إلغاء مطلبي الاعتذار والتعويض من مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر باتفاق غرفتي البرلمان

حجم الخط
0

الجزائر- “القدس العربي”:

اتفقت اللجنة المتساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان الجزائري رسميا على حذف الإشارة إلى الاعتذار والتعويض في نص قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، وذلك في الصيغة التوافقية التي تم التوصل إليها بعد دراسة الاختلافات التي طرأت بين الهيئتين التشريعيتين.

وبعد هذا الاتفاق، ينتظر أن يحال هذا النص ذو البعد التاريخي العام، الإثنين إلى التصويت في المجلس الشعبي الوطني ثم مجلس الأمة، من أجل اعتماده نهائيا، ليكون بذلك قد أغلق مساره التشريعي الكامل في انتظار صدوره في الجريدة الرسمية ليصبح ساري المفعول.

وشملت التعديلات التي اطلعت عليها “القدس العربي” حذف عبارة “والاعتذار” في المادة التاسعة لتصاغ على النحو التالي: “تسعى الدولة الجزائرية بكل الوسائل والآليات القانونية والقضائية، في إطار يضمن الاعتراف الرسمي من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري”.

كما تقرر إلغاء المادة العاشرة بالكامل من مشروع القانون، وهي المادة المتعلق بالتعويض والتي كانت تنص على ما يلي “يعتبر التعويض الشامل والمنصف، عن كافة الأضرار المادية والمعنوية التي خلفها الاستعمار الفرنسي، حقا ثابتا للدولة والشعب الجزائري”.

ويعود سبب التحفظ إلى كون مسألتي التعويض والاعتذار، لا تنسجمان، في صيغتهما الحالية، مع توجه الدولة. وتم الإحالة هنا إلى الموقف الذي عبّر عنه الرئيس عبد المجيد تبون، والقائم على المطالبة بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية في إطار سياسي سيادي واضح، ومع الإطار التشريعي المنظم لهذا التوجه.

كذلك، تم إلغاء المادة الأولى من مشروع القانون بشكل كامل، وهي المادة التي اعتبرتها اللجنة فضفاضة وعامة، حيث كانت تنص على أن “الجزائر، استنادا إلى تضحيات شعبها وتمسكه بوحدته الوطنية وهويته الثقافية، تناهض الاستعمار بكل أشكاله وتدين ممارساته، وتلتزم بدعم الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تصفيته”.

كما تم الاتفاق على إبقاء البند المتعلق بالاستعباد الجنسي في المادة الخامسة بعد خلاف عليه. إضافة إلى ذلك، تم تعديل المادة السابعة بحذف عبارة “العظمى”، لتصبح كما يلي: “تعتبر جريمة الخيانة كل صور التعاون للحركي ومن في حكمهم مع السلطات الاستعمارية ضد مختلف أشكال النضال والكفاح في سبيل استرجاع السيادة الوطنية والاستقلال”.

وفي المواد التي تحمل طابعا عقابيا، تم الاتفاق على نقل مضمون المادة السادسة عشرة ودمجه في المادة الحادية والعشرين، مع الإبقاء على صياغتها التي تنص على أنه يعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات وبغرامة مالية من 100 ألف دينار إلى 500 ألف دينار كل من مجّد الاستعمار عبر قول أو فعل أو إشارة أو كتابة أو رسم أو نشر فيديوهات أو صور أو تسجيلات صوتية تهدف إلى تبرير الاستعمار الفرنسي أو الإشادة به.

أما المادة السابعة عشرة، فقد تم نقل مضمونها ودمجه في المادة الثامنة عشرة، مع صياغتها بالشكل التالي: يعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى عشر سنوات وبغرامة من 500 ألف دينار إلى مليون دينار كل من روّج للاستعمار عبر نشاط إعلامي أو أكاديمي أو ثقافي أو سياسي يهدف إلى إحياء ونشر الأفكار الاستعمارية أو الإشادة بها وإنكار اعتبارها جريمة، علاوة على الحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية والمبدئية والعائلية.

وكان التحفظ الأولي لمجلس الأمة، قد شمل كلا من المواد 1 و5، و7، و9، و10، و15، و16، و17، و18، و20، إضافة إلى المواد 25 و26، حيث تم الدعوة إلى مراجعتها بما يحقق الانسجام الكامل بين الأهداف المعلنة للنص ومحتواه القانوني، ويعزز موقعه كتشريع سيادي يعالج ملف الذاكرة الوطنية ضمن منطق الدولة والقانون.

ورغم إسقاط الحق في التعويض، تم الإبقاء عليه بشكل جزئي في المادة 11 التي تتضمن مطالب محددة، من بينها تنظيف مواقع التفجيرات النووية، وتسليم خرائطها وخرائط الألغام، وتعويض الضحايا وذوي حقوقهم. وتُكمل المواد 12 و13 و14 هذا المسار، من خلال النص على استرجاع الأموال المنهوبة، والقيم المادية والمعنوية، والأرشيف الوطني، إضافة إلى رفات رموز المقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية.

ويورد النص المتفق عليه الجرائم الاستعمارية التي ارتكبت في الجزائر بالتفصيل من خلال المادة الخامسة، والتي تتضمن “العدوان على الدولة الجزائرية، القتل العمد، تعمد توجيه الهجمات العسكرية ضد السكان المدنيين، الاستخدام المفرط للقوة المسلحة، استخدام الأسلحة غير التقليدية والمحرمة دوليا، زرع الألغام، التجارب الكيمياوية والتفجيرات النووية، الإعدام خارج نطاق القانون، السطو على خزينة الدولة الجزائرية، النهب الممنهج للثروات”.

كما تتضمن هذه المادة الجرائم المتعلقة بـ”إخضاع الجزائريين دون سواهم للقوانين الاستثنائية، ممارسة التعذيب الجسدي والنفسي بشكل وحشي على نطاق واسع، وتعمد المساس الخطير بالسلامة البدنية أو بالصحة العقلية، التمييز العنصري والمعاملة اللاإنسانية والحرمان المتعمد من التمتع بالحقوق الأساسية، النفي إلى خارج الوطن، الترحيل غير المشروع للسكان المدنيين إلى الجبال والمناطق القاحلة ومصادرة أملاكهم، الاختطاف والإخفاء القسري للأشخاص، احتجاز الأشخاص خارج الأطر القانونية، تجميع السكان المدنيين في محتشدات وجعلهم كدروع بشرية، التجنيد الإجباري للخدمة في القوات المسلحة الفرنسية”.

كما تشمل هذه الجرائم الاستعمارية “إنشاء المحاكم الخاصة دون ضمانات قضائية، تدمير الممتلكات أو مصادرتها، الحرمان من حرية الرأي والتعبير، الحرمان من تلقي التعليم، الحرمان من تقلد الوظائف العامة، الاعتداء على الحريات الفردية وحرمة الحياة الخاصة، الاعتداء على شرف واعتبار الأشخاص، الاغتصاب و/أو الاستعباد الجنسي، تدنيس وتخريب دور العبادة وتحويلها عن أغراضها وجرائم التنصير القسري ومحاولات طمس الهوية الوطنية، الاعتداء على حرمة الموتى والتنكيل برفاتهم واحتجاز أجزاء منها، التسبب عمدا في مآس إنسانية وبيئية بالتفجيرات النووية، وإلحاق الألقاب المشينة بالجزائريين بشكل ممنهج هدفه العبث بنظام الحالة المدنية للجزائريين”.

ويأتي الاعتماد المنتظر لهذا القانون بعد محاولات عديدة باءت بالفشل، كان أبرزها سنة 2006، عندما طرح المشروع كرد على قانون تمجيد الاستعمار الذي أرادت فرنسا تبنيه سنة 2005 في ظل رئاسة جاك شيراك. لكن النص تم تعطيله بمبررات عدة، منها عدم الرغبة في الإضرار بالعلاقات مع فرنسا، وظل يستعمل من حين لآخر كورقة ضغط جزائرية كلما تأزمت العلاقات بين البلدين، لكن دون أي إرادة حقيقية في اعتماده.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية