نواكشوط – «القدس العربي»: في وقتٍ تتصاعد فيه في عمق المشهد السياسي الموريتاني دعوات لمراجعة بعض المقتضيات الدستورية ويتنامى الجدل السياسي حول مسألة المأموريات، يشهد المشهد الموريتاني حراكًا متسارعًا يعكس حيوية النقاش وعمق الاستقطاب في آن واحد؛ فبين قراءات تعتبر أن فتح هذا الملف يدخل في صميم الحوار السياسي المرتقب، وأخرى تحذّر من المساس بالنصوص المحصّنة في الدستور، يتواصل السجال في الفضاءين الحزبي والإعلامي بوتيرة متصاعدة.
وفي خضم هذا المناخ المشحون، أُعلن عن تأسيس «تحالف التناوب الديمقراطي» المعارض، بمشاركة شخصيات وقوى سياسية من بينها مناصرون للرئيس السابق، في خطوةٍ وُصفت بأنها إعادة ترتيب لأوراق المعارضة ومحاولة لتجميع الجهود حول شعار التداول السلمي على السلطة.
ويأتي هذا التطور ليضيف بعدًا جديدًا إلى النقاش الدائر، وليطرح تساؤلات حول مآلات الحوار المرتقب، وحدود التوافق الممكن بين مختلف الفاعلين السياسيين في البلاد.
وقد عاد الجدل حول تحديد المأموريات الرئاسية في موريتانيا إلى الواجهة بقوة، مع تصاعد دعوات من شخصيات سياسية محسوبة على الأغلبية الحاكمة لمراجعة الدستور، والدفع بطرح مسألة عدد الولايات على طاولة الحوار الوطني المرتقب. وتتمحور هذه الدعوات حول إمكانية فتح نقاش دستوري قد يفضي إلى السماح للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالترشح لمأمورية ثالثة، وهو ما فجّر موجة انتقادات من أطراف معارضة تعتبر الخطوة مساسًا بروح التناوب.
ويقود هذا التوجه عدد من الفاعلين السياسيين، من بينهم الدبلوماسي محمد ببانه، والنائب البرلماني السابق الدان ولد أحمد ولد عثمان وهو أمير تقليدي نافذ، والنائب أحمد جدو الزين، الذين يرون أن من المشروع إدراج ملف القيود الدستورية، بما فيها المواد المحددة لسقف المأموريات، ضمن القضايا الجوهرية التي ستطرح على طاولة الحوار الشامل المنتظر.
ويرتكز المدافعون عن طرح فتح المأموريات إلى أن التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2006 جاءت في سياق استثنائي أعقب تغييرًا عسكريًا، وأنها عكست حينها هواجس مرتبطة بضبط انتقال السلطة ومنع احتكارها.
ويعتبر هؤلاء أن مرور قرابة عقدين على تلك المرحلة، وما شهدته البلاد من تحولات سياسية واجتماعية، يبرر إعادة تقييم تلك المخرجات في ضوء معطيات جديدة.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الدساتير ليست نصوصًا مغلقة، بل أطر قابلة للتطوير وفقًا للمصلحة الوطنية، شريطة احترام الإجراءات القانونية وضمانات الشفافية. كما يشددون على أن أي تعديل محتمل يظل قرارًا سياديًا يعود للشعب عبر الآليات الدستورية المعتمدة.
وفي هذا السياق، يرى النائب الدان ولد أحمد ولد عثمان «أن الحوار الوطني يمثل فرصة مناسبة لمناقشة مختلف الترتيبات التي أعقبت مرحلة 2005، بما في ذلك حصر الرئاسة في مأموريتين وبعض شروط الترشح»، معتبرًا «أن نقاشًا هادئًا ومسؤولًا قد يسهم في توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز التوافق السياسي.
يذكر أن دستور موريتانيا التعددي الأول منذ الاستقلال قد أجيز في استفتاء شعبي عام 1991، وشهد أول تعديل جوهري سنة 2006 إثر استفتاء شعبي نظم في 25 يونيو/حزيران من العام نفسه.
ومن أبرز ما تضمنته تلك التعديلات تقليص الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وتحَصين عدد المأموريات، إضافة إلى قيود عمرية للترشح، وإدراج تعهد صريح في اليمين الدستورية بعدم السعي لتعديل المادة المتعلقة بسقف الولايات.
وقد اعتُبرت هذه الترتيبات آنذاك ضمانة لترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة، في سياق سياسي خاص طبعته مرحلة انتقالية.
وفي المقابل، قوبلت الدعوات إلى مراجعة المواد المحصنة برفض واضح من شخصيات معارضة، اعتبرت مجرد طرح المسألة مؤشرًا مقلقًا.
وذهب بعض النواب وعدد من قادة أحزاب المعارضة، إلى الدعوة لمقاطعة الحوار الوطني إذا ما أُدرج ملف المأموريات ضمن جدول أعماله، محذرين من المساس بمبدأ التناوب الذي يرونه مكسبًا دستوريًا يجب صونه.
كما استحضر آخرون تجارب سابقة في المنطقة، معتبرين أن التلاعب بسقف الولايات غالبًا ما يقود إلى أزمات سياسية ويقوض الثقة في المسار الديمقراطي.
وبالتوازي مع هذا السجال، أُعلن في نواكشوط عن تأسيس إطار سياسي جديد تحت مسمى «تحالف التناوب الديمقراطي»، بدفع من شخصيات وأنصار مقربين من الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.
ويُتوقع أن يشكل هذا التحالف منصة للتعبئة ضد أي تعديل قد يمس عدد المأموريات، وأن يعزز حضور التيار الداعي إلى احترام النصوص المحصنة.
ويرى مراقبون لهذا الشأن أن عودة الجدل حول المأموريات تعكس حيوية النقاش السياسي قبيل إطلاق الحوار الوطني، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن انقسام عميق بين من يعتبر مراجعة الدستور مسألة سيادية قابلة للنقاش، ومن يعدّها خطًا أحمر مرتبطًا باستقرار البلاد وضمان التداول السلمي.
وبين هذا وذاك، يبقى الحسم رهين طبيعة الأجندة التي سيعتمدها الحوار الوطني
المرتقب، ومدى قدرة الفاعلين السياسيين على إدارة خلافاتهم ضمن أطر توافقية.