دونالد ترامب وسياسة «الاغتصاب»

تم نشر ثلاثة ملايين وثيقة تقريباً حتى الآن من ملفات جيفري إبستين، عميل الموساد الإسرائيلي ذائع الصيت، ومن بين هذه الوثائق وثيقة تزعم بأن ترامب قبل أن يتولى الرئاسه الأمريكية، اغتصب فتاة قاصراً كان عمرها ثلاثة عشر عاماً ـ حسبما ورد في الأخبار الصحافية. ورغم أن هذه التهمة تحتاج إلى أدلّة وبينات طبقاً للقوانين الأمريكية ذات العلاقة، أي أن التهمة ما زالت في الفضاء العام ولم تصل إلى مرحلة الإدانة القضائية، الاّ أن رجال القانون، يعرفون ما يسمى بـ»القرائن الظرفية»، وهي ظروف تحيط بوقوع الجريمة، ولكن لا تدلل هذه الظروف على وقوع الجريمة على نحو قاطع، إنما يستطيع المحقق الذكي، أن يجمع هذه الظروف ويستخلص منها أن جريمة وقعت، دون أن تتوفر لديه بيّنة قاطعة على وقوعها.
إن القرائن الظرفية والسلوك العام للرئيس دونالد ترامب، وطريقة إدارته للعلاقات الدولية تغلب عليها صفة «الاغتصاب»، والاغتصاب في هذه الحالة يكون تعبيراً عن حب السيطرة والقمع والاضطهاد.
أولى معالم هذا السلوك الفاحش، التي تؤسس لقرينة الاغتصاب، جاءت مع محرقة غزة، ذلك أن دونالد ترامب لم ير من خلال النيران والهدم والقتل، الذي كان يعانيه أهلنا في غزة إلاّ ترحيل هؤلاء البؤساء من أهل غزة إلى الأردن ومصر، وبناء ريفييرا على شاطئ غزة، لتكون استثماراً عقارياً ناجعاً. لم ينطق بكلمة تعبّر عن مشاعر إنسانية، علماً أن ما كان يجري من دمار، كان مفجعاً للرأي العام العالمي. إن هذ الحسّ البليد لا يأتي إلاّ ممن يمارس اغتصاب القاصرات، ذلك عند الاغتصاب لا يلتفت إلى آلام الضحية وأوجاعها، بل يكون مشغولاً بنفسه وبحب سيطرته ونرجسيته. غزة كانت في الواقع تغتصب، ولم يحسّ بوجعها وآلامها، إلاّ أنه كان مشغولاً بالأرباح العقارية، التي يمكن أن يستلّها من لحمها ويتلذذ بإخضاعها.

ترامب لم ير من خلال النيران والهدم والقتل، الذي كان يعانيه أهلنا في غزة إلاّ ترحيل هؤلاء البؤساء إلى الأردن ومصر، وبناء ريفييرا على شاطئ غزة، لتكون استثماراً عقارياً ناجعاً

ونذكر أنه حين تولى الرئاسة الثانية، أعلن بخفةٍ ورعونة نادرتين، أنه يريد كندا أن تصبح الولاية الأمريكية الواحدة والخمسين. وأن قناة بنما يجب استرجاعها لأن أمريكا هي التي حفرتها، ثم عرّج على المكسيك، وإذا بنا نستعيد ما نراه من أنشطة الاستعمار الغربي في القرون السابقة، وكيف يتم اقتسام الغنائم، وهي جميعها شهوات تنتظمها الرغبة في «الاغتصاب» والهيمنة. وحين أنشأ ما يسمى بـ»مجلس السلام» ووضع ميثاقاً له على مقاسه، وقد عيّن نفسه الرئيس، الذي يحدد جدول الأعمال، وله وحده حق الفيتو على القرارات، ويحدد مَن من الدول، التي تستمر في عضويتها ومن عليها أن تستقيل، وحدد رسوم العضوية بمبلغ خيالي بلغ مليار دولار، دون أن يقدم شرحاً، أين ستصرف هذه المبالغ، ودون رقابة على الصرف، كما أنه حدد الدول الأعضاء في «المجلس»، ومن يرفض سيُعاقب بفرض رسوم جمركية على منتجاتها. إن جميع هذه الشروط والمواصفات، وضعت بعقلية «اغتصاب القاصرات»، ذلك أن العقوبة سوف تفرض على الطفلة فور امتناعها، أو ترددها في تلبية مطالب الـ»سي السيد». ثم وضع أجهزة «المجلس» واختار لها شخصيات على صورته وتخضع لأوامره، التي حين يصدرها لقاصر سوف تمتثل، ولا يتوقعن أحد أن أي أمر يصدره لبلير أو كوشنر أو ويتكوف سيكون على بساط النقاش، فهو لا يتحمل المناقشة، كما نشاهده في المؤتمرات الصحافية. وانتقل بأفكاره حول المجلس وهيكليته إلى مجلس الأمن الذي – عملياً ـ مارس عليه الاغتصاب لتمرير قراره وبتواطؤ دولي، إذ امتنعت روسيا والصين عن ممارسة حق النقض، بذريعة أن زعيم المقاطعة في رام الله، أعلن قبوله خطة ترامب، وهي – عملياً- خطة اغتصاب، إذ لم يتم التشاور مع أهل غزة، أو رؤساء البلديات فيها حول تلك الخطة.
وإذا انتقلنا إلى عدوانه على فنزويلا، واختطاف رئيسها مادورو وزوجته، بعملية أشبه بالقرصنة التي سادت بحار العالم في القرن الثامن عشر، حيث تمّ الإعلان عن سيطرته على الثروة النفطية واقتسام عائدات النفط بين الولايات المتحدة وفنزويلا، ولا نعلم حتى الآن بأي نسب يتم اقتسام العائدات. أليست هذه تصرفات شخص يمارس «الاغتصاب» على مختلف المستويات؟
هل بقي من اغتصاب سوى جزيرة غرينلاند؟ إنها أكبر جزيرة في العالم، مغطاة بالثلوج طول العام، ولكن تمّ اكتشاف أن من مصادرها الطبيعية، بالإضافة إلى النفط، معدن الليثيوم النادر والضروري الآن لصناعة سيارات الكهرباء والكمبيوتر. يعلن ترامب انه «يريد» غرينلاند وإن رفض أهلها فهو مستعد أن يشتريها إذا كان احتلالها سوف يضرّ بأهل «القاصر» (أو يثورون لشرفهم). وللعلم، كان البعض يأخذ على سلطة أوسلو أن الحكم الذاتي الفلسطيني هو أضعف بكثير من الحكم الذاتي لجزيرة غرينلاند، وحين راجعت اتفاقية الحكم الذاتي، وجدت أن حوالي خمسين ألفاً وهم سكان الجزيره آنئذٍ لهم حق إبطال أي اتفاق بين الدنمارك وأي دولة أخرى، إذا كان موضوع الاتفاق يتعلق بأي من المصادر الطبيعية للجزيرة، بينما لا يستطيع الفلسطينيون ـ في ظل أوسلو- ان يتحكموا في مياههم الجوفية. وشعب غرينلاند ينزع الآن للاستقلال عن الدنمارك، ومع ذلك فإنهم مهددون بـ»الاغتصاب» من مفترس لا تحركه سوى نزواته الاستعمارية، كما أنه متسلح بأكبر قوة نارية في التاريخ.
ومن الملاحظ أن ترامب المشتبه باغتصاب «القاصرات» أي اللواتي، على الأغلب، لا سند لهن من عائلة أو جمعية أو كنيسة، إذ أن ذلك يكون عامل إغراء للافتراس. وهذا السلوك انعكس على سلوكه مع الدول. إن الدول التي وجه لها الدعوات للانضمام لمجلس السلام وقبلت دعوته، يعتقد أنها دول ضعيفة، ويستطيع أن يبتزها ويمارس سلطته عليها، ومن اللافت للنظر كذلك أنه لم يوجه الدعوة لإيران، لأنه يعرف أن إيران بما تملكه من قوى ذاتية لا يستطيع ابتزازها. حشّد الأساطيل وحاملات الطائرات والمدمرات، وجهّز القواعد القريبة والبعيدة، ورفع نبرة صوته، ولكن كل ذلك لم يدخل الروع في تفكير طهران، التي ظلت صامدة ومتمسكة بموقفها من أنها لن تناقش معه إلاّ جدول أعمالها هي، وذلك مقتصرٌ على مسألة السلاح النووي.
لا أحد يجادل في أن للولايات المتحدة قدرات عسكرية هائلة لا طاقة لإيران بها، إلاّ أنه من المؤكد كذلك أن لإيران قدرات عسكرية قد تؤذي بعض الأساطيل الأمريكية، وقد تؤذي بعض القواعد الأمريكية في المنطقة، وقد تؤذي تدفق نفط الخليج إلى العالم الخارجي، ما سوف يؤثر على أسعاره، ومن المؤكد أنها سوف تؤذي إسرائيل، بما في ذلك القواعد الأمريكية فيها، ومن هنا يمكن القول إن «اغتصاب» طهران ليس بالسهولة التي جرى فيها اغتصاب فنزويلا وبعض العرب، وعندها القدرة على أن تصرخ، لاسيما وقد عايشت حصاراً خانقاً لعقود، دون ان تضطر أن «تأكل بثدييها»!! فالتحية لإيران التي تقدم درساً في أهمية البناء الذاتي.

محام وكاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية