علاء ميناوي يواصل استدراج المتلقي إلى مسرحه التجريبي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: في تلخيص موجه للجمهور حمله كُتيب العرض المسرحي الأدائي «الأرض الحرام» كمدخل يُحضّر المتلقي لما ينتظره ورد التالي: «عمْ ندوّر على مكان.. لا عالخشبة ولا بين الجمهور.. لا عالمسرح ولا بهالواقع اللذيذ اللي عم نعيشه.. لا جوّا الجسد ولا برّاته.. مكان لا هون ولا هونيك».
بصراحة هو طرح يُشبه دخول المتاهة. وعندما نصل إلى عمق ما يرغب بالتعبير عنه الكاتب والمخرج علاء ميناوي، نُدرك أنه واقعنا الذي استطاع تجسيده بعد تفكيكه قطعة قطعة، بسوريالية معجونة بالدراما، وبعصف من الأسئلة والغضب المكبوت. غضب ساطع، رغم مظهر الحكمة والتحليل والاستنتاج، الذي تملّك علاء ميناوي كمؤد للعمل، وفي وقوفه شبه السردي على الخشبة.
دخول المتفرجين إلى المسرح يترافق مع انهماك شاب بتحضيره. مدٌّ للنايلون الأبيض على الأرض. تجميع للنايلون وتعليقه كصرّة طليقة في الهواء. مساحة مفتوحة يحدّها النايلون جنبات وأرضاً. فيما سعى علاء ميناوي لإقناعنا بأن الشاب الذي أمامنا «وجدي خالد» يواصل تحضير سينوغرافيا المكان، وما نشاهده ليس من ضمن اللعبة الفنية المعتمدة من قبله.
بدون نكد، وبعيداً عن كافة اشكاله وكأن الحياة وردية بالكامل، يدخل علاء ميناوي إلى لعبة المتاهات التي تستهويه منذ زمن وصولاً إلى هدفه. يغرق في توجيه الأسئلة إلى «تشات جي بي تي» طلباً لتفسير جملته المحورية في العرض «نوم انز لاند». والترجمة التي تكرّم بها الصديق «تشات جي بي تي» هي «الأرض الحرام». هنا كان للمتلقي البدء بفهم المسار الذي سيسلكه العرض. إنها الأرض إذاً. تابع ميناوي تفسير «الأرض الحرام»، وتابع وجدي إعداد السينوغرافيا منهمكاً بتفريغ أكياس الرمل لتتماثل مع تلّة صغيرة.
في أكثر من محطة من عرض «الأرض الحرام» يعتمد الكاتب والمخرج أسلوب الاستدراج، أو التفسير المتدرّج صعوداً وصولاً للمراد. إنه الجسد العربي «المشحون» تاريخياً، وتفجير الرابع من آب/أغسطس سنة 2021 أحد أسباب شحنه الحديثة.
وفي مقاربة رمزية وذات دلالات تحضر غزّة، ومن ضمنها فلسطين، والشعب المشرد بعيداً ويستحيل وصوله حتى إلى مشارف «الأرض الحرام». هنا يلج الكاتب والمخرج إلى عالم السخرية المرّة، وعالم التراجيديا، حيث مزجت مطحنة القتل أجساد وعظام الأمهات مع الآباء والأطفال. وفيما يرقص وجدي خالد متألماً بين هياكل الخيم، التي بناها من رمال، يأخذ الأمريكيون على عاتقهم حلّ آلام غزّة وتضميد جراحها. ففي اعادة البناء تتمثّل أقرب الحلول الإنسانية جداً، بمزج جدران المنازل التي سيعاد بناؤها بعظام ولحم وآمال الضحايا، وقليل من الإسمنت. ليس لسبب مادي بعينه، بل لسبب إنساني صاف، هو بقاء من استشهدوا إلى جوار القليل ممن كُتبت لهم الحياة، علّهم يسعدون سراً بمعاينة الحرية الأمريكية عن قرب.
بنى علاء ميناوي عشرات ملاهي الرقص المتقاربة، وتنقل بينها راقصاً بعنف غير ظاهر. هو الرقص هروباً أو الرقص على حافة الهاوية، لا فرق بينهما. بل إن الرقص المطلوب يهدف لإسكات صوت الضمير. رقص مجنون ينشده الجاني ويحتاجه كي لا يسمع صوت ضحاياه. وهنا يُصبح الجاني في أشد الحاجة لضحاياه. وفي لحظة ألم صامت، ينبعث صوت غناء من أكثر من مكان في الصالة.
نايلون ورمال وحطام بشري وفعل ضمير غائب. والمتسلط وحش هائج دون هوادة على بشر، يُصنّفهم أدنى بكثير من مراتب التفوق الأبيض المهيمن على الشعوب وأرضها. يلتف وجدي بالنايلون يغطي رأسه، يمشي ويسحبه خلفه، لوحة تخطف البصر، وتستحضر صورة مماثلة للسيد المسيح ماشياً على الأراضي الفلسطينية المقدسة.
في «الأرض الحرام» يواصل علاء ميناوي تجاربه المسرحية، كاسراً كل رتابة. متحصنناً بقدرة ابتكار يقارب فيها عنوان عمله الأساس من هذا الصوب وذاك. ويغوص في أعماقه الحسية، وفق رؤى مشهدية تجريبية جذابة ومؤثرة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية