أخيرًا عاد لمصر منصب وزير الإعلام في التشكيل الحكومي الأخير، فقد كانت البلاد حبلى بنجمه! وحتى كتابة هذه السطور، ورغم مرور عدة أيام على عودته الميمونة، لا نعرف إن كان العائد هو منصب وزير الإعلام، أم وزير الدولة للإعلام، والأول وزارة مكتملة الأركان، والثاني وزير بلا وزارة، مثل كاتب بلا جريدة، وموسيقار بدون آلة. وذات يوم وجدت كهلا يكلم نفسه، فوقفت لأعرف حكايته، فوجدته يشكو من أنه كان عائدًا من عمله في حافلة، ويجلس بجوار النافذة يحمل آلته الموسيقية، فإذا بشقي يخطفها ويختفي، ليوقف حاله، ربما دون أن يستفيد من فعلته!
منذ البداية، تنشر الصحف والمواقع والقنوات التلفزيونية أن ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، بينما هو لم يمل من التصريح بأنه وزير إعلام، حتى بعد القسم، وبعد تمرير البرلمان لتشكيل الحكومة. وفي صفحة مجلس الوزراء، وجدت التشكيل بالصور، وتحت صورة صاحبنا كتب «للإعلام»، بدون توضيح!
ووجدت لزامًا عليَّ اللجوء للذكاء الاصطناعي، عكاز الأعمى، وكان هذا قرب صلاة المغرب، حسب التوقيت المحلي لمدينة الدوحة، وفي يوم الخميس 24 شعبان 1447 هـ، الموافق 12 فبراير/شباط 2026 م، وبعد أيام من الإعلام الرسمي، وأداء اليمين، ونحو ذلك!
تخاريف الذكاء الاصطناعي بين الشرع ورشوان
سألت الذكاء الاصطناعي إن كان ضياء رشوان، هو وزير الإعلام في تشكيل الحكومة المصرية الجديدة، أم وزير الدولة للإعلام؟ فهالني رده عندما قال: «لا ده ولا ده»، فما زال رشوان يشغل منصبًا إعلاميًا وسياسيًا خارج التشكيل الوزاري الجديد، هو رئيس هيئة الاستعلامات، حيث لا توجد وزارة باسم وزارة الإعلام، أو وزارة الدولة للإعلام، ولم يتم استحداثها في آخر تشكيل وزاري، ولا يوجد وزير إعلام أو وزير دولة للإعلام في التشكيل الأخير.
وعمومًا، فبيني وبين الذكاء الاصطناعي صولات وجولات جعلته يقر بغبائه، وقد ظللت فترة طويلة أسأله عن اسم الرئيس السوري، فيجيب: بشار الأسد. فأسأله عن أحمد الشرع؟ فيجيب: إنك تقصد فاروق الشرع، ويعدد معلوماته عنه، حتى إذا أكدت عليه أن أحمد الشرع هو الرئيس السوري، وعدت بعد أيام لأسأله: من الرئيس السوري؟ فيقول: أحمد الشرع كما تقول أنت. وأنت؟ فيصر على موقفه بأنه بشار الأسد، ولا يوجد شخص اسمه أحمد الشرع، وإنما يوجد فاروق الشرع، ثم يغرقني بمعلومات كثيرة عن الأخير وأصله وفصله!
ولا تثريب على الذكاء الاصطناعي إن كان في حكم عبد المعين، الذي طلبت منه أن يعينني على الإجابة عن سؤال الوضع الدستوري لضياء رشوان، فقال: رئيس هيئة الاستعلامات «منصبه السابق»!
قيمة المنصب من قيمة شاغله
هناك من قال لي إنهم نادوه أثناء القسم أمام رئيس الجمهورية: وزير الدولة للإعلام، لكنه لا يزال يعلن أنه وزير إعلام. وليس هذا مهمًا، فالبُشرى أن الموقع عاد، كامل الدسم أو منزوع الدسم لا يهم، فالأمر يتوقف على شخصية شاغل المنصب. وقد عرفت مصر منصب وزير بدون وزارة كان أقوى من رئيس الحكومة، فوزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء في حكومة كمال الجنزوري الأولى، كان يتعامل مع الوزراء على أنهم عمالة زائدة في منزله، وكان يسيء معاملتهم، ونشب نزاع لم يحسم بينه وبين وزير الإعلام صفوت الشريف حول من صاحب السلطة في التحدث للإعلاميين باسم الحكومة بعد انتهاء اجتماع مجلس الوزراء، مع أن صفوت الشريف كان من مراكز القوى!
كما أن كمال الشاذلي كان في الحزب الحاكم مجرد أمين تنظيم، لا رئيس الحزب ولا الأمين العام، لكنه جعل لهذا المنصب المتواضع قيمة، وعاصرت كيف كانت المنافسة داخل أحزاب المعارضة على هذا المنصب الذي نفخ فيه الشاذلي من سطوته، وهو الذي عين لفترة وزير دولة، مجرد وزير دولة، لشؤون البرلمان، فكان هو الكل في الكل!
إفشال وزير الإعلام
ولا أخفي أنني، وإزاء إصرار ضياء رشوان على أنه وزير إعلام، وإصرار وسائل الإعلام المصرية على أنه وزير دولة، اعتقدت أن المعركة بدأت مبكرًا مع الأوضاع المستقرة في المجال، وأن الذين يديرون هذا الملف، سواء في العلن أو من رجال الظل، قد يعملون على إفشاله تمهيدًا للتخلص منه!
تمامًا كما حدث مع وزير الدولة السابق لشؤون الإعلام أسامة هيكل، الذي جاء من خارج الدائرة، رغم كونه شغل منصب وزير الإعلام لفترة وجيزة بعد الثورة في ظل حكم المجلس العسكري، وعين في المرة الأخيرة في إطار الدولة التي تدير ملف الإعلام في السر والعلن بهدف التخلص من مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام، لأنه كان خارج سيطرتهم!
وإذ فجأة، يا مؤمن، تنطلق الأصوات من برامج «التوك شو» كافة تؤكد أن مصر تحتاج إلى وزير إعلام، وأن غياب المنصب تسبب في كوارث، وبدأ الأمر كما لو كان رأيًا عامًا، وعين هيكل. فلما تم التخلص من مكرم محمد أحمد في مؤامرة يطول شرحها، مات الرجل بسببها كمدًا، تم حصار الوزير، فلم يجد قناة تستضيفه، أو صحيفة تحاوره، أو منبرًا ينشر فيه مقالاته سوى فيسبوك، وكانت جريمته الكبرى أنه تجرأ وتحدث عن فشل المنظومة الإعلامية!
وفي الاطلاع على السوابق التاريخية في الحكم المصري، فإن بعض الملفات يكون نفوذ مراكز القوى فيها أكبر من نفوذ الرئيس لانشغالاته الأخرى، وعدم تركيزه في التفاصيل، وأصبح أسامة هيكل في خبر كان، بعد الحملة المضادة التي عنوانها: مصر لا تحتاج إلى وزير إعلام!
محام الحكومة أم وزير إعلام
ومع هذه التجربة القاسية، وتنازع الاختصاص بين المؤسسات الرسمية ومؤسسات النفوذ الأخرى، عادت الوزارة التي عرفتها مصر بعد ثورة يوليو/تموز 1952، بمسميات مختلفة، من وزارة الإرشاد القومي إلى وزارة الثقافة والإرشاد القومي، إلى وزارة الإعلام سنة. لكن هذه العودة تأتي في ظل ثلاث مؤسسات تم النص دستوريًا عليهما، هي المسؤولة عن كامل المشهد الإعلامي!
الأمر الذي دفع البعض للقول إن عودة وزارة الإعلام تعد مخالفة دستورية، وهذا غير صحيح، فالدستور لم ينص على إلغاء المنصب، وإن كانت العودة تحتاج إلى النص على اختصاصات للوزير، كان ينبغي أن تصدر مع قرار العودة، حتى لا يشعر الوزير بالفراغ القاتل، فيتصرف على النحو الذي تصرف به ضياء رشوان عقب أول اجتماع لمجلس الوزراء، إذ عقد مؤتمرًا صحافيًا، وكان يجلس آخر بجانبه لم أتمكن من التعرف عليه، وهناك تحول إلى محام للحكومة وليس وزيرًا، وأسرف في القيام بهذا الدور!
فانبرى في الدفاع عن وزيرة الثقافة ووزيرة الإسكان. والأولى مدانة بحكم قضائي بالسطو على كتاب لصحافية في جريدة «الأهرام» سهير عبد الحميد، وبعد أن ثبتت التهمة بحكم قضائي قضى للصحافية في مئة ألف جنيه تعويضًا، وأمر بمصادرة الكتاب، جاء رشوان ليقول إن القضية أمام النقض، وأن النيابة سترد الاعتبار للوزيرة. كيف جاء بالخبر من الكنترول، والأمر لم يعد في يد النيابة بعد أن بسط القضاء عليه ولايته؟!
اختيار غير موفق لجيهان زكي، وزيرة للثقافة، بعد أسابيع قليلة من إعادة تعيينها عضواً في البرلمان، وكان لا بد لصاحب القرار أن ينأى عن الشبهات انتظارًا لحكم النقض، وهي ليست محكمة موضوع، فلا تنظر في موضوع الدعوى، ولكن نظرها يتوقف على إن كان الحكم قد شابه فساد في الاستدلال، أو قصور في التسبيب، أو إهدار لحق الدفاع.
والأمر بسيط للغاية، فاللجنة المشكلة من جانب المحكمة أثبتت أن كتاب الوزيرة احتوى على 50 في المئة منه من كتاب الصحافية، عدا تعديل لبعض الكلمات، وإذا كان حكم الإدانة في حوزتي، فقد وددت أن تطلعنا الوزيرة على مذكرة النقض!
وقد تطوع وزير الدولة للإعلام للدفاع عن وزيرة الإسكان، التي كانت في السابق قد أحيلت للنيابة في قضية مال عام، وردت لخزانة الدولة أكثر من مليون جنيه، وقال إنها ارتكبت ذلك بالخطأ. فاته أن التصالح مع النيابة لا يعني براءة الذمة المالية، وهو إن كان يعني أن تنطلق في الحياة، فلا يجوز استمرارها موظفة في دولاب الدولة، ثم تختار وزيرة، ليجد ضياء رشوان نفسه بلا عمل فيتطوع بالدفاع عنها!
كنت أتمنى أن يكون أول عمل لوزير الدولة للإعلام الجديد إعلان مشروعه واختصاصه، واللافت أن كل القرارات القديمة الخاصة بإنشاء وزارة الإعلام كانت تصدر باختصاصات الوزير، حتى دون وجود المؤسسات المنافسة هذه، والاختصاص هو التحدي الكبير، فضلاً عن الرغبة في ممارسته.
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
صحافي من مصر