جريمة تليق بالمقام

ليست عملية الكشف عن الملفات الإبستينية وعن الأسماء الكبيرة عالمياً والمتورطة في هذا الملف بعملية تطهيرية حقيقية، ليس هذا الفضح تنقية للجنس البشري من ممارسته البشعة المتنافية مع غريزته في حب البقاء، بل هي، على ما يبدو، عملية تصفية حسابات بين حرس قديم وحرس جديد، قوى زائلة وقوى قادمة، هي عملية تستهدف فكرة البقاء، بقاء الأقوى الجديد، هذا الخفي عن الأعين الرابض خلف شاشات المراقبة، والمختلف تماماً عن قويّ الماضي، ذي الصوت العالي والسلطة الواضحة.
تقول مارغريت الراعي في مقالها المعنون «الفضيحة الإبتسنية.. نفوذ الضجيج» إنه «في هذا السياق، لا تعمل الفضيحة كفعل تطهيري من جراثيم ملوثة بالتعاطي والمخدرات والاتجار بالبشر والأطفال والنساء، بل كإجراء اقتصادي-سياسي استراتيجي مخطط بعناية ودقة لتحقيق مآرب محددة». من هنا، يبدو أن هذا الفضح الممنهج والمثبت بالأدلة إنما يستهدف تغيير النظام العالمي عن طريق، على حد تعبير الراعي، إحداث ضجة تشوش الرؤوس وتستهدف «تآكل مصداقية الشخصيات التي تعيق التحولات الكبرى في الوقت الحالي».
ينكب الناس الآن بشغف وغضب على الاطلاع على ملفات إبستين المفتوحة وتحليلها وتفريغ شحنات غضبهم الهائلة عليها، غير واعين تماماً لحقيقة أن الجرائم المذكورة في هذه الملفات قديمة ومستمرة إلى اليوم، مصاحبة للقوى أينما ومتى، من تاريخ البشرية ما حلت. ما زالت الممارسات الدنيئة هذه تقع وتدار اقتصادياً وسياسياً حول العالم وفي أغنى وأكثر مناطقه ثراء ومخملية. أصحابها محميون بابتعادهم عن مشاهد القوى، مستورون بسيرهم بجانب حيطانهم الفاخرة المطلية بماء الذهب. وهكذا، ما إن تستهلك طاقات الناس في عملية الفضح والتحليل والتفنيد لما جاء في الملفات والتي خفيها لا بد أنه أعظم، بل وإبان كل هذه الفوضى السائدة بين الناس حالياً، تصعد قوى رقمية جديدة لتسود العالم، قوى أكثر وحشية وبشاعة، أصعب كشفاً عن جرائمها التي ستفوق في ذكائها وأساليبها القوى القديمة بمراحل.
وعليه، علينا أن نعي تماماً أن الكشف الواقع حالياً، ورغم تعبيري عن إعجابي به كنتيجة للضغوط الشعبية الهائلة المطالبة بكشف الملفات وكذلك بمعية حريات الرأي والتعبير المتوافرة إلى حد ما في الغرب، هو في الواقع كشف ممنهج، مدروس من حيث توقيته وطريقته وكمية المعلومات المُفصَح عنها من خلاله. هو كشف، رغم دلالاته الإيجابية تجاه قوى الجماهير وقدرتهم على الضغط والتعبير، ذو دلالات مستقبلية مرعبة، تشير إلى أن القادم أكثر إرعاباً، وإلى أن السلطة الصاعدة ستكون سلطة رقمية خارقة الذكاء، لا نهائية المصادر، خفية الأساليب، إعجازية في قدرتها على الإقناع، والذي إذا لم يتحقق، أي هذا الإقناع، سيتم استبداله بالبرمجة، البرمجة النفسية والفكرية بل والحرفية، بمعنى التركيب الفعلي لشرائح في رؤوس الناس تحركهم بحسب توجهات ومصالح هذه القوى المرعبة الصاعدة.
إن فكرة أن الأطفال يؤخذون إلى جزيرة لاستغلالهم ليست مقطوعة عن السياق، بل هي في لب السياق، متماهية مع حقيقة «الإمبراطورية الأمريكية» المبنية على الدم، ومن ثم مع أساليب إدارتها لمراكز القوى داخلياً وخارجياً، واليوم بمعية الشريك الصهيوني الأقذر في أساليبه في كل التاريخ البشري. في الواقع، لا تزال ظاهرة الاتجار بالأطفال مستمرة علناً وبصور مرعبة في الداخل الأمريكي إلى حد يعجز العقل عن تصديقها.
كنت أشاهد حلقة من برنامج «60 دقيقة أستراليا» تحكي عن ظاهرة إعادة تسكين الأطفال المتبنين مع أسر جديدة في أمريكا. في البداية، لم أفهم معنى هذه الظاهرة، حيث إن درجة البشاعة وقفت حاجزاً، وذلك إلى الثلث الأول من الحلقة؛ لأبدأ بفهم الموضوع العصي على التصديق.
هناك ظاهرة خفية منتشرة في الولايات المتحدة تدور حول تخلي بعض الأهل الذين يقومون بالتبني عن أطفالهم المتبنين، حيث يقومون بعرضهم، حرفياً، في محافل مخصصة لهذا الشأن للتبني من قِبل أسر أخرى. في «حفلات» استعراض الأطفال المتوفرين للتبني، يقوم الأطفال بالمشي، تماماً كما عارضات وعارضي الأزياء، أمام مجموعة من الأهالي الراغبين في التبني، حيث تقوم مقدمة المحفل بتقديم الأطفال اسماً وسناً وهواية وطباعاً، لينتظر بعدها هؤلاء الأطفال قبول إحدى الأسر بهم ليبدؤوا حياة جديدة بعد أن تخلت عنهم أسرهم التي تبنتهم بداية.
بالطبع، أثناء تنقل هؤلاء الأطفال من بيت إلى بيت، يتعرض الكثير منهم لانتهاكات لا يجب أن يسمع بها طفل، دع عنك أن يمر بها. يعاني هؤلاء الأطفال من التحرش الجنسي، الاغتصاب، الضرب، التعذيب والتجويع، وما إن تفرغ منهم أسرهم حتى يعرضوهم للتبني، لينتقلوا إلى أسرة أخرى، يعلم الله وحده ما سيلاقون معها وعندها.
إن هذا التراخي القانوني الحقوقي في الداخل الأمريكي الذي مكن وحوش البشر -وهم متوفرون في كل مكان وزمان- من التعدي على الضعفاء ومن انتهاك حقوقهم وتعذيبهم وإيذائهم، يعدّ جزءاً من المنظومة الوحشية الرأسمالية الإمبريالية، والتي من خلالها، لا يتم التحكم فقط في أقوياء العالم كما من خلال ملف إبستين، ولكن كذلك في نفوس وضمائر بل والقوى العقلية لأفراد الشعب العاديين بحد ذاتهم، من خلال هذا الاستغلال الفردي للضعفاء والمستمر بلا رقابة أو تبعات. وهكذا، يبدو هذا التراخي القانوني خصوصاً تجاه الأطفال، عاكساً للوحشية السياسية الأمريكية التي تعلي المصلحة فوق كل اعتبار، الوجه البشع «للإمبراطورية» التي لا تقهر، الجانب المريض الخفي من المنظومة «الحقوقية الإنسانية» التي تبيع بها كسمعة عالمية الولايات المتحدة نفسها. وهكذا فإن تعذيب الأطفال الأمريكان في الداخل هو انعكاس للتعذيب الأمريكي لشعوب العالم الخارجي، وهو كذلك جزء من خطة التحكم في نفوس الناس وضمائرهم، تحويلاً إياهم إلى كائنات مستنفعة، تؤمر فتطيع متى ما حتمت مصلحتها. إنها خطة متكاملة لغسل العقول والضمائر وإعادة برمجتها لتبقى بشهواتها قيد الخطة الرأسمالية الجشعة.
وهكذا، تتكشف المزيد من الملفات الدموية التي تشير إلى أنه حتى أفضل القوانين الحقوقية الأمريكية إنما تخفي تحتها مساحة متسعة رطبة مظلمة للانتهاك والاستغلال، من جهة سداً لشهوات مريضة، ومن جهة أخرى استخداماً لهذه الشهوات للتحكم في الشعوب عن طريق إيقاظ أبشع ما في نفوسهم البشرية، ومن ثم اقتيادهم من رقاب شهواتهم المريضة تلك.
ملف إبستين هو ملف عالمي ضخم يشير إلى عملية تغيير حرس العالم القديم بحرس جديد في الغالب يفوقه بشاعة ووحشية، وكل ذيول هذا الملف الأخرى الأصغر حجماً والأقل فضائحية إنما تشير إلى عملية جر شعوب العالم كما الخراف من رقابهم، عبر استعبادهم من خلال إتاحة المجال للرغبات المريضة وغض البصر عن الممارسات البشعة الصغيرة، التي هي على قدر حجم الأشخاص العاديين غير المهمين، والتي تقتل ضمائرهم وتبقيهم قيد القوى الكبرى في العالم سامعين مطيعين، بلا ضمير يرفض أو أخلاق تصد. لكلٍ جريمة وفضيحة تليق بمقامه، أقوى وأغنى رموز العالم يدخلون ملف إبستين، صغار مهمشي البشر يدخلون الملفات البشعة الممتدة كأذرع أخطبوط ضخم منه. لكل مقام الجريمة التي تليق به.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية