تحييد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي كان من الأهداف المعلنة للحملة الأمريكية الإسرائيلية على إيران. استندت هذه الرغبة إلى قناعة فحواها أن خامنئي هو الذي يحمل النظام على التشدد، ويجعل المفاوضات معه، أو محاولة الوصول إلى حلول مرضية ومتناسبة مع رغبات كل من واشنطن وتل أبيب غير ممكنة.
وجهة النظر هذه اكتسبت أنصاراً أكثر داخل الإدارة الأمريكية بعد نجاح عملية تغييب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. كاراكاس، التي استأنفت علاقاتها الدبلوماسية مع واشنطن، أصبحت تحت قيادة الرئيسة المؤقتة دولسي رودريغز، أكثر انفتاحاً وتقبلاً للتعاون مع الأمريكيين في عدة مجالات على رأسها قطاع النفط، المهم اليوم للأمريكيين أكثر من أي وقت مضى.
لا شك في أن المرشد الأعلى يحظى بمكانة روحية فائقة في إيران، تجعل آراءه ورغباته تطغى على الجانب السياسي، ما يجعله، وهو صاحب المرجعية الأهم والقائد الأعلى للقوات المسلحة، أهم من الرئيس نفسه، حينما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات الاستراتيجية. في الوقت ذاته فإن معارضي استهدافه كانوا يرون أن عملية «التحييد» هذه قد لا تقود بالضرورة لاستبدال المرشد القديم بشخصية أكثر اعتدالاً، أو تنازلاً، خاصة إذا كان المقصود بالاعتدال الموافقة على التخلي عن الطموح النووي، وعلى تفكيك منظومة الصواريخ الباليستية، التي تعترض كل من واشنطن وتل أبيب على امتلاك الإيرانيين لها.
كان خامنئي في أواسط الثمانينيات من عمره حين تم اغتياله. هذه الحقيقة مهمة، لأنها تذكرنا بأن النظام كان يتأهب، خلال الفترة الماضية، لاحتمال فقدانه. صحيح أن الأمر لم يكن قد استقر على تسمية خليفة معين، إلا أن مسألة البديل كانت مطروحة عبر التفكير في مرشحين بارزين. إلى جانب هذا فإن بقاء نظام «الولي الفقيه» طوال هذه العقود ساعد على تكوين مجموعات من رجال الصف الثاني والثالث، التي يمكن أن تدخل حلبة السياسة والتوجيه في حال غياب القيادات.
بوضع هذا العامل بعين الاعتبار، وكذلك بالتفكير في الطريقة المذلة، التي تم بها التعامل مع إيران، وصولاً إلى العملية العسكرية الأخيرة، فإنه كان من المستبعد أن يُخرج النظام شخصية قابلة للقطيعة مع النسخة الأولى من «الجمهورية الإسلامية»، وموافقة على تحويل إيران لدولة منزوعة القوة، ومنفصلة عن شبكة الأذرع والميليشيات، التي تم الاستثمار فيها عبر العقود، خاصة مع وجود «الحرس الثوري»، الذي يمثل الدرع المتأهب للتدخل في حال استشعار أي تهديد يمس بنية النظام.
اختيار مجتبى خامنئي خطوة نُظر إليها وكأنها تمثل تحدياً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان قد قال، في وقت سابق، إنه يتوجب أن يساهم بنفسه في اختيار خليفة المرشد
التذكير بالحرس الثوري ومكانته مهم، فهو ليس مجرد كتيبة عسكرية، بل مؤسسة تمثل الأجنحة الراديكالية، وتسيطر فعلياً على المجال السياسي والاقتصادي في إيران. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المؤسسة كانت من أهم المتحفظين على محاولات إحياء الاتفاق النووي، حيث كانت تعتبر أن أي تقارب إيراني غربي يعني بالضرورة القبول بالشروط الأمريكية، التي على رأسها استبعاد الحرس الثوري من معادلة السلطة. خلال العقود الثلاثة الماضية استطاع «الحرس» أن يخلق شبكة علاقات واسعة، وأن يجمع بين إيجاد منافذ تنفس مالية للنظام المحاصر بالعقوبات، وبين دعم عمليات خارجية وميليشيات إقليمية مصنفة إرهابية لدى جهات كثيرة. أدرك قادة الحرس الثوري، أن التصعيد الأمريكي الإسرائيلي قد يقود جهات سياسية داخلية للتراجع عن المضي قدماً في مواجهة التحدي، بذريعة تفويت الفرصة على من يرغبون في تدمير البلاد، ولذلك فقد بادروا بالذهاب بالأمور إلى نهاياتها من أجل جعل ذلك التراجع صعباً، عبر استهداف أهداف حساسة في الخليج مثل المنشآت النفطية والمرافق السياحية والمباني الدبلوماسية. مهما قيل بشأن الاستعداد لاستبدال المرشد، فإنه لا يمكن التقليل من شعور الإحساس بالصدمة، الذي انتاب أنصاره، فهناك فارق كبير بين أن ترحل شخصية مهمة مثله بسبب المرض أو أي ظرف طبيعي، وأن ترحل نتيجة استهداف واغتيال. حتى فكرة استبدال المرشد وطرح اسم جديد لم تكن بهذه السهولة، فعلى عكس مناصب الدولة الأخرى، فإن منصب المرشد لا يتغير وفق دورة زمنية، أو بعد فترة معينة، فخامنئي، على سبيل المثال، موجود في منصبه منذ عام 1989 بعد وفاة الخميني مرشد الثورة الأول، الذي كان قد توفي في ظروف عادية ومختلفة عن هذه الظروف، التي تعيشها إيران حالياً.
قدرة «العدو» على اختراق الدائرة الضيقة لأهم شخصية في النظام، وصولاً لتتبعه واستهدافه مع عدد من القيادات الرفيعة، أثناء اجتماع مهم كان أيضاً مما يدفع للتساؤل حول مدى نجاعة إجراءات الحماية والتأمين، خاصة أن عمليات مشابهة كانت قد نجحت في الوصول لشخصيات مهمة خلال العامين الماضيين. التبريرات الدعائية، التي قام النظام بالتسويق لها من قبيل، أن المرشد لم يكن مهتماً بالاختفاء، أو أنه فضل أن يموت تحت القصف من أن يختبئ، لا تبدو مقنعة ولا تُظهر سوى محاولة للتهرب من الاعتراف بوجود ثغرات أمنية في قلب النظام.
حل مجلس قيادة مؤقت مكان المرشد، ويوم الأحد الماضي اجتمع مجلس الخبراء من أجل اختيار المرشد الجديد، حيث استقر الأمر على مجتبى ابن المرشد السابق علي خامنئي، في خطوة نُظر إليها وكأنها تمثل تحدياً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان قد قال، في وقت سابق، إنه يتوجب أن يساهم بنفسه في اختيار خليفة المرشد، كما ساهم من قبل في اختيار خليفة الرئيس الفنزويلي.
خلال الأيام، التي تلت عملية الاغتيال، التي وقعت في أول أيام الحرب، تمتعت الأجنحة الأمنية المتشددة، وعلى رأسها الحرس الثوري، بحرية تصرف أكبر في الشأن العسكري، وفي توجيه مسار المعركة. كانت تلك هي الفترة، التي ازداد فيها استهداف الدول الخليجية بشكل عشوائي، كان يفسر كمحاولة للتنفيس الآمن عن الغضب، في ظل محاذير تواجه توجيه ضربات مؤلمة تستهدف العمق الإسرائيلي. الوضع الأمثل كان التوافق على مرشد يستطيع الجمع بين الرؤية السياسية والخبرة العسكرية والمكانة الدينية، إلا أن الحسابات الداخلية كانت هي ما دفع بمجتبى في نهاية المطاف إلى تصدر المشهد.
لم يعرف مجتبى، الذي يبلغ من العمر 56 عاماً، كشخصيّة ذات وزن سياسي، أو خبرة عسكرية، بقدر ما كان يعرف كرجل دين، وإن كانت تقارير تشير إلى أدائه مهام بشكل شبه رسمي في مكتب والده. اختيار مجتبى لا يمثل فقط تكريساً لفكرة توريث المنصب الأهم في النظام، وإنما يأتي ليعزز صوت الأجنحة المتشددة، وعلى رأسها «الحرس الثوري»، الذي انتسب إليه مجتبى في فترة سابقة، والذي كان واضحاً منذ البداية أنه لن يساعد على تمرير أي مرشح يختلف معه في طريقة عمله. هذا الخبر محبط بالتأكيد، ليس فقط لأنه يعني أن إيران تحت مظلة المرشد الجديد سوف تكون أكثر تمسكاً بمشروعها النووي الدفاعي المثير للجدل، وإنما لأنه يعني أنها سوف تتابع الطريقة، التي تدير بها الحرب حالياً، بما يشمل خيار قادتها المتعلق بتوسيع دائرة الفوضى. هذا الخيار يعني في المقام الأول مزيداً من التهديدات الأمنية على منطقة الخليج، بما في ذلك الدول، التي ظلت تعمل ما بوسعها لنزع فتيل الأزمة، وهو ما ظهر عبر توجيه صواريخ ومسيرات بعد ساعات قليلة من تنصيب مجتبى نحو أراضٍ خليجية.
كاتب سوداني