خبير عالمي: عملت 40 عاماً.. لم أر تخطيطاً وإتقاناً كهذين يمارسان لتجويع شعب كما رأيت في غزة 

حجم الخط
0

يعيش في “سديروت” يعيش حوالي 30 ألف نسمة. تخيلوا أن ثلاجات كل سكان “سديروت” فارغة. عملياً، لا ثلاجات لديهم. المخابز مغلقة. الرفوف في المحلات التجارية لا تعرض شيئاً. هم جائعون. بعد ذلك مرة كل 24 ساعة تدخل شاحنة واحدة إلى المدينة وتوزع الطعام من بيت إلى آخر. الطعام الموجود في هذه الشاحنة – هذا الموجود – هو لكل سكان المدينة. أيضاً في “اور عكيفا” يعيش حوالي 30 ألف شخص، وفي “عراد” أيضاً، كل مدينة تحصل على شاحنة واحدة في اليوم. هل سيكون سكان “سديروت” جائعين في نهاية اليوم؟ وماذا سيحدث بعد أسبوع؟ بعد شهر؟

حسب بيان رسمي لمنسق أعمال الحكومة في المناطق، دخلت في الشهر الأخير يومياً 71 شاحنة إلى قطاع غزة بالمتوسط. 71 شاحنة كان يجب أن تكفي لإطعام 2.1 مليون شخص. أي، شاحنة واحدة لكل 30 ألف شخص. نصفها تنقل إلى مراكز التوزيع، والنصف الآخر تدخله الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية. هذه كمية قليلة من الطعام، لكن يا ريت السيناريو الذي وصف في “سديروت” كان هو الوضع في القطاع، في غزة الوضع أكثر سوءاً.

في غزة، الشاحنة لا توزع الطعام من بيت إلى بيت. نصف الطعام يتم إنزاله في أكوام كبيرة في مناطق نيران بعيدة. البوابات تفتح لمدة ربع ساعة في اليوم، بدون جدول زمني ثابت. هذا ليس خطأ، نعم ربع ساعة في اليوم. النصف الآخر يسرق من داخل الشاحنات. في الحالتين، من ينجح في الوصول إلى الطعام هم الشباب فقط الذين الذين يقدرون على جر وزن لا بأس به، ويمكنهم الركض بسرعة ومستعدين لتعريض حياتهم للخطر. أكثر من ألف شخص ماتوا حتى الآن أثناء التجمع من أجل الحصول على الطعام، معظمهم بنار الجيش الإسرائيلي. ماذا يحدث مع من لا ينجح في الوصول إلى الشاحنات أو إلى مراكز التوزيع؟ ماذا عن النساء، ذوي الاحتياجات الخاصة، المرضى والشيوخ؟ وماذا بالنسبة لمن ليس لهم حظ؟ هم يموتون بسبب الجوع.

ما صلة سكان غزة بسكان “سديروت”. الغزيون يتم تجويعهم بمستوى معين قبل سنتين. لا أحد منهم أكل الخضراوات أو منتجات الألبان أو اللحوم في تلك الفترة، هم يعيشون في خيام ممزقة، بين الأنقاض، دون صحة أساسية. لا يوجد في دمائهم ما يكفي من الحديد والفيتامينات والبروتينات. ومنظومة المناعة لديهم مدمرة. في رزم الطعام التي توزع يوجد طحين وأرز وحمص، لكن لا غاز للطبخ ولا مزروعات.

 كثير من الأشخاص ماتوا في هذا الأسبوع في غزة. كثيرون قتلوا في هجمات الجيش الإسرائيلي، البعض ماتوا بسبب الإصابة، وآخرون استسلموا للمرض. بدءاً من هذا الأسبوع يجب علينا إحصاء عدد الأشخاص الذين جوعاً. من بداية الأسبوع وحتى ظهيرة يوم أمس [الأربعاء] مات 43 شخصاً؛ لأن إسرائيل جوّعتهم.

البروفيسور نيك ماينرد، طبيب جراح في مستشفى جامعة أكسفورد، وهو في هذه الأيام متطوع في مستشفى ناصر خان يونس، في حين يتقدم الجيش الإسرائيلي في عملية لمحو المدينة. هذه هي المرة الثالثة التي يأتي فيها إلى القطاع منذ 7 أكتوبر. قال: “في هذه الأثناء، أجريت عملية جراحية لفتاة كانت تعاني من سوء تغذية شديد، هي رضيعة عمرها سبعة أشهر، وكانت تتكون من جلد وعظام، وكانت تحتضر أمام ناظري. لم يمهد لي أي أحد للمناظر الفظيعة التي أشاهدها الآن. الأمر لا ينطبق فقط على المرضى. بصعوبة تعرفت على رجال الطواقم الطبية الذين عرفتهم في زيارات سابقة، بعضهم فقد 30 كغم، الأزمة أصبحت كارثية”.

الدكتور أساف دافيد، باحث في منتدى التفكير الإقليمي وفي معهد “فان لير”، هو على علاقة دائمة مع سكان في غزة، هكذا كتب له في هذا الأسبوع أحد هؤلاء السكان: “نحن نموت جوعاً. تعبنا. أنا وأولادي لا نستطيع الوقوف على أرجلنا أو المشي، وزني انخفض بـ 39 كغم، ابني يتقيأ السوائل الموجودة في معدته. لا يوجد طعام ولا أي حاجات أساسية للحياة. أجسامنا تنهار كل يوم. الأمراض تنتشر، المجتمع يتفكك. كل القيم الإنسانية هنا انهارت”.

طبيب في غزة قال إن الطعام الذي يوفره المستشفى له هو وجبة واحدة تتكون من الأرز كل يوم (“أشرب مياهاً كثيرة لإسكات جوعي. أحيانا نجري العمليات وبصعوبة نرى؛ بسبب الدوار”). في فيلم من القطاع شوهد شخص مسن ونحيف وبنطاله مربوط بخيط، وهو يركع على ركبتيه ويحاول جمع الطحين الذي نثر على الرمل: “لدي عشرة أولاد، لم يأكلوا أي شيء منذ أسبوع. سأحاول تنخيل القمح من الرمل”.

دكتور فادي بورا، طبيب من غزة، يحاول شرح خطورة الوضع: “الشخص الذي يدخل إلى مرحلة متقدمة من الجوع لا يمكنه النجاة عن طريق الطعام والماء فقط، وهو بدون علاج طبي خاص الموت ينتظره. هذا جسم انهارت أجهزته، العضلات تفككت، الأعضاء تحللت، وهو الآن ليس أكثر من هيكل عظمي متحرك. ربما دخل عشرات آلاف الغزيين الآن إلى هذه المرحلة النهائية للجوع، ومعظمهم من الأطفال”.

الجوع لم يبدأ في هذا الأسبوع، هو موجود من البداية. تجويع قطاع غزة كان بين أوراق متخذي القرارات في إسرائيل من اليوم الأول. وزير الدفاع السابق يوآف غالنت، أعلن عن “حصار مطلق”، ووزير المالية أعلن بأنه لن يتم إدخال ذرة طعام، ووزير الأمن الداخلي اقترح قصف مخازن الغذاء في غزة، وعضو الكنيست موشيه سعادة (الليكود) أعلن “من يقول بأنني لن أجوع غزة فهو إنسان مشوش؛ سأجوّع الغزيين، نعم، نعم، هذا هو واجبنا”. جنرالات سابقون بلوروا برامج التجويع. المتظاهرون قطعوا طريق شاحنات الغذاء. المعارضة صمتت. ومثلما صاغ ذلك البروفيسور اليكس ديفال، وهو من أهم الخبراء في الجوع في العالم: “أعمل في هذا الموضوع منذ 40 سنة، لا توجد حالة منذ الحرب العالمية الثانية من الجوع خُطط لها وتم السيطرة عليها مثل هذه الحالة. كل مرحلة فيها تم توقعها مسبقاً”.

11 في كانون الثاني السنة الماضية، أمرت محكمة لاهاي إسرائيل بالسماح بإدخال الطعام والمساعدات إلى القطاع. إسرائيل تجاهلت ذلك. فقد منعت وحظرت وقيدت ووضعت العراقيل، لكنها لم تعمل على تجويع الغزيين حتى الموت. قبل خمسة أشهر، قررت تغيير الاتجاه؛ ففي 2 آذار أعلنت إسرائيل عن إغلاق المعابر، بقيت مغلقة 78 يوماً. فرغت مخازن الغذاء فرغت، وتفشى الجوع. في 26 أيار استأنفت إسرائيل إدخال المساعدات، لكن بدل السماح للأمم المتحدة وشركائها بتوزيع الطعام في مئات مراكز التوزيع والمطابخ الجماعية مثلما كان الأمر في معظم فترة الحرب، فقد نقلت هذه المهمة لمنظمة أقيمت بشكل مستعجل، بدون أي تجربة، وطريقة عملها مخالفة لكل المبادئ التي تمت بلورتها خلال السنين. حذر الخبراء بأن الأمر سينتهي بكارثة، الآن هذه الكارثة تتحقق أمام أنظارنا.

 (في غضون ذلك، في الالتماس المستعجل ضد التجويع، طلبت الدولة هذا الأسبوع لولمرة العاشرة، الحصول على تمديد لتقديم الرد. “استمراراً لما قيل في طلبات التمديد السابقة، نرغب في إعلامكم بأنه رغم الجهود المبذولة، لم يتم بعد الحصول على مصادقة كل الجهات لتقديم مسودة البيان المحدث”، كتب في الطلب. “في هذه الظروف، مطلوب من المحكمة الموقرة أن تعطي من يجب عليهم الرد تمديد آخر”. وصادقت المحكمة العليا أيضاً على هذا التمديد).

 نير حسون

هآرتس 26/2/2026

 

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية