لو كان حديثنا سيدور حول الانتخابات بصفة تقليدية طبيعية، لن يكون هناك داع للتحدث عن الانتخابات البلدية الفرنسية، التي نحن على أبوابها، لكن حاليا الصورة مختلفة. الصورة مختلفة لأنها منخرطة تماما في سياق فكري غير مسبوق، هو نفسه وليد تفكير سياسي غير مسبوق.
نتحدث هنا عن خلفيات جديدة تحكم الانتخابات الفرنسية، على ضوء خلفيات أشمل تحكم المخطط الانتخابي في أوروبا بشكل عام، لكن أيضا على ضوء ما؟ وأكبر حجما حتى: خلفيات صراع القوى السياسي، الذي يمكن وضعه تحت سقف الموضوع الأمني، لكن بأبعاد مختلفة عن المعتاد. فالمسألة الأمنية التي دخلت الانتخابات، مرتبطة بعوامل متعلقة كلها بمصالح وحسابات خاصة، تتعارض مع المصلحة العامة، بل تهددها. ومن هذا المنطلق، يشكل السياق الجديد للانتخابات الفرنسية درسا حقيقيا في الفلسفة السياسية، ويمكن إجمال هذا الدرس تحت عنوان تهديدات العقد الاجتماعي، كما نظر له جان جاك روسو وهو يدرس التعايش بين الحريات الفردية والحريات العامة.
فكل اختراق للحرية، ويأتي في مقدمته اليوم الاختراق السيبراني القائم على تعطيل المواقع، وفي الوقت نفسه تزييفها. «تزييف»، ولنتوقف عند هذه الكلمة. وبهذه الصيغة، أي صيغة المصدر. فعندما نتحدث عن «الأخبار الزائفة»، نكتفي بالإحاطة بالمعلومة النصية، التي هي محل تزييف، لكن التزييف خطة أوسع تستهدف النيل من المصداقية الأصلية بتبديلها بمصداقية أخرى مفبركة. يستوقف النظر هنا مثل بليغ جدا ساقته منظمة «صحافيون بلا حدود» التي تمكنت من رصد أزيد من ثمانين موقعا إخباريا فرنسيا مزيفا، ظهرت بتصميمات وسائل إعلام فرنسية شهيرة، تروج خطابا داعما لروسيا في حربها على أوكرانيا. وكما يرى كيفين ليمونييه، الأستاذ بالمعهد الفرنسي للجيوسياسة، والمدير المساعد لمركز «جيود» للأبحاث، فـ»بقدر ما يكون الاقتراع محليا، بقدر ما يسهل أن تمارس عليه التأثير، حينها، تؤثر على ملايين من الناس في إطار انتخاب وطني وأنت تردعهم عن التوجه لصناديق الاقتراع، ما يتيح لك التصرف بمخزون انتخابي يتراوح بين بضع مئات وآلاف من الأشخاص، بما هو كفيل بترجيح كفة ميزان الانتخابات بهذا الاتجاه أو ذاك». وتكمن الخطورة هنا، في خلق جملة من الحقائق النابعة، الصادرة، المنبثقة عن حقائق مغلوطة، وبالتالي المبنية على الخطأ المتحول إلى حقيقة زائفة.

يشكل السياق الجديد للانتخابات الفرنسية درسا حقيقيا في الفلسفة السياسية، ويمكن إجمال هذا الدرس تحت عنوان تهديدات العقد الاجتماعي، كما نظر له جان جاك روسو

الممارسة معروفة في مولدافيا، في سبتمبر عام 2025، استهدفت الانتخابات التشريعية عملية موالية لروسيا واسعة النطاق، اعتمدت على مواقع وحسابات زائفة. فشلت العملية، فاز المترشحون المؤيدون للمعسكر الأوروبي، لكن الخطر المحدق بشفافية الانتخابات ونزاهتها بقي قائما مستفحلا. وفي هذا السياق وسياقات أخرى ذات صلة، يستخدم ليمونيه عبارة «روسيا هكذا في الإطلاق لا يعني الكثير»، موضحا أن الجهات المؤسساتية قد تختلف حول الأهداف، بما يحدث تقاسمات في المصالح تجعل الكرملين، وأجهزة الاستخبارات العسكرية والمدنية، ووزارة الشؤون الخارجية، «تنشط في مناطق نفوذ متنافرة أكثر منها متناغمة» . لم يفوت ليمونيه، بالإضافة إلى ذكر المؤسسات والفعاليات الخاصة الضليعة في هذه العمليات، تناول ما يصفها بـ»الفروع المحلية»، أي منظمات غير حكومية أو جمعوية على صلة بالحكومة الروسية، منها، على حد تعبيره، جمعية «انقذوا الدونباس» التي نظمت تجمعات للتنديد بتسليم السلاح لأوكرانيا أمام مقر شركة «نيكستر» لتصنيع الأسلحة في مدينتي تارب وروان المعروفتين تاريخيا بصناعة الأسلحة وتصديرها إلى الخارج. تخوفاتنا متنامية بأن تكون هذه الحقيقة، الحقيقة البديلة، هي التي تحكم العالم، أو على الأقل، جزءا كبيرا منه. وهكذا أصبح لزاما على السياسية أن تتأقلم مع الحقيقة البديلة، حقيقة هذا الفرنكنشتاين الجديد الذي يحول اللامعرفة إلى معرفة عبر تكنولوجيات الاتصال الجديدة، وهذا هو تحدي العصر.
تكنولوجيات الاتصال الجديدة، دعونا نتحدث عنها بمزيد من التفصيل، على ضوء حادثة التجسس الصيني التي أطلعتنا وسائل الإعلام الفرنسية عنها هذه الأيام. كلنا سمعنا عن قصة الصحن اللاقط الذي نصبه في حديقة بيت مستأجر أربعة شباب صينيين يدعون الانتساب لشركة أبحاث متخصصة في «أنظمة التواصل اللاسلكية».. لاحظوا معي كيف يعيدنا هذا المصطلح (وكذلك «الصحن اللاقط»!) إلى عهد التجسسات القديمة، عهد التجسس ومكافحة التجسس واعتراض الاتصالات. هنا تمكنت الإدارة العامة الفرنسية للأمن الداخلي (DGSI) من اعتراض اتصالات بالأقمار الصناعية جرت بين «كيانات عسكرية ذات أهمية حيوية» كان هؤلاء الشباب مكلفين بنقلها إلى الصين. يوضح كريستوف مييت، وهو الأمين العام للنقابة الوطنية للأمن الداخلي، أن «ثمة قضية روسية وليس صينية فقط»، ونستحضر هنا كيف تم اعتراض، سنة 2022، في ضواحي تولوز صحنا لاقطا عملاقا بطول سبعة أمتار يجاور مقر شركة أيرباص لصناعة الطيران وتكنولوجيا المجال الجوي. يذكر مييت كيف تتالت ما يسميه، وهو يحيل هنا إلى عبارة متداولة معروفة، «مؤشرات ضعيفة»، أي مؤشرات تجعل شرطة مكافحة التجسس تشتغل على المدى البعيد في عمليات التجسس العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، التي تستهدف فرنسا (دون إهمال – يضيف مييت- كون فرنسا نفسها قادرة على تنفيذ مثل هذه العمليات في دول أخرى).
نحن هنا في قلب سياق سرقة البيانات، التكنولوجية، التي تمر عبر قنوات عدة. ولنا في فرنسا أمثلة يشهد عليها تاريخ المال والأعمال (يسوق مييت مثل حرب ألستوم الاقتصادية، التي ورطت أيضا الولايات المتحدة وروسيا على حد وصفه).
لكن ليس مجرد الاختراقات الرقمية في ذاتها هي التي تهدد سلامة المخطط الديمقراطي، وإنما عقلية الاختراق التي تعززت لأنها وجدت في الاختراعات التكنولوجية المستحدثة الوسيلة المثلى لخوض صراعات المصالح، التي يجب أن ترى ماثلة في وجهها معركة القيم. وخاتمة المقابلة التي أجرتها إذاعة «فرانس أنفو» الإخبارية مع مييت تمدنا بالمختصر المفيد الذي يتيح تشخيص الواقع بأحسن حال: «لقد دخلنا منافسة استراتيجية، المعلومة فيها ثروة وكل بلد يسعى إلى أن يكون الأفضل في هذا المجال».
في هذه المعركة.. يأتي مثل بليغ آخر بفرنسا، وهي ظاهرة أصبحت تتفشى عبر تموقع المتاجرين بالمخدرات في الساحة العامة، بما يثير تخوفات متزايدة، كأن تجد هؤلاء ممثلين في المجالس البلدية تحت ذريعة المساهمة في النقاشات الاجتماعية المتعلقة بتشريع مخدرات مثل القنب. وبطبيعة الحال، يبقى الموضوع الأساسي هو الاختراق الإيديولوجي، هذا الذي يزرع الأرضية لنزع الاستقطاب التقليدي بين اليسار واليمين، نزعا وقف وراءه إيمانويل ماكرون لمقاصد رجعت إلى السياسة الحزبية التقليدية في نهاية المطاف، لكنها مقاصد يسهل على البعض تحويلها إلى آلية لتدمير الأسس المتينة التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية.
هنا، نتحدث عن خطر أن يحل التفضيل محل المساواة، أن يعلو التشكيك والريبة على الأخوة، وأن يتم بالتالي تقييد الحريات الفردية والعامة بصورة متزايدة وفي مقدمتها حرية التفكير. لقد أصبح التدخل الخارجي بمثابة مدرسة، وكل التحدي يكمن في استحداث مدرسة مضادة.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية