثنان في أن أزمة الخطاب الديني المعاصر، بكل ما تطرحه من تباين في التفاسير والفهوم إلى حد الصراع والتكفير أحيانا بين الفرق والجماعات والمفسرين، تعود أساسا إلى الفجوة العميقة بين الفهوم السطحية والمطلقة للنص الديني المقدس، أو بعض النصوص التراثية التي تأوّلته، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة والمتسارعة، تفاصلا تارة وتواصلا تارة أخرى، ما جعل هذا الخطاب يبدو عند البعض بعيدا كل البعد عن الواقع. والحال أن الجمود الفكري لدى الكثير ممن تحملوا مسؤولية تدبير هذا الشأن، حال دون تجديد هذا الخطاب بما يتماشى ومتطلبات العصر.
إن تجديد الخطاب الديني من أكثر القضايا إلحاحا في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، نظرا لما يطرحه من أسئلة عميقة تتعلق بعلاقة النص بالواقع، والمقدّس بالتاريخ، والثابت بالمتغير، والعقل بالإيمان. فالإشكال لم يعد محصورا في الدفاع عن النصوص المؤسسة أو في استنساخ طرائق الفهم الموروثة، بقدر ما أصبح يتمحور حول كيفية إعادة تفعيل هذه النصوص داخل عالم متحوّل، عالم يتصير بشكل متسارع، وتتغير فيه أنماط الوعي، وأشكال العيش، وشروط الفهم الإنساني باستمرار. وفي هذا السياق، تبرز التأويلية، أو الهرمنيوطيقا، لا بوصفها تقنية تفسيرية فحسب، بل باعتبارها أفقا فلسفيا ومنهجيا يعيد مساءلة فعل الفهم ذاته، ويقترح إمكانات جديدة للتعامل مع النصوص الدينية، بعيدا عن القراءة الحرفية والاختزالية، التي زجت بالخطاب الديني في أزمة تتمثل في عدم قدرة المفسرين على مساءلة العصر في ظل قدسية الوحي وديمومته.
لقد نشأت التأويلية في سياق غربي، لكنها لم تكن يوما حكرا على ثقافة بعينها، إذ أن سؤال الفهم ملازم لكل تجربة إنسانية تتعامل مع النص والمعنى. وقد تبلورت ملامحها الأولى مع فريدريش شلايرماخر، الذي اعتبر التأويل فعلا يهدف إلى إعادة بناء قصد المؤلف، من خلال فهم اللغة والسياق التاريخي والنفسي الذي أنتج النص ما جعل الدائرة التأويلية لديه تقوم على الدائرة اللغوية والدائرة النفسية. فالمعنى، في نظره، ليس معطى جاهزا، بل هو حصيلة جهد تأويلي يسعى إلى تجاوز سوء الفهم، وإعادة القبض على ما أراده صاحب النص. غير أن هذا التصور، على أهميته، ظلّ مرتبطا بنموذج ذاتي رومانسي يفترض إمكانية استعادة المعنى الأصلي الكامل، وهو ما ستتجاوزه التأويلية لاحقا.
مع فيلهلم دلتاي، اتخذت التأويلية بعدا إنسانيا وتاريخيا أعمق، إذ ربطها بعلوم الروح، واعتبر الفهم إدراكا لتجليات الحياة في سياقاتها التاريخية المتنوعة. فالنصوص، وفق هذا المنظور، ليست معزولة عن شروط إنتاجها، بل هي تعبيرات عن تجارب إنسانية متعيّنة في الزمن، ولا يمكن فهمها إلا من داخل هذا الأفق التاريخي. وهنا بدأ يتشكل الوعي بأن الفهم لا ينفصل عن التاريخ، وأن القارئ ذاته كائن تاريخي محكوم بأفق ثقافي ومعرفي خاص.
غير أن التحول الجذري في مسار التأويلية تحقق مع مارتن هيدغر، الذي نقلها من مجال المنهج إلى مجال الأنطولوجيا. فالفهم، عنده، ليس مجرد عملية ذهنية أو تقنية تفسيرية، بل هو نمط وجودي يميز الكائن الإنساني. الإنسان، بوصفه كائنا في العالم، يفهم دائما انطلاقا من وجوده، ومن انخراطه في شبكة من المعاني السابقة على كل تأمل نظري، وبذلك لم يعد السؤال هو: كيف نفهم النص؟ بل: كيف يكون الفهم ممكنا أصلا؟ هذا التحول جعل التأويلية تفكيرا في شروط إمكان المعنى، لا مجرد بحث في نتائجه.
وجاء بعده تلميذه غادامير ليعمّق هذا المنظور، مؤكدا أن الفهم عملية حوارية قائمة على تفاعل الآفاق واندماجها. فالفهم لا يتحقق بمجرد قراءة النص قراءة محايدة، بل يتم بواسطة حوار بين أفق المفسر وأفق النص. وكل قراءة هي، بالضرورة، اندماج آفاق، حيث يدخل القارئ محمّلا بأسئلته وانتظاراته، ويدخل النص محمّلا بتاريخه وسياقه. ومن هنا، فإن الفهم ليس نهائيا ولا مطلقا، بل هو حدث متجدد، يتغير بتغير الأسئلة والظروف.
هذا التصور التأويلي يكتسب أهمية خاصة حين يُستحضر في مجال الخطاب الديني، الذي ظلّ، في كثير من تجلياته، أسير قراءات حرفية جامدة، تفصل النص عن سياقه التاريخي، وتحوّل الفهم البشري إلى حقيقة مقدسة لا تقبل النقاش. وقد أدى هذا الوضع إلى نوع من القطيعة بين الدين والواقع، وإلى إنتاج خطاب عاجز عن مواكبة تحولات الإنسان المعاصر، بل ومساهم أحيانا في تعميق التوتر بين المقدس والحياة.

في هذا السياق، تقدم التأويلية مدخلا نقديا لتجديد الخطاب الديني، لا من خلال نفي النصوص المؤسسة أو التشكيك في قدسيتها، بل عبر تحريرها من أسر القراءة الأحادية، وإعادة إدراجها داخل أفق الفهم الإنساني المتجدد. فالنص الديني، وإن كان مطلقا من حيث المصدر، فإن فهمه يظلّ تاريخيا، مرتبطا بظروف التلقي وبأفق القارئ. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين النص المقدس والخطاب الديني، بين الوحي بوصفه رسالة متعالية، والتفسير بوصفه جهدا بشريا نسبيا.
إن القراءة التأويلية للنص الديني لا تسعى إلى تقويض سلطته، بل إلى تفعيل معناه في ضوء مقاصده الكبرى، وفي ضوء الأسئلة التي يطرحها الواقع الراهن. فهي قراءة تحاور التراث بدل أن تقدسه، وتنفتح على العقل بدل أن تقصيه، وتعيد وصل الدين بالإنسان بوصفه كائنا تاريخيا يعيش في عالم متغير. وبهذا المعنى، يصبح النص فضاء مفتوحا على إمكانات متعددة للفهم، لا خطابا منغلقا على تفسير واحد يحتكر الحقيقة. وقد تجلت ملامح هذا التوجه التأويلي في مشاريع فكرية عربية وإسلامية معاصرة، سعت، بدرجات متفاوتة، إلى إعادة التفكير في العلاقة بين النص والدلالة، وبين الدين والتاريخ. فقد دعا محمد عبده، في إطار مشروعه الإصلاحي، إلى قراءة عقلانية للنصوص الدينية، تربط الدين بروح الاجتهاد والعقل ومقاصد الشريعة، وتحرره من الجمود الذي فرضته قرون من التقليد. أما نصر حامد أبو زيد، فقد انطلق من فكرة التمييز بين النص الديني بوصفه نصا ثابتا، والخطاب الديني بوصفه فهما بشريا لهذا النص، فهما قابلا للنقد والمراجعة.

وفي اتجاه آخر، دعا محمد أركون إلى ما سماه «أنسنة النص»، أي إخضاع الخطاب الديني لمناهج العلوم الإنسانية الحديثة، من تاريخ ولسانيات وأنثروبولوجيا، لفهمه بوصفه ظاهرة ثقافية معقّدة. بينما ركز طه عبد الرحمن على البعد الأخلاقي في الفهم، مقترحا ما سماه «التأويل الائتماني»، الذي يجعل القارئ مسؤولا أخلاقيا عن تأويله، ومُؤتمنا على المعنى، لا متسلطا عليه.
إن ما يجمع هذه المشاريع، على اختلاف منطلقاتها، هو الإيمان بأن تجديد الخطاب الديني، لا يمكن أن يتحقق، من دون إعادة النظر في آليات الفهم والتفسير، ومن دون وعي عميق بتاريخية القراءة البشرية. فالتأويلية، بهذا المعنى، لا تقف ضد الإيمان، بل تسعى إلى تعميقه، عبر جعله أكثر وعيا بذاته وبشروطه، وأكثر قدرة على التفاعل مع العالم.
إن تجديد الخطاب الديني عبر التأويلية لا يعني المساس بالمقدس أو تفريغ النص من روحه، بل يهدف إلى إحياء البعد الإنساني والروحي للدين في عالم تتسارع فيه التحولات. فالإيمان، حين ينفصل عن العقل، يتحول إلى دوغمائية، والعقل، حين ينفصل عن القيم، يتحول إلى أداة جافة. أما الفهم التأويلي، فيسعى إلى إقامة توازن خلاق بين الإيمان بوصفه قيمة روحية، والعقل بوصفه أداة للفهم، في أفق إنساني مفتوح.
في نهاية المطاف أقول، إن التأويلية ليست مجرد منهج في القراءة، بل هي رؤية فلسفية تؤمن بأن الحقيقة ليست معطى ثابتا، أو جاهزا يُمتلك مرة واحدة، بل أفقا يتجدد مع كل قراءة، وأن النصوص المقدسة تظل حيّة بقدر ما يُعاد التفكير فيها وفق حاجات الإنسان المتغيرة. ومن ثم، فإن تجديد الخطاب الديني عبر التأويلية هو دعوة إلى عقلنة الإيمان، من دون نزع روحه، وإلى إحياء النص من دون تجميده في الماضي، وإلى بناء علاقة أكثر إنسانية ووعيا بين المقدس والتاريخ.

كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية