أكثر من 90 في المئة من الدول العربية تعاني من هشاشة أمنها المائي، الأمر الذي يعني بالضرورة هشاشة أمنها الغذائي، وهو أكبر مصادر تهديد الأمن القومي لأي دولة على المدى الطويل. هذا الوضع ليس جديدا، لكنه يزداد سوءا عاما بعد عام مع زيادة عدد السكان وبقاء إمدادات المياه على حالها تقريبا. الأكثر من ذلك أن شحة المياه العذبة المتجددة في العالم العربي ككل تحولت إلى مصدر من مصادر عدم الاستقرار الإقليمي. في شرق البحر المتوسط وفي شمال أفريقيا وفي حوض النيل يمكن أن تتحول حروب المياه إلى مواجهات ساخنة، لأن جزءا مهما من مصادر إمدادات المياه العذبة المتجددة ينبع من وراء حدود الدول العربية، كما هو الحال في مصر والأردن وسوريا والعراق. تتحكم إسرائيل في أكثر من 80 في المئة من مصادر المياه في الضفة الغربية، وهي تستخدم ذلك سلاحا مؤلما ضد الشعب الفلسطيني. كذلك فإن الموجة الراهنة من الإرهاب بواسطة المستوطنين وجمعياتهم المتطرفة تستخدم سلاح المياه على أسوأ ما يكون الاستخدام، من منع المجتمعات القروية والبدوية الفلسطينية من الوصول إلى آبار المياه، حتى تسميم مياهها. ويمثل فقر المياه في الضفة سلاحا تحاول إسرائيل استخدامه ضد الشعب الفلسطيني سواء في غزة أو في الضفة من أجل خلق ظروف شديدة الصعوبة، ما يجعل الحياة مشقة دائمة في أرضهم، ويدفع البعض منهم إلى الهجرة.
وربما لا يكون من قبيل المصادفة أن إثيوبيا التي تتحكم في أكثر من 80 في المئة من تدفق المياه إلى مصر تلجأ هي الأخرى إلى استخدام سلاح المياه ضد المصريين الذين يشاركونهم مياه نهر النيل العظيم، ويتدفق من الهضبة الإثيوبية إلى مصر كل عام صانعا أسطورة الحضارة المصرية منذ فجر التاريخ. في بقية الدول العربية، حيث يعاني أكثر من 90 في المئة منها تداعيات ندرة المياه والفقر المائي نجد أنها إما تخضع لقيود على إمدادات المياه من جانب دول مجاورة لها، خصوصا العراق الذي يعاني من فقر مائي شديد لأسباب طبيعية وبيئية إلى جانب أسباب جيوسياسية تؤدي عمليا إلى زيادة حدة شحة المياه، بما في ذلك تلك التي تتحكم فيها تركيا من الشمال، وإيران من الجنوب الشرقي. إسرائيل تتدخل أيضا في أنشطة استغلال المياه في جنوب لبنان وسوريا. وإذا نظرنا إلى الدول العربية ككل، فإن نصيبها من المياه العذبة المتجددة في العالم لا يزيد عن واحد في المئة، في حين يتجاوز عدد سكانها 5 في المئة من سكان العالم. ويعتبر الأمن المائي لدول الخليج بشكل عام أشد حرجا منه في بقية الدول العربية، لكن ما يساعدها على احتمال ذلك مقارنة بغيرها هو الاستثمارات الضخمة في البنية الأساسية لتحلية المياه، واستخدام أكثر الأساليب التكنولوجية في تعظيم العائد من هذه الاستثمارات واتاحة مياه الشرب النقية باستخدام أفضل الأساليب التكنولوجية. ومع ذلك فإن استراتيجيات مكافحة هشاشة الأمن المائي لا تتضمن القدر الكافي من التعاون بين دولتين أو أكثر من دول المنطقة، لا في مجالات زيادة إنتاجية المياه، ولا في مجالات ترشيد استهلاكها، أو حتى إقامة أنهار صناعية عبر الحدود مع الدول ذات الفائض المائي في المنطقة مثل السودان في إطار استراتيجية لتنمية مصادر المياه في دول الجوار الإقليمي ذات العلاقات السلمية. وهناك أفكار كثيرة يمكن طرحها في سياق بناء القدرة على تحمل العجز المائي في العالم العربي إذا أخذنا في الاعتبار دراسة إمكانية إنشاء ممر مائي من القطب الشمالي إلى الدول التي تعاني فقرا شديدا في مصادر المياه. البعض طرح في أوقات مضت أفكارا عن نقل أجزاء من ثلوج الجليد القطبية إلى الدول التي تعاني من الجفاف المتعطشة لرذاذ المياه العذبة.
أسباب الفقر المائي
تعتبر قسوة الظروف البيئية في المنطقة العربية وانخفاض معدل سقوط الأمطار مع زيادة حرارة الجو السبب الأول في هشاشة الأمن المائي العربي. وفي مقابل الظروف الطبيعية والبيئية القاسية فإن زيادة السكان بمعدل سنوي يصل في المتوسط إلى 2 في المئة يتطلب زيادة عرض المياه بالنسبة نفسها على الأقل، مع أخذ احتياجات التنمية وتحسين مستوى الحياة في الاعتبار. وبسبب عدم وجود نظام إقليمي لتنمية مصادر المياه فإن مياه الأمطار تتسبب أحيانا في فيضانات مدمرة تتزايد خطورتها مع التقلبات الحادة في المناخ بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري.
ويعاني الأردن من أزمة مياه هيكلية يصنفها البعض على أنها خطر وجودي تواجهه المملكة الهاشمية، حيث تعتبر واحدا من أكثر البلدان الفقيرة في المياه في العالم إذ يبلغ نصيب الفرد في المتوسط 100 متر مكعب سنويا. وتعتمد المملكة الأردنية على المياه الجوفية، ونهر الأردن، الذي يفصل بين المملكة وبين الضفة الغربية. وبسبب شدة هشاشة وضعها المائي فإنها تخضع لابتزاز إسرائيل يوميا في إمدادات المياه.
كذلك يرتفع إلى حد كبير مستوى هشاشة الأمن المائي في الكويت وقطر، وإن كانت القدرات المالية المتاحة لكل منهما تساعد على تعويض فقر المياه بالاستيراد من الخارج. الظروف البيئية القاسية تسهم أيضا في هشاشة الأمن المائي في دول مثل ليبيا والسعودية. وفي الدول التي تعتمد على مصادر المياه العذبة الواردة من وراء الحدود تكون هشاشة الأمن المائي عاملا من عوامل التوتر والنزاعات، كما هو حال مصر مع إثيوبيا، وحال العراق وسوريا مع إيران وتركيا. هذا هو المصدر الثاني لهشاشة الأمن المائي العربي، حيث يتحول إلى مصدر للنزاعات الإقليمية وتهديد الاستقرار السياسي. كذلك تؤدي هشاشة الأمن المائي إلى فرض قيود شديدة على استهلاك المياه، والتوسع في تسعيرها، واللجوء إلى زيادة هذه الأسعار من آن لآخر، ما يسفر في أحوال كثيرة عن تهديد صحة المواطنين خصوصا الفقراء.
وإلى جانب الظروف البيئية القاسية، واعتماد دول عربية على مصادر أساسية للمياه وراء حدودها، فإن السبب الثالث لهشاشة الأمن المائي يتمثل في غياب كفاءة التنظيم المؤسسي لإدارة الموارد المائية. هذا الغياب يؤدي إلى إهدار نسبة كبيرة من موارد مياه الأمطار، وسوء استهلاك المياه المتاحة، وإضاعة الكثير من الفرص لتعظيم الاستفادة من المياه المتاحة بإقامة الخزانات والسدود التي تسهم في زيادة العرض وترشيد الاستهلاك، سواء في أغراض الزراعة أو الصناعة أو الاستهلاك المنزلي. السبب الرابع يتمثل في عدم الاهتمام بزيادة الاستثمار في مجالات تحسين نوعية المياه العذبة المتجددة وغير المتجددة، وتنمية تكنولوجيات تحلية وتدوير المياه، ونشر الوعي الاجتماعي المتعلق بالمحافظة على معايير بيئية صارمة في مجاري المياه العذبة. هذه الأسباب الرئيسية وراء هشاشة الأمن المائي العربي تمثل مصدرا رئيسيا من مصدر هشاشة الأمن الغذائي كذلك، الأمر الذي يؤكد خطورة استمرار الوضع الحالي بالأسلوب نفسه الذي يتكرر من عام لآخر، ومن بلد لآخر، ومن جيل لآخر، حتى وجدنا أن الدول العربية التي كانت تتمتع بوفرة مائية حتى منتصف القرن الماضي مثل مصر سقطت في مصيدة هشاشة الأمن المائي والغذائي.
التعاون الإقليمي ضرورة
ظل الحديث عن التكامل الاقتصادي العربي مجرد شعارات فارغة بلا قيمة تقريبا. ولم تحقق الدول العربية بشكل عام إلا القليل جدا مما تدعو إليه من خلال مؤسسات التعاون الاقتصادي العربي. وقد جاء الوقت لكي تأخذ الدول العربية مسألة هشاشة الأمن المائي بجدية، والعمل على ابتكار حلول إقليمية تساعد على توفير قدر أكبر من الاستقرار في إمدادات المياه من خلال إقامة بنية أساسية إقليمية للأمن المائي العربي، تضم شبكات عابرة للحدود لنقل المياه العذبة من مناطق الوفرة إلى مناطق الندرة. مثل هذه الشبكة يمكن أن تستخدم في تجارة المياه الإقليمية التي تغذيها محطات ضخمة لإنتاج المياه العذبة أو المحلاة للشرب، وأنواع المياه الأخرى الصالحة للري والاستخدامات الصناعية. ويحتاج التعاون الإقليمي في مجالات إقامة بنية أساسية لتجارة المياه إلى مؤسسات متخصصة، وإلى معايير تقنية للسلامة الصحية، وإلى محطات تعمل بأسلوب الإنتاج الضخم لتلبية الطلب في جميع أرجاء الدول العربية، وإلى طريقة مالية لحساب الأسعار وتكاليف النقل وشروط إجراء الاختبارات التقنية وقياس الاستهلاك في محطات استقبال الإمدادات. إن ندرة المياه سوف تصبح ظاهرة يتسع نطاقها يوما بعد يوم مع نمو الإنتاج الصناعي وتنويع هياكل الإنتاج وارتفاع مستوى الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المتقدمة، وزيادة الطلب على المياه في الدول النامية والأقل نموا لتعويض عقود زمنية طويلة من التخلف.
وسوف يساعد محطات ضخمة لإنتاج المياه على زيادة معدل خلط المياه الصالحة للشرب المنتجة من مصادر مختلفة (مياه محلاة، مياه آبار جوفية، مياه خزانات أمطار، مياه أنهار وبحيرات عذبة). التوسع في خلط المياه طبقا لمعايير صحية وتكنولوجية سليمة من شأنه المساعدة على خفض تكاليف الإنتاج. ومع وصول إمدادات المياه إلى أسواق ضخمة، فإن هذا يساعد أيضا على تكوين وفورات لصالح كل من المنتج والمستهلك على السواء. الأكثر من ذلك أن التعاون الإقليمي في مجالات إنتاج وتوزيع المياه من شأنه أن يكشف فرصا جديدة لم تكن موجودة من قبل. كلنا نذكر مشروع النهر العظيم في ليبيا الذي كان يمثل مشروعا طموحا لحل أزمة المياه هناك. هذا المشروع كان يتيح فرصة هائلة لكل من ليبيا ومصر والسودان للتعاون المشترك في استغلال مخزون خزانات المياه الجوفية الممتدة في باطن الأرض العابرة للحدود، إلى جانب إتاحة فرصة كبيرة للسودان لتصدير فائض المياه إلى كل من مصر وليبيا وربما عبر مصر شرقا إلى السعودية والأردن، وعبر ليبيا غربا إلى دول المغرب العربي. وفي مثل هذه الحالة فإن التعاون الإقليمي في إقامة بنية أساسية لتجارة المياه بين الدول العربية يتيح أيضا فرصا واسعة لتطوير مصادر المياه، بما في ذلك الأمطار المهدرة، وتطوير تكنولوجيا ملائمة لإزالة العوائق التي تحول دون استثمار كل قطرة مياه، بما في ذلك تجفيف المستنقعات، والتعاون في إقامة السدود الصغيرة أو الكبيرة، وتصميم خطط للطوارئ للاستفادة من مياه الفيضانات.
التعاون مع دول الجوار
ولا يجب أن يقتصر التعاون الإقليمي على المشاريع العربية المشتركة فقط، بل من الضروري توسيع نطاق التعاون على أسس السلام والعدالة وتكافؤ المنافع والاحترام المتبادل بين الدول العربية ودول الجوار. وفي هذا السياق ربما يكون من المفيد جدا استطلاع فرص إقامة مشروع عملاق للتعاون المائي بين العراق وتركيا وإيران والكويت، لتحقيق الفوائد المشتركة بينها، عن طريق ضخ استثمارات ضخمة لإنتاج المياه من المصادر المتاحة كما ذكرنا بما في ذلك تحلية مياه البحر، وإقامة السدود والخزانات، ومد شبكة إقليمية لتبادل المياه تسهم في زيادة رفاهية مواطنيها وتوفير قدر من الاعتماد الجماعي المتبادل من أجل بناء القدرة على علاج هشاشة الأمن المائي. مثال آخر يتعلق بهشاشة الأمن المائي في مصر الذي يمكن مواجهته من خلال توسيع نطاق التعاون المتبادل مع دول حوض النيل، وحل الازمة القائمة مع إثيوبيا على أساس الربح المتبادل، وليس طبقا لمعادلة صفرية: إما أنا وإما أنت! وتستطيع مصر زيادة حصتها من مياه نهر النيل على أسس متفق عليها بين دول مبادرة حوض النيل. هذه الدول تتجه الآن إلى تفعيل لجنة الإدارة المشتركة لموارد نهر النيل على أساس المعايير العادلة والمعقولة، وتنمية استغلال الأمطار الغزيرة التي تسقط على البحيرات الاستوائية وعلى الهضبة الإثيوبية. وتظهر مصر في الوقت الحاضر قدرا معقولا من المرونة والتمسك باستمرار المشاورات من أجل التوصل إلى حل للخلاف مع إثيوبيا. وتمثل مشاركتها في الاجتماع الوازري الأخير لدول مبادرة حوض النيل في مدينة جوبا عاصمة جنوب السودان يوم الأحد الماضي خطوة على الطريق. هذا النهج يجب أن يكون مثمرا وليس فقط من أجل تحقيق مكاسب أنانية لأي من الطرفين. إن قبول حقيقة أن ندرة المياه في العالم تتسع يوجب التعاون بين الدول التي تعاني فعلا من الفقر المائي وغيرها، لأن أيا منها لن يستطيع وحده تحقيق الاعتماد على النفس في توفير احتياجاته الحرجة من المياه والطاقة على وجه الخصوص.