«أيام رعب مطلق»… «الدعم السريع» ارتكبت «إبادة جماعية» في الفاشر

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت عقد فيه مجلس الأمن الدولي، أمس الخميس، اجتماعا لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان ترأسته وزيرة خارجية بريطانيا إيفيت كوبر، كشفت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان عما وصفتها بأدلة جديدة تشير إلى ارتكاب قوات «الدعم السريع» ثلاثة أفعال على الأقل من الأفعال المكوِّنة لجريمة الإبادة الجماعية في مدينة الفاشر ومحيطها.

حصار واجتياح

وأكد التقرير أن السيطرة على المدينة سبقتها فترة حصار استمرت 18 شهرا، أعقبتها ما وصفتها بـ«ثلاثة أيام من الرعب المطلق» قُتل أو اغتُصب أو اختفى خلالها آلاف الأشخاص.
وكانت قوات «الدعم السريع» قد اجتاحت الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة. وأعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك توثيق مقتل 6000 شخص في الأيام الثلاثة الأولى فقط من الاجتياح.
وقالت البعثة في تقرير قدمته إلى مجلس حقوق الإنسان، إن قوات «الدعم» نفذت «حملة تدمير منسقة» استهدفت مجتمعات غير عربية في الفاشر، مشيرة إلى أن نمط الانتهاكات يحمل «سمات للإبادة الجماعية»، إلى جانب توثيق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأوضح التقرير المعنون «سمات الإبادة الجماعية في الفاشر» أن الأفعال التي ترقى إلى الإبادة تشمل قتل أفراد من جماعة عرقية محمية، وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية يقصد بها تدمير الجماعة كليا أو جزئيا، وهي عناصر منصوص عليها في تعريف الجريمة بموجب القانون الدولي.
وخلصت البعثة إلى أن نية الإبادة الجماعية تمثل «الاستنتاج المعقول الوحيد» المستخلص من النمط المنهجي للهجمات، والذي تضمن عمليات قتل ذات طابع عرقي، وعنفا جنسيا واسع النطاق، وتدميرا ممنهجا، إلى جانب تصريحات علنية تحرض على استهداف مجتمعات غير عربية، خاصة الزغاوة والفور.
وقال رئيس البعثة، محمد شاندي عثمان، إن نطاق العمليات وتنسيقها، بالإضافة إلى ما وصفه بـ«التأييد العلني من قيادات في قوات الدعم»، يظهر أن ما جرى في الفاشر «لم يكن تجاوزات عشوائية في سياق الحرب، بل هو جزء من عملية منظمة ومخطط لها تحمل سمات الإبادة الجماعية».
وأشار التقرير إلى أن عملية السيطرة على الفاشر خُطط لها ونُفذت بعناية، وسبقها حصار طويل أضعف السكان المستهدفين عبر التجويع والحرمان والاحتجاز والصدمات النفسية، معتبرا أن تلك الظروف كانت «محسوبة لتدميرهم».

بعثة تحقيق دولية تكشف فظائع… ومبعوث ترامب: مستقبل السودان يرسمه المدنيون وليس الجنرالات

وأضاف أن السكان كانوا منهكين جسديا ويعانون من سوء التغذية وغير قادرين على الفرار، ما جعلهم عرضة للعنف اللاحق.
ووثقت البعثة نمطا من السلوك الموجه ضد جماعات عرقية محددة، شمل القتل الجماعي والاغتصاب واسع النطاق وأشكالا أخرى من العنف الجنسي والتعذيب خلال عملية الاستيلاء في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول.
واستند التقرير إلى شهادات ناجين تحدثوا عن تهديدات مباشرة وعبارات ذات طابع عنصري أثناء ارتكاب الانتهاكات، معتبرا أن هذه التصريحات، إلى جانب الطبيعة المنهجية للهجمات، تشكل أدلة على نية التدمير العرقي.
كما أشار إلى أن الاستهداف الانتقائي لنساء وفتيات من الزغاوة والفور، مقابل تجنيب نساء ينظر إليهن على أنهن عربيات في بعض الحالات، يعزز، حسب البعثة، الطابع التمييزي والتدميري للعنف.
وشددت بعثة تقصي الحقائق على الحاجة الملحة لتعزيز حماية المدنيين، خاصة مع امتداد المعارك إلى ولايات كردفان، محذرة من أن خطر وقوع مزيد من أعمال الإبادة الجماعية لا يزال قائما في ظل غياب إجراءات وقائية ومساءلة فعالة.
وقال رئيس البعثة إن محاسبة المسؤولين يجب أن تشمل جميع مستويات السلطة، مضيفا: «عندما تشير الأدلة إلى وقوع إبادة جماعية، فإن على المجتمع الدولي التزامًا متزايدًا بالمنع والحماية وضمان تحقيق العدالة».
وكان مجلس حقوق الإنسان قد قرر في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إنشاء بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في السودان للتحقيق في الانتهاكات المزعومة منذ اندلاع النزاع المسلح في 15 أبريل/ نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وأطراف أخرى.
ووصفت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، نتائج البعثة بأنها «مروعة للغاية»، مشيرة إلى أن التقرير يوثق «أهوالا رهيبة لا توصف».
وأكدت ضرورة وضع حد لتدفق الأسلحة إلى السودان، داعية إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة وضمان تنفيذه، والتحقيق في التقارير التي تتحدث عن انتهاكاته.
كما شددت على أهمية تمكين بعثة تقصي الحقائق من مواصلة عملها دون عراقيل، معتبرة أن ما تواجهه من قيود من طرفي النزاع «أمر مشين وغير مقبول»، وأن الأمم المتحدة في حاجة إلى حرية كاملة لإجراء التحقيقات وضمان المساءلة عن الفظائع المرتكبة.

دعوة للتحرك

ودعت إلى تحرك وضغط دولي لفرض وقف لإطلاق النار، وتأمين دخول المساعدات الإنسانية العاجلة، وتقديم الدعم للناجين، مضيفة أن العالم «لا يزال يخذل الشعب السوداني»، إذ كان يفترض أن تشكل الأنباء الواردة من الفاشر نقطة تحول، إلا أن أعمال العنف ما زالت مستمرة.
أما مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، فقد قال في الجلسة الأممية، إن مدنا بأكملها في السودان باتت ركاما، موضحا أن مصر وتشاد تتحملان العبء الأكبر للاجئين من السودان.
وبين أن الحرب في السودان شردت 12 مليون شخص، مؤكدا أن في السودان أفظع كارثة إنسانية في العالم.
ودعا إلى هدنة تضمن الوصول الإنساني، محذرا من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى تفكيك السودان.
وفيما شدد على أنه لا حل عسكري للنزاع في السودان، توعد المسؤولين عن الفظائع بعواقب.
وزاد: «لن نقبل بعمل شبكات الإخوان لاستعادة السلطة في السودان».
ودعا لعملية سياسية تقود إلى انتخابات ديمقراطية، قائلا: يجب أن يكون التنافس السياسي في السودان مضمونا بالشفافية.
وبين أن مستقبل السودان يجب أن يرسم معالمه المدنيون وليس الجنرالات.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية