برلمان الأردن وأزمة «مقعد شاغر»: 3 سلطات في زاوية أضيق… تجاذب دستوري وتزاحم على «أرصفة القضاء»

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي»: مسألتان لا يمكن إسقاطهما من الحساب السياسي العميق عندما يتعلق الأمر برصد ومراقبة حالة التجاذب والاستقطاب التي توسعت فجأة أردنياً خلال يومين بعد «شغور مقعد برلماني» لأول مرة بـ «قرار قضائي» من المحكمة الإدارية العليا، وتسمية «نائب جديد» يجلس في المقعد الشاغر.
المسألة الأولى تلك التي ترسم حدود الإجابة عن سؤال صغير يفترض ألا تثير الإجابة عليه أصلاً تجاذبات «دستورية»: فقد عضو مجلس النواب الشاب محمد جراح، مقعده بقرار قضائي.. حسناً، من هو خليفته المؤهل للجلوس في المقعد؟
الإجابة هنا يجب ألا تتحول وبسرعة إلى حالة نقاشية عميقة واعتراضية في قراءة وتفسير النصوص القانونية والدستورية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بزوايا ضيقة في سياق العلاقة بين 3 سلطات: التنفيذية والقضائية والتشريعية.
القضية تنتج زحاماً لم يعهد في مربع «الاجتهاد الدستوري» وفي الوقوف على أرصفة «اللجوء للقضاء»، فيما يبقى السؤال ذات معلقاً في فضاء المشهد السياسي والبرلماني الأردني إلى أن تستقر الأمور بجراحة قضائية يحتاجها الجميع حتى لا تتواصل عملية التجاذب في إطار الخبرة الدستورية.
لاحظ الجميع حجم التقاطعات والتعاكسات التي تزاحمت على خلفية سابقة قضائية وقانونية، كان عنوانها أن المحكمة الإدارية العليا وقراراتها غير قابلة للطعن وقطعية تقرر المصادقة على قرار لمحكمة حزبية أصغر في حزب العمال تحديداً قررت فصل عضو الحزب وممثله في مجلس النواب محمد الجراح من سجلات الحزب.
آنذاك وقبل عدة أشهر، أعلن حزب العمال فصل ممثله البرلماني من كشوفاته وسجلاته بطريقة نظامية.
وبعيداً عن «مبررات وأسباب» قرار الحزب، انتهت العملية بقرار المحكمة العليا المصادقة على «إجراء الفصل»، وفي النتيجة فقد الجراح مقعده ليبدأ مشوار مستجد في التجاذبات الدستورية عنوانه العريض قرار الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات باعتبارها «جهة الاختصاص» بتسمية المرشح حمزة طوباسي خلفاً للجراح في مقعد البرلمان.
هنا حصراً، برز الإشكال الذي يعبر عن «المسألة الثانية» مع إفصاح رسمي بأن الطوباسي ذاته «مفصول أيضاً» من سجلات حزب العمال صاحب المقعد، مما دفع بالاجتهاد القائل إن «المقعد يجب أن تجلس فيه» الدكتورة رولا الحروب، وهي الأمين العام للحزب ومؤسسته، وكانت أساساً في المرتبة رقم 3 في قائمة ترشيح الحزب للانتخابات.
الدكتورة الحروب سياسية شرسة، ومناكفة، وأعلن حزبها أنه سيلجأ للقضاء لاستعادة مقعده ويرفض تسمية الطوباسي خلفاً للجراح باعتبار كل منهما «مفصولاً بقرار محكمة حزبية».
التقديرات ترجح أن العديد من الأطراف، خصوصاً في السلطة التنفيذية، لا ترغب بأي حال من الأحوال في مشاهدة سياسية محترفة وثقيلة الوزن قياساً ببعض النواب الآخرين في الاشتباك التشريعي والرقابي، مثل الدكتورة الحروب، تحت قبة البرلمان وباسم حزب جديد نجح في فرض بصماته في الإيقاع الاجتماعي، هو حزب العمال، واصطاد مقعدين في النسخة الأخيرة من الانتخابات.
تلك حقيقة قد تكون واقعية ويعلمها الجميع، لكن تفسيرات القوانين من جهة الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات كان لها رأي آخر؛ فالهيئة انتظرت صدور قرار قضائي قطعي للمحكمة الإدارية العليا يعلن شغور مقعد الجراح؛ بمعنى يلغي حصانته البرلمانية ويحيل مقعده إلى عضو آخر أو نائب آخر.
وهنا برزت قراءة الهيئة القانونية التي تقدر وتقرر أن النائب الجراح شغل مقعداً مخصصاً في كوتا قانونية لفئة الشباب، وأن من ينبغي أن يخلفه في المقعد هو مرشح فئة الشباب في الحزب نفسه.
مساء الأربعاء، حصل تزاحم جديد؛ فالهيئة أرسلت للبرلمان أوراق النائب الجديد الطوباسي وبسرعة لافتة وخلال ساعات فقط.
والنائب القديم الجراح، ظهر في فيديو يتحدث عن «الزحف للقضاء» مع ناخبيه لاستعادة مقعده متأملاً بـ «إعادة محاكمته»، ومشيراً لكشف «كل الأوراق». وصباح الخميس، عقد حزب العمال مؤتمراً صحافياً أعلن فيه رفض تسمية الطوباسي، وأنه سيلجأ إلى القضاء لاستعادة المقعد باعتباره من حق الدكتورة الحروب.
المصادفة القانونية هنا تنطوي على تعقيدات عميقة. فالطوباسي خاض الانتخابات باعتباره أحد المرشحين على القائمة العامة لحزب العمال.
ولاحقاً، أصدرت محكمة حزبية تتبع الحزب بصورة نظامية قراراً بفصل الطوباسي من سجلات الحزب.
هيئة الانتخابات اعتبرت أن قرار فصل الطوباسي قبل تسميته نائباً في البرلمان بالفصل من سجلات الحزب، لم يتخذ بعد درجته القطعية، وأن الطوباسي لا يزال مسجلاً في سجلات الهيئة المستقلة، وأنه تقدم بطعن للقضاء بقرار فصله من حزبه، وهو أمر توافقت الهيئة بمجلس مفوضيها على أنه يقود إلى تسمية الطوباسي خلفاً للجراح ما لم يتدخل القضاء ويبدل الواقع.
طبعاً، قيادة حزب العمال ومعها الدكتورة رولا الحروب، لها رأي آخر تماماً في المشهد. والانطباع الذي يعممه حزب العمال ذلك القائل بأن «جهات رسمية» بوضوح لا ترغب برؤية الحروب حصراً تحت قبة البرلمان.
الأخيرة سياسية محترفة ليست من الصنف الذي يقبل الإقصاء بعملية فيها إطار قانوني يمكن الطعن فيه.
تلك عملياً ملامح أزمة «دستورية» تلوح في الأفق على صلة بـ 3 سلطات كبرى تجلس بوقار في منطقة تزاحم الاجتهادات في الفقه القانوني والدستوري كما لم يحصل من قبل، مع أن المسألة كان يمكن أن تكون «أبسط وسلسة».
وفي الواقع، الأسماء الكبيرة التي ألقت باجتهاداتها على خلفية الصراع على مقعد شاغر بقرار قضائي، ساهمت في التأصيل والتأسيس لحالة «تجاذب» عنوانها الخلاف الفقهي في قراءة نصوص قانون الانتخابات في أول اختبار دستوري تتعرض له مسارات التحديث السياسي.
القطب القانوني البارز الدكتور راتب النوايسة، خرج على كاميرا تلفزيونية ليعلن بأن مقعد الجراح حق للدكتورة الحروب، واندفع لتأصيل وجهة نظره، فيما كانت شخصيات أخرى خبيرة في الفقه الدستوري لها رأي مختلف؛ حيث الوزير الأسبق الدكتور نوفان عجارمة يساند الرأي المعتمد في هيئة الانتخابات، لا بل يسجل مفاجأة مثيرة يفهم منها أن «نيابة الطوباسي» لو أسقطت لاحقاً، فمن سيخلفه لن يكون من نفس الحزب، بل مرشح فئة الشباب من القائمة الحزبية التي تلي حزب العمال.
وإزاء هذا النمط من «التحشيد» في تسييس الاجتهادات الدستورية، وجد الخبير أنور الخفش الفرصة مواتية لتحذير الجميع عبر «القدس العربي» من «كلفة العبث بمنظومة دولة القانون والمؤسسات»، مؤكداً أن تعزيز مسارات الانحراف الدستوري يؤسس فجوة تطال ثقة الناس بالدولة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية