لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” افتتاحية علقت فيها على اعتقال شقيق الملك تشارلز، الأمير السابق المعروف حاليا بأندرو ماونتباتن-ويندسور، وقضائه ساعات في مركز للشرطة بتهم تتعلق بإساءة استخدام منصبه وتسريب ملفات حساسة للمتحرش بالقاصرات والمجرم المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، قائلة: “يجب أن يكون اعتقال أندرو ماونتباتن – ويندسور، شقيق الملك، بمثابة نهاية للتساهل وبداية للمساءلة، وهو تصحيح طال انتظاره. ولأكثر من خمسة عشر عاما، تم التستر على الادعاءات المحيطة بماونتباتن-ويندسور بالصمت وتسوية خارج المحكمة وتخليه عن مهامه الملكية”.
و”باختصار، كان ينظر إلى سلوكه على أنه مشكلة تتعلق بالصورة العامة ويمكن معالجتها بالسر. ويبدو أن تلك الحقبة قد ولّت”. ويعتبر الأمير السابق هو الثامن في ترتيب ولاية العرش، ويظهر اعتقاله في زنزانة الشرطة بعيد ميلاده السادس والستين مدى انحداره على حد وصف الصحيفة.
وتضيف أن التحقيق الرسمي يعني أن السؤال لم يعد يدور حول حماية النظام الملكي، بل حول ما حدث، ومن قد يكون مسؤولا عن الأفعال غير القانونية.
فقد تدهور وضع ماونتباتن-ويندسور تدريجيا ولكن بثبات، حيث دفعه غباؤه وغروره إلى الاعتقاد بأنه يستطيع التملص من علاقته مع إبستين، المدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال، وبدلا من ذلك، يواجه الآن محاسبة قانونية ودستورية.
وتم إلقاء القبض على الأمير السابق من شرطة تيمز فالي للاشتباه في ارتكابه مخالفات أثناء توليه منصبه العام، وذلك بناءً على شكوى من جماعة “الجمهورية” المناهضة للملكية. وتصل عقوبة هذه الجريمة للسجن المؤبد.
وتضمنت الملفات والرسائل التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية، والتي يبلغ عددها 3 ملايين، رسائل بريد إلكتروني تظهر على ما يبدو قيام ماونتباتن-ويندسور بإرسال وثائق ومعلومات تجارية إلى إبستين أثناء عمله كمبعوث تجاري، مع أن شقيق الملك ينفي ارتكاب أي مخالفة.
وقد أدت صورة واحدة التقطت عام 2001 إلى توريط النظام الملكي وإدخاله في أزمة. فقد أظهرت الصورة الأمير أندرو آنذاك مع فيرجينيا جوفري، البالغة من العمر 17 عاما، ومنحت مصداقية لادعاءاتها بالاتجار بالبشر. وجعلت الأدلة المرئية من الصعب دحض أقوالها باعتبارها غير معقولة. ورغم إنكاره معرفته بها ورفضه للادعاءات، فقد تم التوصل إلى تسوية بقيمة 12 مليون جنيه إسترليني، وشكلت الصورة فضيحة هزت أركان آل وندسور.
وتقدمت المزيد من النساء بشكاوى مماثلة، ينفيها ماونتباتن-ويندسور.
وقد انتحرت جوفري العام الماضي، وقالت عائلتها إن اعتقال ماونتباتن-ويندسور يظهر أن “لا أحد فوق القانون”. ولا ينبغي لأعضاء البرلمان الخضوع للوراثة والمكانة. وكما أكدت “الغارديان” أكثر من مرة، أنه لا يجوز استدعاء شقيق الملك للإدلاء بشهادته أمام المشرعين الأمريكيين دون شهادة أمام البرلمان. وكان النائب العمالي ليام بيرن، رئيس اللجنة الحزبية المشتركة للأعمال والتجارة، مصيبا من الناحية الدستورية في أن ماونتباتن-ويندسور قابل للاستجواب من قبل أعضاء البرلمان. فمنصبه كمبعوث تجاري يخضعه للمساءلة أمام البرلمان.
ولا يزال ماونتباتن-ويندسور مستشارا للدولة، ويحق له نظريا أن ينوب عن الملك، مع أنه لن يرتدي التاج أبدا. وينبغي على البرلمان الآن مناقشة الكيفية التي يمكن فيها تعايش الامتياز الوراثي مع المساءلة الديمقراطية.
ومن الناحية الرمزية، تشير هذه الحادثة بلا شك إلى نهاية الاعتقاد السائد بأن الانتماء إلى العائلة المالكة يعد وساما يحصن أفرادها.
ومن الناحية العملية، فإن من شأنها أن تحقق محاسبة أكثر تركيزا على الضحايا.
وفي النهاية فإن علاقات ماونتباتن-ويندسور بإبستين ما زالت في بدايتها، وإذا لم توجه إليه أي تهم، فستتحول القصة إلى قضية إصلاح مؤسسي. أما إذا استمرت المحاكمة، فسيحاكم أمام هيئة محلفين مؤلفة من 12 عضوا، سيحكمون عليه بناء على الأدلة، لا على نسبه ومكانته كأمير سابق. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن النموذج القديم، العيش كمنفي سري أو الصمت قد انتهى.
ورأت صحيفة “التايمز” في تقرير مماثل، أن أحداث الخميس تعتبر أزمة أكبر بكثير للعائلة المالكة من تنازل الملك عن العرش عام 1936.
ولا تزال “وثيقة التنازل” التي وقعها إدوارد الثامن في كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام معروضة في معرض “رسائل الحب” بالأرشيف الوطني في كيو. وتقدم كمثال على حب إدوارد لزوجته المستقبلية، واليس سيمبسون، الأمريكية المطلقة التي تنازل من أجلها عن العرش. ولا يمكن التعبير عن الحب أو الشرف في هذه الأزمة الأخيرة، ولا سبيل لعرضها بصورة إيجابية.
وقد يكون أندرو قد جرد من ألقابه، لكنه لا يزال الثامن في ترتيب ولاية العرش، من الناحية الفنية، مع أن ذلك غير مسموح به لأنه لم يكن عضوا عاملا في العائلة المالكة منذ عام 2019. ولا يزال مستشارا للدولة، وبالتالي يحق له أن ينوب عن الملك. ومهما كانت نتيجة اعتقال أندرو، ستطرح تساؤلات على الحكومة والقصر حول قرار تعيينه مبعوثا تجاريا، حيث شغل هذا المنصب من عام 2001 إلى عام 2011، وخلال هذه الفترة وقعت إساءة استخدام المنصب المزعومة.