غضب عارم للمؤرخ بنجامين ستورا من الإعلام الفرنسي و”تجنبه الحديث عن جرائم الاستعمار في الجزائر” ـ (فيديو)

حجم الخط
0

الجزائرـ “القدس العربي”:

أثار موقف المؤرخ الفرنسي ذي الأصول الجزائرية بنجامين ستورا، تفاعلا واسعا في الجزائر، بعد أن ظهر في قمة الغضب في برنامج على قناة عمومية فرنسية، وهو يوبّخ الإعلام على توجيه النقاش نحو قضايا المؤثرين والحوادث في علاقة البلدين وإغفال الجانب الأليم من التاريخ الاستعماري.

وعلى غير عادته، بدا ستورا مستفَزًّا للغاية عند سؤاله في قناة “فرانس أنفو” عن قضية المؤثر المعروف بـ”أمير ديزاد” الذي صرّح قبل أشهر بتعرضه لمحاولة اختطاف على الأراضي الفرنسية، متهما السلطات الجزائرية بذلك، وهو الأمر الذي نفته في حينه الخارجية الجزائرية بشدة، وأدى لاحقا لتدهور شديد في العلاقات انتهى بسحب فرنسا لسفيرها من الجزائر، في سابقة في تاريخ البلدين.

وقال المؤرخ وهو يستشيط غضبا، إنه فوجئ بطرح موضوع “مؤثر”، على حد وصفه، رغم أنه دُعي للحديث عن قضايا التاريخ المشترك، مضيفا بنبرة صوت عالية: “لست هنا للحديث عن مؤثر”. وأكد أن الدعوة التي تلقاها كانت لمناقشة “العلاقات التاريخية بين فرنسا والجزائر، والصدمات، والذاكرات المتنازعة، وسبل المصالحة”.

وشدد ستورا على أن ما وصفها بـ”القضايا الكبرى” أولى بالنقاش في الإعلام الفرنسي، على غرار مئات الآلاف من الضحايا الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية، والتجارب النووية، وملف المفقودين خلال معركة الجزائر.

وما أفاض الكأس بالنسبة لستورا، أنها المرة الثانية التي يستضاف فيها على قناة تابعة لنفس شبكة “فرانس تليفزيون”، ثم يتحول النقاش إلى مواضيع أخرى غير التاريخ. ويشير المؤرخ هنا إلى برنامج “تكملة للتحقيق” الذي عرض قبل أسابيع، قائلا: “تم دعوتي وأمضيت ساعات نتحدث عن جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في متحف الإنسان (في باريس) وهو موضوع جاد، لكني وجدت في النهاية حديثا لمدة 20 دقيقة عن أمير ديزاد وبعض اللحظات من حوار لأكثر من ساعة”.

واعتبر ستورا أن دعوته للحديث عن “مؤثر” بعد خمسين سنة من البحث في تاريخ الاستعمار تمثل “نوعا من الإهانة”، مؤكدا أن اختزال العلاقة الثنائية في هذا المستوى يهمش الملفات الجوهرية المرتبطة بالذاكرة الاستعمارية.

وفي الجزائر، انتشر بشكل لافت المقطع الذي يتحدث فيه ستورا بغضب، مع تعليقات تنتقد هذه الطريقة في تناول الجزائر من قبل الإعلام الفرنسي.

وفي هذا السياق، كتب الباحث في الهجرة فيصل أزرادن تعليقا أكد فيه أن ستورا “جاء للحديث عن التاريخ، لكن تمت مساءلته عن مؤثر”، مشيرا إلى أن الدعوة – بحسب ما قاله المؤرخ – كانت لمناقشة العلاقات الجزائرية-الفرنسية وسبل المصالحة بين البلدين، من خلال التطرق إلى حقائق المعارك أثناء حرب التحرير، وملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، وقضايا الذاكرة العالقة، “وليس الحديث عن مؤثر في وسائل التواصل الاجتماعي”.

وأضاف أزرادن أن الطريقة التي أُدير بها الحوار تعكس – حسب رأيه – منهجية تعتمدها بعض القنوات الفرنسية في تناولها للعلاقة بين الجزائر وفرنسا، من خلال استضافة مختصين في التاريخ ثم طرح أسئلة بعيدة عن جوهر الملفات التاريخية الحساسة، معتبرا أن مثل هذا الطرح قد يساهم في تأزيم الأوضاع بدل تهدئتها.

كما امتدح معلقون موقف ستورا، معتبرين أن غضبه كان “مشروعا” في ظل طبيعة الدعوة التي وُجهت إليه للحديث عن ملفات الذاكرة والعلاقات الجزائرية-الفرنسية، قبل أن يُفاجأ بأسئلة بعيدة عن الإطار المتفق عليه.

وأثار عدد من المتابعين تساؤلات بشأن خلفيات تركيز بعض وسائل الإعلام العمومي الفرنسي، على غرار فرانس أنفو على هذه القضية في الفترة الأخيرة، بدل إعطاء الأولوية – بحسب تعليقاتهم – للملفات التاريخية العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها قضايا الاستعمار والذاكرة والتجارب النووية.

وفي كانون الثاني/جانفي الماضي، كانت قناة “فرانس 2” قد بثت، حلقة من برنامجها التحقيقي “تكملة التحقيق” بعنوان: “الشائعات والضربات الملتوية: الحرب السرية بين فرنسا والجزائر”، تناولت ما سمته أوجها متعددة لـ“حرب سرية” بين البلدين، من بينها قضايا تتعلق بمؤثرين جزائريين، وادعاءات بشأن تجسس على معارضين في فرنسا، وشبهات حول ضغوط تمارسها أجهزة استخبارات جزائرية على منتخبين محليين من أصول جزائرية. وظهر السفير الفرنسي في الجزائر الموجود حاليا في باريس ستيفان روماتي في الوثائقي وهو يتحدث عن الأزمة، كما تم تصويره وهو يجري لقاء عن بعد مع طاقم سفارته في الجزائر، مع حديث يتناول الشأن الداخلي الجزائري.

وبعد بث الوثائقي، أبدت شخصيات فرنسية استنكارها لمضمونه بينها سيغولان روايال، رئيسة جمعية فرنسا – الجزائر التي أكدت في حوار مع التلفزيون الجزائري، أنها رفضت الظهور في البرنامج رغم توجيه دعوة رسمية لها، مشددة على أن سبب الرفض يعود إلى الطابع المسيء والموجّه سياسيا لمضمون الوثائقي، على حد قولها.

وأوضحت المرشحة الرئاسية السابقة أنها كانت مبرمجة للظهور في فقرة “الكراسي الحمراء” في نهاية الروبورتاج، غير أنها، وبحكم حساسية الموضوع، طلبت الاطلاع على الفيلم كاملا قبل بثه، وهو ما قادها إلى اتخاذ قرار نهائي بعدم المشاركة.

وقالت روايال بوضوح: “عندما شاهدت الفيلم، قلت إنه لا يمكنني المشاركة ولا يمكنني أن أضفي شرعية على عمل يسيء كليا إلى الجزائر”، مضيفة أنها لا يمكنها المساهمة في رفع نسب مشاهدة عمل إعلامي موجه، خاصة وأن اسمها، كما قالت، “يجذب الجمهور”. وأكدت أنها عبّرت عن موقفها كتابيا لمسؤولي القناة الفرنسية، معتبرة أن ما ورد في التقرير “غير مقبول تماما”.

وبلهجة نقدية لاذعة، تساءلت رئيسة جمعية فرنسا – الجزائر: “تصوروا لو أن التلفزيون العمومي الجزائري أنجز تقريرا مماثلا عن الرئيس إيمانويل ماكرون، كيف سيكون رد فعل فرنسا؟”، مضيفة أن العمل الإعلامي المعني يفتقد لأي بعد مهني، ولا يحترم قواعد التوازن والتحقق.

وفي الجزائر، أُثار الوثائقي موجة استنكار رسمية وإعلامية واسعة. وأكدت قناة الجزائر الدولية، المملوكة للحكومة، أن السفير الفرنسي في الجزائر بات “غير مرغوب فيه”، بعد مشاركته في الوثائقي الذي اعتُبر مسيئا لرموز الدولة. وشددت القناة على أن تصرفات السفير الفرنسي “لا تشرف تقاليد الدبلوماسية”، وأن ما أقدمت عليه السلطات الفرنسية مرفوض شكلا ومضمونا.

ورغم عدم صدور تأكيد رسمي فوري، إلا أن ما أوردته القناة يأتي في نفس سياق بيان الخارجية الجزائرية، الصادر عقب بث الوثائقي، والذي أكد أن الجزائر “تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات التي تقتضيها خطورة مثل هذه التصرفات”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية