بين فترة وأخرى، وتفريغاً لقلبي المعبأ بهموم حياة ما تصورت تحولاتها الحالية في يوم، أكتب تغريدات خاصة حول حياتي وعلاقاتي بالأحبة من حولي. قبل أسبوعين، كتبت تغريدة حب وامتنان على منصة إكس لزوجي، تغريدة أدرك أنه في الغالب لن يقرأها ولكنها تنفس عن روحي تنفيساً ليس مشاعرياً فقط، ولكن حياتياً واجتماعياً، بل وسياسياً. لا أعرف كيف أفسر هذا الشعور بالراحة والتخفف الذي تبعثه هذه النوعية من الكتابة في نفسي، كل ما أعرفه أنه إذا ارتفعت درجة الضغوطات العامة وتفاقم الصمت، نفستها جميعاً في تغريدة مشاعر مفعمة، تقول أكثر مما تفضي به الكلمات.
وهكذا كتبتُ قبل أسبوعين أقول: «اليوم قلت لابنتي أن والدها رجل رائع يستحق امرأة أفضل، فغَضِبَت لدرجة لم أتصورها، وأعطتني محاضرة نسوية طويلة. استحييت منها واستحييت أكثر أن مشاعري وفكرتي لم تتغير في الواقع، دوماً ما يلازمني هذا الشعور؛ أن الرجل الذي اختاره القدر لي كان من رضا القدر علي ومن اختبارات القدر له، رجل يستحق امرأة أفضل. لا ينبع شعوري هذا، على ما أتصور، من عقدة نقص أو من إشكالية نفسية. الموضوع كله يتمحور في تقييم حقيقي وواقعي ومحايد لشخصين أعرفهما جيداً: أنا وزوجي، دون رتوش ودون تعقيدات.
وفي تعليق لإحداهن على التغريدة كتبت غاضبة، ناقمة على تغريدتي، أن شعوري هذا نتيجة «تربية الثمانينيات» على حد تعبيرها، هذا النوع من التربية، على ما أتصوره معنى كلماتها، الذي يُنتج فتيات يشعرن بأنهن أقل من ذواتهن، وأنهن محظوظات في العثور على رجل «لائق» يعاملهن معاملة حسنة. الحقيقة التي لا بد أن أعترف بها، تفادياً للوقوع في المصيدة القديمة لدور الضحية أو المصيدة الأكثر حداثة للتحليلات النفسية المبرئة للذات واللائمة دوماً وأبداً للآخرين وللظروف الخارجية، فقد كبرت في كنف والدين أشعراني بذاتي وبقيمتي الشخصية في كل مناسبة حياتية. حقيقة، ليس لدي سبب واضح، على الأقل، أمام نفسي لأن أشعر هكذا شعور سوى تصالحي الحقيقي مع الذات.
وعليه، ومن منطلق هذا التصالح الحقيقي والصادق مع الذات، أعتقد أنني ارتبطت برجل استشعرت خصوصيته الشخصية والنفسية منذ بداية حياتنا معاً، تلمست مواقفه الصلبة ودفاعاته المستمرة عن حياتنا وعائلتنا، وعني أنا شخصياً في مواقف كان ليفر منها أي رجل، الشرقي منهم بالذات، شهدت إصراره العجيب على استمرار العلاقة وإنجاحها بسعادة لا على مضض، تحمله لكل الإزعاج الذي جلبته له في حياته، بإقحامي للعام في حياتنا الخاصة، بتأثري بكل ما هو خارجي وسماحي لهذه الظروف الخارجية أن تؤثر وتغير في حياتي الخاصة، بجَرِّي لحياتنا الخاصة إلى الحيز العام واستعراض مشاعري وأحياناً مجريات حياتي علناً، رغم ما أعرفه عنه من انكفاء على حياته ورغبته في أن تبقى بعيدة عن أي ضوء. قدَّر من البداية اختلافي عنه وتمردي على الظرف. حين يكون هناك داع للخصوصية، أفتح حياتنا على العلن، وحين تكون هناك مناسبة للإعلان أنكفئ منغلقة على روحي وحياتي. في ذلك، تحمل هو مجارياً لحظاتي الصاخبة والحزينة والمتفاعلة مع كل مجريات الحياة.
ومرة أخرى، من منطلق هذا التصالح الحقيقي والصادق مع الذات، أعترف أنه ليس لدي كإنسانة شيء مميز يجعله يتحمل ويمرر ويقدر كل ما يتحمله ويمرره ويقدره. لا أدري؛ لربما «مراية الحب عمياء» فعلياً، أو هو ثبات انفعالي عظيم لديه أو هو تقديس كبير للزوجة والأسرة التي صنع بنفسه، ما أعرفه أنه كان يحتاج ويستحق امرأة أكثر استقراراً وأقل تفاعلاً مع الأحداث، لربما أكثر جمالاً ولطفاً واهتماماً بشؤون البيت الداخلية، وما حصل عليه هو عاصفة في جسد إنسان.
إلا أن الحقيقة أن هذا ليس هو تحديداً موضوع المقال، الموضوع يتناول أحد الردود التي وردت على التغريدة والتي أعطت القصة كلها بعداً آخر. وعلى الرغم من تواضع أسلوب الكاتب والاستشكالية الأخلاقية الكبيرة الواضحة من كتاباته على حسابه في منصة إكس، فإن تعليقه أتى على محك موضوع قديم متجدد، كان لا بد لي في اللحظة، على ما شعرت، من التعامل معه. ففي عارض رده، قال هذا المعلق: «بسيطة دكتورة، اسمحي لي له بالزواج من امرأة أخرى. فالشرع حلل أربعاً، ولأنني رجل وأعرف الرجال ماذا يسعدهم، ستكون أفضل مكافأة يمكن أن تقدميها له بعد هذا العمر. افعليها وستجدين النساء الرائعات مثلك يقتدين بك».
وفي رد فعل نادر مني، كتبت ما أعتقده خارجاً عن أصول اللياقة وعن التوجه المعتاد لردودي، قلت: «أنت تعالج مشاعرك بهذه الصورة عادة؟ لما تشعر بروعتها… تعرض على شريكتك رجلاً آخر؟ الله يكون بالعون». ليس هذا الرد بلائق حقيقة، إلا أنه فرض نفسه في مواجهة شخص أعتقد أن الشرف والكرامة، ومفهوم العرض والسمعة، ومشاعر الغيرة ووجع الخيانة كلها حكر على الرجال دون النساء، لربما في انعكاس لطريقة تفكير «ذكور» العالم العربي. فبغض النظر عن المانع الديني والتقاليدي المجتمعي، حقيقة الأمر أن الشعور والمعاناة النفسية في النهاية متشابهان. الشعور بالخديعة والمساس بالشرف والعرض والكرامة وانتشار الفضيحة ودخول طرف آخر في العلاقة على مرأى الناس ومسمع منهم.. كلها مشاعر وتجارب نفسية مشتركة ومتشابهة للرجال والنساء بغض النظر عن القبول المجتمعي والديني لها. فالمرأة التي تقتحم حياتها وتدخل بيتها امرأة أخرى مثلها تماماً مثل الرجل الذي يقتحم حياته ويدخل بيته رجل آخر، يعتمل في جوفها ذات الغضب والشعور بالمهانة والمساس بالشرف والعرض، ينكسر قلبها بذات الوجع، وتدور في رأسها ذات الأفكار حول الفضيحة وكلام الناس وحول مظهرها الاجتماعي في حيزها النسائي، لا فرق في المشاعر والتفاعلات النفسية والاجتماعية سوى في عقول «الذكور» من الرجال.
والحقيقة أنني أعملت لوماً لنفسي على جملة كهذه، إلا أن استحقاقها غلبني، فبما أن المعلق طلب مني أن أعرض امرأة على شريك حياتي، فمن العدالة، ولو كانت هذه العدالة مؤلمة، أن أستفسر منه عما إذا كان هو يمارس الفعل ذاته؛ يعرض رجلاً على شريكة حياته. إن أذى جملة كهذه، وحجم مساسها بالشرف والسمعة والكرامة ودرجة تأثيرها على الروح والحياة أمر واحدة عند الجنسين، إنما هو هذا المجتمع الذكوري الذي يجعل من وجع المرأة وضعاً طبيعياً مقبولاً، ومن وجع الرجل موضوع ثأر وكرامة تراق له الدماء. ليس في مكاني ولا في حسابي، وكما تدين تدان.