عمان- «القدس العربي»: قد لا يتعلق الأمر بمجرد «خطوة سياسية متدرجة» لحكومة اليمين الإسرائيلي بقدر ما يتعلق الآن وحصراً بـ:
أولاً «مستقبل السلطة الفلسطينية» الوشيك في ظل قرارات الكابنيت الإسرائيلي الأخيرة. وثانياً، بانعكاس تلك الخطوة الإسرائيلية «التأزيمية» التي تشمل «تجريف السلطة» على معادلة الأردن الثلاثية الأهم: الحدود، وأمنها، التفخيخ الديموغرافي المحتمل في الطريق المزدحم بين رام الله- الأغوار-عمان. وثالثاً، مصالح الأمن الاستراتيجي وطموحات اليمين الإسرائيلي في «التوسع» مستغلاً «الظروف والمعادلات الدولية» الحالية القائمة.
هنا حصراً، ورغم سعة اطلاعه على الممكن والمحتمل والمستحيل في الخارطة السياسية، يكشف الخبير الأردني البارز الدكتور جواد العناني في نقاش مع «القدس العربي»، عن قناعته بأن «يمين تل أبيب»: «نعم، لديه أطماع في الأغوار عنوانها التوسع شرقاً» لو أتيح له ذلك.
لذلك، حتى في الفهم الأردني الأولي لمرحلة ما بعد قرارات الكابنيت الأخيرة التي «عطلت بموجبها» كل أنظمة وقوانين توثيق الأراضي والعقارات الأردنية التي كانت فاعلة في الضفة الغربية، باتت الآن كل أجراس الإنذار تقرع، حتى وإن صمتت الحكومة رسمياً وتخندقت خلف «بدعة دبلوماسية مستجدة» فكرتها «مشاركة الأردن لدول عربية وإسلامية متعددة في التنديد بإجراءات الكيان».
الدلالة المستنتجة هنا من البقاء مع «دول أخرى» عبر البيانات، قد تؤشر على أن عمان «تفقد أوراق التأثير الحقيقي» في مواجهة يمين إسرائيل ميدانياً وعلى الأرض، أو تحاول التأكيد على مظلة عربية وإسلامية للقضية الفلسطينية يعلم الجميع أنها «بائسة»، فيما مؤسسات السلطة الفلسطينية تقف عاجزة ومشلولة.
تلك -برأي الناشط السياسي محمد خلف الحديد- تعبر عن «عجز النظام الرسمي العربي والإسلامي» مع ملاحظة جديرة بالتأمل تقول «تلك الدول التي توقع عمان معها بيانات تنديد، لا يوجد لها حدود جغرافية تمتد لأكثر من 400 كيلومتر مع الكيان»، وليس عندها نسبة لا تقل عن ثلثي عدد اللاجئين الفلسطينيين في العالم، ولا يوجد لها رعايا يقارب عددهم نصف مليون إنسان في الضفة الغربية.
الخلاصة هنا، أن «إصدار البيانات» لم يعد يعني شيئاً، وأن ترسيم قواعد الاشتباك -برأي العناني- يبدأ من «وصفة قديمة» يعرفها خبراء عمان ورام الله، وقوامها فوراً وبدون تردد هو إقامة «مطبخ سياسي موحد وجريء يمثل المؤسستين الأردنية والفلسطينية ويشتبك بشجاعة».
ومن دون مطبخ موحد يهجم ويناور ويشتبك- يشرح العناني- سنبقى في مقاربة «مكانك قف» مع تسجيل ملاحظة مهمة لمن يعلنون الرهان على تصريح مقتضب للبيت الأبيض، قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب يرفض «ضم الضفة الغربية»، واقترح العناني مبكراً الانتباه إلى لعبة «إقران الأقوال بالأفعال».
الوقت ملائم لـ «إجراءات وقرارات أردنية شجاعة فعلاً»، برأي السياسي البارز الدكتور ممدوح العبادي، لكن «تعريف الشجاعة» هنا يحتاج إلى تأمل واستدراك وبحث تفصيلي، خصوصاً أردنياً، في ظل وضعية اقتصادية تواجه تحديات وانفلاتاً إقليمياً وتوتراً داخلياً في النظام العربي، وبروز حالات تمحور بصيغة تجعل «الاحتياجات الأردنية» -على أهميتها- ليست ذات أولوية لبقية الأطراف المؤثرة.
الحديد بدوره، يطالب الأردنيين باستعادة ما يقوله سفير ترامب في تل أبيب مايك هاكابي، عن «القدس ويهودا والسامرة» حتى يفهم الجميع بأن الأمريكي يخدع الشعب الأردني، لا بل يستغله، فيما الوضع المتزايد في الأغوار في المقابل أنتج ظرفاً موضوعياً يزيد من مستوى المخاطر في «العمق الأردني».
عموماً، لم يتم الإفصاح عن «طبيعة النقاشات الطارئة» التي دارت مع الرئيس الفلسطيني قبل ثلاثة أيام على هامش زيارة طارئة قام بها لعمان.
والتقدير أن سبل الاحتكاك مع قرارات المربع اليميني الإسرائيلي بحثت وبعمق، وأن ثمة إجراءات تقررت في زاوية الخلية الأمنية- الدبلوماسية الثنائية، أو يجب أن تتقرر، لكن غير معروف بعد ما إذا كانت أي إجراءات يقررها المطبخ الفلسطيني-الأردني يمكن أن تشتبك مع «جرعة الشجاعة» المطلوبة للحد من نفوذ وزحف «خطط التوسع والضم».
وهنا حصراً لا بد من التوقف عند قناعة مؤسسة القرار الأردنية بأن «تقويض» ما تعتبره عمان دوماً «الشرعية الفلسطينية»، بمعنى إخراج اتفاقية «أوسلو» ومعها «مؤسسات السلطة» من السكة والواقع لصالح منطق السفير هاكابي بعنوان «يهودا والسامرة» مسار سينتهي حتماً بتقويض «اتفاقية وادي عربة».
وهذا سيضع الأردن في مواجهة خيارات أمنية أو سياسية صعبة جداً ومعقدة، خصوصاً في ظل قناعة النخب الأردنية المؤكدة بأن الإسرائيلي لن يقف عند حدود الأغوار، بل لديه «أطماع لم يعد ممكناً إنكارها»، شرقاً، تبرر -برأي المحلل الإستراتيجي نضال أبو زيد- مبالغاته التضخيمية في ملف «مخاطر الجبهة الشرقية».
عملياً، يرحب المرجع القانوني والسياسي الدولي الدكتور أنيس القاسم بأي جهد إسرائيلي أو أمريكي ينتهي بـ «طي صفحة أوسلو وتفكيك السلطة الحالية»؛ لأن ذلك يعيد الصراع إلى حقيقته وجذره.
لكنه في الوقت ذاته – أي القاسم- يصر على أن اتفاقية وادي عربة لا تزال ضرورية لحماية وحفظ حقوق الأردن، حتى ولو بـ «الصراخ فقط» في بقايا المجتمع الدولي.
«الصراخ فقط» لا يكفي أو لم يعد يكفي أردنياً للإجابة عن سؤال التحديات الأبرز في مرحلة ما بعد «تنفيذ الضم»: كيف وعلى أي أساس ستصمد وادي عربة إذا قوضت أوسلو؟ وأيهما يسقطه الإسرائيلي أولاً؟