أرامل الإبادة يخبزن المعمول لإعالة أطفالهن في غزة

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة – «القدس العربي»: لم تكن مريم النجار (34 عامًا)، تتخيل يومًا أن تتحول مهارة بيتية بسيطة تعلمتها في مطبخ أمها، إلى طوق نجاة تتشبث به في مواجهة الفقد والجوع.
في العام الأول للإبادة، نزحت مريم من شمال قطاع غزة إلى مواصي خان يونس، حاملةً معها أطفالها وذاكرةً مثقلةً بصورة زوجها الذي استشهد خلال الحرب، وتركها وحيدة في مواجهة واقع لا يرحم. تقول مريم إن اللحظة الأصعب لم تكن لحظة تلقي خبر الاستشهاد، بل صباحات ما بعده، حين استيقظت لتدرك أن مسؤولية الحياة بأكملها باتت على عاتقها.
عجين الفقد
في سوق خان يونس، وبين أدوات بسيطة وفرن بالكاد يعمل، بدأت مريم مع عدد من النساء الأرامل إعادة إحياء وصفات المعمول والمعجنات التي كانت يومًا جزءًا من طقوس الفرح. تروي مريم لـ«القدس العربي»: «بعد فقدنا لأزواجنا واستشهادهم، وجدنا أن بيوتنا بحاجة ماسّة إلى دعم مادي لكي نتمكن من الاستمرار في هذه الحياة القاسية. وبما أننا نمتلك خبرة في صناعة المعجنات والمعمول المتميز، فقد أردنا استغلال هذه المهارة وإطلاق هذا المشروع الصغير، لتأمين لقمة العيش لنا ولأطفالنا في ظل هذه الظروف العصيبة».
لم يكن القرار سهلًا، فكل قطعة معمول كانت تُعجن بذاكرة الفقد، وكل صينية تدخل الفرن كانت تحمل قلق الغد. ومع اقتراب شهر رمضان، ثم عيد الفطر، شعرت مريم أن الوقت يضغط عليها أكثر، فالموسم يحمل فرصة للبيع، لكنه في الوقت نفسه يفرض سباقًا مع الغلاء ونقص المواد الخام. ومع ذلك، وجدت في العمل الجماعي مع نساء يشبهنها قوةً إضافية، كأن العجين صار مساحة للبكاء الصامت والمقاومة اليومية.
لقمة نجاة
تأتي تجربة مريم ورفيقاتها في سياق أوسع فرضته الحرب على آلاف النساء في قطاع غزة. فبعد مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة، تشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن أكثر من 16 ألف امرأة فقدن أزواجهن، وتحولن قسرًا إلى المعيلات الوحيدات لأسرهن. ومع ارتفاع نسبة الأسر التي تقودها نساء إلى نحو 14.5 في المئة من إجمالي عائلات القطاع، لم يعد العمل خيارًا، بل ضرورة وجودية في مواجهة واقع اقتصادي منهار.
في هذا المشهد، برزت صناعة المعمول والمعجنات كأحد أشكال «الاقتصاد الممكن»، لا لأنها مربحة، بل لأنها الأقل كلفة والأقرب إلى مهارات النساء. ومع حلول شهر رمضان، ولاحقا عيد الفطر، يزداد الطلب على هذه المنتجات، لتتحول المواسم الدينية إلى نافذة أمل ضيقة، تحاول النساء من خلالها تأمين احتياجات أساسية لأطفالهن، ولو بالحد الأدنى.
غير أن هذا العمل لا ينفصل عن واقع الفقر العميق الذي يعيشه القطاع؛ إذ يعيش أكثر من 81 في المئة من سكان غزة حاليًا تحت خط الفقر الوطني. وبينما تبدو المعجنات للوهلة الأولى رمزًا للعيد والفرح، فإنها في غزة اليوم تُنتجُ تحت ضغط الجوع، وتُباع لتأمين ثمن الطحين والغاز، لا للاحتفال.
فرن الحصار
تصف هدى المصري، الأربعينية النازحة من بيت حانون والمقيمة حاليًا في مواصي خان يونس، بدايات المشروع بأنها كانت أقرب إلى المغامرة المستحيلة. تقول: «لقد واجهنا صعوبة بالغة في توفير مستلزمات المشروع من فرن وأدوات، نظراً لعدم توفرها بسبب إغلاق المعابر، فضلاً عن الغلاء الفاحش في الأسعار». لم يكن العثور على فرن أمراً بسيطاً، في ظل انقطاع الكهرباء وشح الوقود وارتفاع أسعار كل شيء.
تضيف هدى لـ«القدس العربي» أن الفريق بدأ من الصفر تمامًا، واستغرق قرابة شهر كامل لتجهيز المكان وحجز فرن وتدبير طاولات العمل. «كانت الأسعار مرتفعة جداً، كما عانينا الأمرّين للحصول على المواد الخام، لا سيما وأننا بدأنا الشراء بعد فترة المجاعة، حينما اختفت معظم البضائع من الأسواق وارتفعت أثمانها بشكل جنوني»، توضح هدى، مشيرة إلى أن أي خلل بسيط في التوريد كان كفيلًا بتعطيل العمل بالكامل.
وتتجاوز معاناة هدى وزميلاتها حدود التجهيز، لتصل إلى مشقة العمل ذاته. فخلف دخان الأفران الطينية ولهيب الحطب، تخوض النساء معركة يومية لا تقل ضراوة عن الحرب. ووفق تقارير ميدانية لعامي 2025-2026، توقفت 95 في المئة من المنشآت الاقتصادية الصغيرة، ما دفع النساء للاعتماد على «الاقتصاد غير الرسمي» داخل المخيمات، حيث تُفرض عليهن أسعار خيالية للمواد الخام، وصل سعر العجوة في بعض الفترات إلى أكثر من 130 شيكلًا، ما يجعل هامش الربح شبه معدوم.
معمول البقاء
على بسطة صغيرة في دير البلح، تعمل أم أحمد، وهي أرملة في منتصف الثلاثينيات فقدت زوجها وأحد أشقائها في قصف على منزلهم، على تجهيز طلبيات صغيرة من المعمول. لم تكن تخطط للعمل في هذا المجال، لكنها وجدت نفسها مضطرة للانضمام إلى المشروع بعدما نفدت المدخرات وتوقفت المساعدات. تقول إن أصعب ما في الأمر ليس العمل لساعات طويلة، بل القلق الدائم من عدم القدرة على بيع الإنتاج.
توضح أم أحمد لـ«القدس العربي» أن العمل في صناعة المعجنات داخل الخيام يفتقر إلى أي استقرار. فالدخل غير ثابت، والطلب مرتبط بالمواسم، والأسعار تتغير يوميًا. ومع ذلك، تصر على الاستمرار، لأن البديل هو العجز الكامل. «نحن لا نصنع المعمول للترف، بل لنشتري المواد الخام، وندبر قوت يومنا بالكاد»، توضح بصوت خافت، مشيرة إلى أن أطفالها باتوا يشاركونها أحيانًا في التشكيل والتغليف.
تأتي شهادة أم أحمد في وقت تؤكد فيه بيانات مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية «أوتشا» مطلع عام 2026 أن 96 في المئة من العائلات التي تعيلها نساء في غزة تعاني من انعدام أمن غذائي حاد. في هذا السياق، لا تبدو صناعة المعجنات مجرد مهنة، بل فعل مقاومة للبقاء، ومحاولة لتأمين الحد الأدنى من السعرات الحرارية للأطفال، في ظل غياب أي شبكة أمان حقيقية.
فرحة منقوصة
ومع حلول شهر رمضان، تتسارع وتيرة العمل داخل هذه المشاريع النسائية، لكن الفرح يظل منقوصًا. يقول أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، إن المعمول الذي يُعتبر تقليدياً رمزاً للعيد، بات في غزة شاهدًا على تحولات قاسية فرضتها الإبادة. وبينما تتمنى النساء أن يتمكنّ من الاحتفاظ بجزء من إنتاجهن لأطفالهن، يضطررن غالبًا لبيعه بالكامل لتغطية احتياجات أكثر إلحاحاً.
ورغم الجهود المضنية، يظل الدخل الناتج عن هذه المهن اليدوية غير مستقر، ولا يكفي لتأمين حياة كريمة. هنا، تبرز المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي، الذي يكتفي غالباً ببيانات القلق، بينما تواصل آلاف النساء مواجهة الحصار والجوع بـ«العجن» وقوة الإرادة، يوضح الشوا خلال حديثه لـ«القدس العربي»، مختتمًا حديثة بكلمات تعكس هذا الواقع: «في غزة، لم تعد الأفران مجرد أدوات للطهي، بل صارت مساحات للصمود، تعجن فيها النساء الفقد بالأمل، وتخبزن الحياة من قلب الركام».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية