مَنام أوّل
(1)
ليس سهلاً أن أصف كيف فطنتُ فجأة وأنا أجلس بسلام على الكنبة الوثيرة بعد يوم عملٍ طويل أنني في الواقع في منزلك وليس في منزلي، وأنّ وصولك بات قاب قوسين أو أدنى. كنتُ أتخيّل المفاجأة التي سترتسم على بلّور وجهك المطمئن بمجرّد عبورك عتبة الباب، وأنّ الحيرة ستحيط بك بلا رحمة، وستتعثر خطواتك بمشهدي أحدّق فيك، من دون أن أملك تفسيراً لما يحصل، كيف أتيت إلى هنا، ومن أين؟ ولماذا أتيت مع آخرين؟
(2)
كنت أخشى النظر في عينيك. ربما لأنني لم أنظر فيهما من قبل، أو ربما لأنني كنت أنظر وأعلم أنّ آخرين يشاهدوننا ويحيطون بنا، ممّا يسلب حديث العيون واحداً من عنصرَيْ مزيجه الفتّاك: العمق وامتداد الوقت. أمّا الآن فالزمن كله لنا. لم أكن أعرف كيف تكونين حين يغيب الناس وتنطفئ نجمة العالم. لم أكن أعلم ما الذي ينبغي قوله، وكيف تكونين في بيتك على سجيّتك الكاملة.
(3)
لم أتخيّل للحظةٍ أن يكون اللقاء بمثل هذه التلقائية: تنصرفين عنّي إلى زاوية الحجرة. تعدّين طعامك بصمت وتتناولينه بهدوء ومزاج معتدل، بلا كلام. وطيف أشعة الشمس يبدّل ألوانه بأناة على الأثاث المخمليّ الأخضر، ثم يجعلها تتناوب ببطء وحَذَر على قسمات وجهك المستكين، والذي مع ذلك يخفي شيئاً مريحاً.
تنهضين بعد ذلك، تتقدمين نحوي وتتكلمين…لا أعرف لمَ بدا لي أنك لم تبدئي حديثاً، بل كنت تتابعين آخر بدأناه منذ زمن طويل. يبدو أنك تشرحين لي أمراً يحتاج وقتاً، بهدوء وثقة، وبين الفينة والأخرى تضغطين على ساعدي الأيسر ببطء كأنك تبحثين عن شيء ما من دون أن تكوني مستعجلة للعثور عليه. انظري كيف تتركين جسدك «العاديّ» يقترب ليلمسني ببداهة ثم يبتعد، علامة الاستغراق في الكلام!
(4)
ملء. أشعر بالملء، رغم أنني لا أتذكر حرفاً مما قلتِ. نسيتُ من أنا، ومن أين أتيتُ وأين أصبح الآخرون الذين أتوا معي. في تلك الساعة، كنتِ أنتِ البيت الذي لا أملكه، كما لم أملك شيئاً أبداً في أيّ مكان في العالم، ورغم ذلك، كان يجب أن أخرج منه بمرسوم قدريّ لا رجعة فيه.
31 أكتوبر 2022
مَنام ثانٍ
(1)
لوهلة، شعرت بذعر يتسرّب إلى أضلاعي وأنا أدخل المطبخ خلفك، أتبع دعوتك المتحمسة. خفتُ أن أرى بأمّ العين أنّ الزمن القديم ما زال يتمدد على الجدران الزرقاء الفاتحة وأضلاع الطاولة المستطيلة الملتصقة بالجدار، وأنت تدلّينني، بيدك الرَّخْصة وسِوارك الدقيق الذي يندفع بحرية بين معصمك ومنتصف الساعد، على وصفات الخضار المخلَّلة التي تحضرينها، حسب طريقة جدتك وكيف تستعملين التوابل وتجفّفين الفاكهة. خفتُ أن أتيقّن من أنني، وحيداً، بعد غدٍ، سأواجه تيارات العالم السريع، وأنّ وجهك الطريّ سيكون، بعيداً عني، حيث يجتمع الكل للاحتفال بالعيد الأكبر.
(2)
ما زلت أتساءل عن لون الضياء الذي كان يزحف على الجدران ويسيل على السطوح المرمرية، وعن ذلك التناوب العجيب بين ملامح الحزن والتوثّب تحت عينيك وحول الشفتين. أمّا العينان بالذات فكانتا بحراً عميقاً وليلَ طمأنينة لا تنضب ولا تُفسَّر. في تلك الساعة، كأنّ زجاج الشرفة استحال موشوراً عملاقاً يبعثر الضوء ويكسّر أشعته المكتنزة إلى آلاف الجواهر التي تهمي على تراب الزمن البطيء، وكنتِ تحملين إلى فمي شيئاً بين الإبهام والسبابة وتقولين بفرح هادئ: «تذوّق!»
كاتب سوري