عمان- «القدس العربي»: لا تزال «غامضة» تلك الأسباب التي تدفع الراصد المختص في المشهد البرلماني الأردني الدكتور عامر بني عامر، إلى الإعلان عن توقعاته بالمزيد من القضايا التي ستناقشها سلطات القضاء بحق العديد من أعضاء البرلمان.
لكن الغموض طبعا «قد يتبدد» لاحقاً؛ لأن بني عامر أقرب إلى بنية معلومات رسمية وبرلمانية مباشرة.
بني عامر، وهو باحث مدني مختص بمراقبة أداء مجلس النواب، ظهر على فضائية رؤيا التلفزيونية المحلية متحدثاً عن مشاهدة أعضاء برلمان إضافيين «عددهم لا يستهان به» بين يدي القضاء قريباً وبعد انتهاء الدورة العادية الحالية.
في التفصيل، أشار بني عامر لجزئيتين: الأولى قضية تخضع الآن للتحقيق القضائي بتهمة «غسيل الأموال»، والأخرى نزاعات مالية، والطرف المشتكي عليه فيها هم نواب.
المقصود هنا بجزئية التقاضي بتهمة غسيل الأموال بصورة مرجحة أحد أعضاء كتلة جبهة العمل الإسلامي المعارضة، الذي سبق أن استدعي إلى النيابة في تحقيقات قضائية مرتبطة بجمع التبرعات والأموال تحت عنوان دعم قطاع غزة، حيث قضية تديرها حالياً الجهات القضائية، ويحاكم فيها عدة نشطاء بينهم نائب إسلامي.
لاحقاً، ثمة نائب تقام حالياً ضده دعوى تشهير وذم وقدح، وآخرون ينتظر القضاء انتهاء الدورة لاستدعائهم بسبب نزاعات ذات طابع مالي.
الغمزة السياسية الكبرى من بني عامر وبدون تفاصيل، هي تلك التي تشير إلى أن العدد معقول ولا يمكن الاستهانة به، وهذا التنميط ظهر بعد «سابقة» حرمان النائب السابق الشاب محمد جراح، من مقعده البرلماني بـ «قرار للقضاء العالي».
والإيحاء سياسياً أوضح، وهو إشارة متقدمة إلى أن القضاء قد يغير الوضع مستقبلاً بخصوص «عدة مقاعد برلمانية». وبعض النواب في الواقع سيواجهون مصيراً مماثلاً لمصير النائب الجراح.
عدد النواب المطلوب رفع حصانتهم لأغراض قضائية غير معروف رسمياً بعد، لكن مصدراً مطلعاً يبلغ «القدس العربي» بأن نحو 7 مذكرات لرفع الحصانة وصلت للأمانة العامة لمجلس النواب حسب الأصول الدستورية خلال الدورة الحالية التي تنتهي مع نهاية الربيع المقبل.
النية واضحة سياسياً في زاوية الاشتباك، وتوحي بأن السلطة التشريعية ليست مستعجلة في عرض مذكرات رفع الحصانة عن النواب قبل انتهاء الدورة الحالية، والسلطة القضائية تستطيع التصرف واستدعاء النواب كمواطنين عاديين بعد انتهاء الدورة العادية.
التوجه المقرر بخصوص مذكرات رفع الحصانة، وهي مذكرات قابلة للزيادة في الواقع، يقضي بعدم وجود «مبرر» للتصويت على رفع الحصانة الآن، ويمكن الانتظار لانتهاء الدورة، حيث ترفع الحصانة دستورياً عن جميع الأعضاء تلقائياً.
سابقة الجراح تثبت أن سلطات القضاء المستقل يمكنها في سياق الظروف الدستورية والقانونية إعلان شغور مقاعد النواب الذين يمكن إدانتهم أو الذين فصلتهم أحزابهم.
وهذا يعني أن المشهد قابل للتكرار، وأن العديد من النواب لديهم قضايا بعضها في نزاعات مالية شخصية والقليل منها «سياسية». الاستدعاء بحد ذاته للمثول لدى النيابة وسلطات المحاكم لا يعني الإدانة بأي تهمة، وقد يكون المطلوب التقدم بإفادة، لكن الحصانة التي يتمتع بها النائب أثناء انعقاد الدورة البرلمانية تحظر على بقية السلطات استدعاءه لأي سبب.
التلميحات، في القياس والمقاربة، أن طبيعة وتركيبة مجلس النواب الحالي قد تتحول إلى عبء على الدولة إذا تكررت الأخطاء والثغرات التي تدفع باتجاه «تدخل سلطة أخرى»، هي القضائية، لتصويب أوضاع قانونية.
وتلك عملياً «سوابق» تضعف شرعية مجلس النواب الحالي، وتؤثر في حضوره السياسي والوطني بصيغة تدفع باتجاه المقترحات التي سبق قبل أسابيع أن نوقشت ووضعت على رأس طاولة التفحص وبعنوان سيناريو انتخابات مبكرة وحل مجلس النواب الحالي.
ذلك خيار يبقى في سياق المؤسسات المرجعية والسيادية في كل حال، لكنه مطروح. والحديث عن نواب وسطيين ونائب معارض مرشحين للمحاكمة ويمكن خضوعهم لكل الاحتمالات بعد «تحقيق قضائي» هو حالة متقدمة في المدلول السياسي أعقبت التجاذبات الدستورية الحادة التي تصدرت بعد سابقة شغور مقعد الجراح، وتسمية حمزة طوباسي بديلاً له من جهة هيئة الانتخابات، قبل دخول المشهد في نقاشات حادة مع حزب العمال الوسطي الذي أعلن عن أحقية الأمين العام للحزب الدكتورة رولا الحروب بالمقعد الشاغر.
هنا حصراً بدأت الحروب -وهي برلمانية سابقة وإعلامية مسيسة ومعروفة- بإدارة حملة شرسة في اتجاه الدفاع عما تراه بأنه حق لها باعتبارها المرشح رقم ثلاثة المعتمد في قائمة حزب العمال.
واضح تماماً أن المواجهة الإعلامية والدستورية والقانونية مع الحروب قد تكون طويلة الأمد قليلاً، وفيها الكثير من المطبات القانونية والدستورية ذات العلاقة بتفسيرات متعاكسة لنصوص قانون الانتخاب، والدليل على ذلك أن بعض المنتجات الإعلامية بدأت تتكاثر في إظهار الدكتورة الحروب وهي تعاكس ذاتها في العديد من التصريحات.
في الخلاصة، ما حصل مع المقعد الذي شغر بخروج الجراح من البرلمان وما ألمح له بني عامر بخصوص مذكرات رفع الحصانة، هي عناصر إضافية في مشهد برلماني زادت جرعة التوتر بخصوصه، دون معرفة المحطة القادمة وهويتها.