مدينة برطلة العراقية… الذاكرة السريانية في مواجهة تاريخها المكسور

صادق الطائي
حجم الخط
0

على مسافة نحو عشرين كيلومترًا شرق الموصل، وفي قلب سهل نينوى المفتوح على الريح والتاريخ، تقف برطلة بوصفها واحدة من أقدم بلدات العراق استيطانًا وأكثرها التباسًا في الذاكرة المعاصرة. هي ليست مدينةً كبيرة بالمعنى السكاني أو العمراني، لكنها كثيفة المعنى، تراكمت في طبقاتها الجغرافية والدينية واللغوية قرونٌ من الحضور البشري المتواصل، قبل أن تتعرض في العقد الأخير إلى واحدة من أعنف الصدمات في تاريخها الطويل.
جغرافيًا، تنتمي برطلة إلى السهل الرسوبي الشرقي لنهر دجلة ضمن ما يُعرف تاريخيًا بسهل نينوى، وإدارياً هي ناحية تابعة لقضاء الحمدانية في محافظة نينوى. واشتهرت منذ العصور القديمة بخصوبة أرضها وموقعها الوسيط بين الموصل وأربيل. هذا الموقع، الذي منحها عبر التاريخ قيمة اقتصادية وزراعية، جعلها في الوقت نفسه مكشوفة سياسيًا وأمنيًا، إذ كانت دائمًا عرضة لتأثيرات القوى المسيطرة على الموصل بوصفها مركز الثقل الإداري والعسكري في شمال العراق.
تحيط ببرطلة تلال أثرية متعددة، مثل تل المصلّي وبسيلم، وهي شواهد مادية على عمق الاستيطان البشري في المنطقة. ويذكر الباحث بهنام شابا شمَنّي في مقاله (التأصيل التاريخي لشعب برطلي)؛ «يرجع الآثاريون تاريخ برطلي إلى 5000 سنة قبل الميلاد، انطلاقا من عمليات البحث التي أجرتها مديرية الآثار العراقية سنة 1936 عندما قامت بتثبيت وقياس المواقع الأثرية الموجودة فيها وخصوصا التلال الموجودة في البلدة وعلى محيطها مثل تل (مَصَلّي) وتل (بْسْيلْم)». كما يشير البروفسور باسيل عكولة البرطلي، وهو باحث وأستاذ مختص في الآثار واللغات السامية المقارنة؛ أن «برطلي وُجدت مع أول إنسان في عصور ما قبل التاريخ انطلاقا من عمليات البحث التي قامت بها مديرية الآثار العراقية، حيث شاهدت في تل البسيلم والمصلّي آثارا من عصر جمدت نصر (5000 ق.م ) وهو العصر الذي بدأ الإنسان فيه يتجه إلى العيش في تجمعات بشرية في شكل قرى».

الاسم والتاريخ

حول أصل ومعنى اسم مدينة برطلة، يذكر الباحث العراقي كوركيس عواد، مدير مكتبة المتحف العراقي، في بحثه المنشور في مجلة سومر، العدد 17 سنة 1961 أن «برطلة» اسم سرياني اختلف فيه البلدانيون واللغويون» واسمُ برطلي من السريانية، وقد اختلف في تفسيره. ويرى يوسف غنيمة أن أصل الأسم بر طللا، بر بمعنى (إبن) وطلا بمعنى (الظل أو الفيئ)، ومنهم من قال أن أصلها (بيث طليي) أي بيت الأطفال. ويرى الخوري بطرس سابا البرطلي أن اللفظة تتألف من الباء الأولى المختزلة من (بيث) بمعنى بيت و(رطلي) بمعنى أرطال أو أوزان، فيكون أصلها (بيث رطلي) أي بمعنى (محل الأوزان).
وردت برطلة في حملة المصادر التاريخية والبلدانية، فقد ذكرها ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» ج 2 ص128، فقال في وصفها: «برطلي: بالفتح وضم الطاء وتشديد اللام وفتحها بالقص والأمالة: قرية كالمدينة في شرقي الموصل من أعمال نينوى كثيرة الخيرات والأسواق والبيع والشراء يبلغ دخلها كل سنة عشرين ألف دينار حمراء، والغالب على أهلها النصرانية وبها جامع للمسلمين». وتشير مصادر أخرى إلى أن برطلة كانت جزءًا من الإقطاعيات الكبرى في أوائل العهد العثماني، وأنها أسهمت في رفد ولاية الموصل بالحبوب والمنتجات الزراعية والنسيجية، ما يدل على دورها الاقتصادي المستقر ضمن منظومة الريف الموصلي.
لكن الأهمية الأعمق لبرطلة تكمن في كونها واحدة من أبرز الحواضن التاريخية للوجود السرياني المسيحي في العراق. إذ يشير الأب سهيل قاشا في كتابه «برطلي في مرآة الزمان» لقد اعتنق سكان برطلة المسيحية في وقت مبكر جدًا، ربما قبل القرن السادس الميلادي، وأصبحت البلدة لاحقًا مركزًا مهمًا في تاريخ الكنيسة السريانية، أنجبت بطاركة ومفارنة ومطارنة، إضافة إلى علماء لاهوت وأدباء وخطاطين، كان لهم حضور بارز في تاريخ المشرق المسيحي». هذا البعد الديني والثقافي سيشكّل لاحقًا العمود الفقري لهوية برطلة، وسيكون أيضًا أحد أسباب هشاشتها في الأزمنة الحديثة.
من هنا، لا يمكن النظر إلى برطلة بوصفها مجرد بلدة تعرضت لاحتلال عابر أو دمار ظرفي، بل بوصفها مكانًا مثقلًا بطبقات من الذاكرة، حيث تتقاطع عصور ما قبل التاريخ مع الإمبراطوريات الحثية والآشورية والبابلية والساسانية، ثم المسيحية السريانية، فالعهود الإسلامية بمراحلها المبكرة والأموية والعباسية مروراً بالدولة العثمانية، وصولًا إلى الدولة العراقية الحديثة. هذه الطبقات، التي راكمت هوية معقدة ومتعددة، ستدخل بعد عام 2014 في اختبار وجودي قاسٍ، سيعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: كيف يمكن لمدينة صغيرة، ذات تاريخ طويل، أن تحافظ على نفسها في وجه موجة الجهل العاتية التي عملت جاهدة على تدمير معطيات كل هذا التاريخ الزاخر؟
لم تكن برطلة، عبر تاريخها الطويل، مجرد تجمع سكاني ذي أغلبية مسيحية، بل شكّلت نموذجًا خاصًا لمدينة صغيرة قامت هويتها على تداخل الدين بالحياة اليومية، وعلى علاقة عضوية بين الكنيسة والمجتمع. فالمسيحية في برطلة لم تكن انتماءً طقسيًا فحسب، بل إطارًا ثقافيًا واجتماعيًا منظِّمًا، أسهم في تشكيل بنية البلدة، ونمط عيش أهلها، وعلاقاتهم الداخلية والخارجية.
برزت في برطلة كنائس عديدة، لكل واحدة منها رمزيتها التاريخية والدينية، مثل كنيسة مار أحودامه الكبرى، ومار كوركيس، والقديسة شموني، وكنائس أخرى تعاقب على بنائها وترميمها أبناء البلدة عبر قرون. هذه الكنائس لم تكن أماكن عبادة فحسب، بل فضاءات جامعة: فيها تُعقد اللقاءات، وتُناقش شؤون البلدة، وتُحل النزاعات الاجتماعية، وتُتخذ القرارات المصيرية. وكان رجال الدين، من مطارنة وكهنة، يؤدون دورًا مزدوجًا، دينيًا ومدنيًا، ما منحهم مكانة قيادية في المجتمع البرطلي.
إلى جانب هذا الدور المؤسسي، أنجبت برطلة عددًا كبيرًا من الشخصيات الدينية والفكرية التي تجاوز تأثيرها حدود البلدة. فقد خرج منها بطاركة وعلماء لاهوت ولغويون، أسهموا في حفظ التراث السرياني، وتركوا مؤلفات في اللاهوت واللغة والأدب. هذا الإنتاج المعرفي جعل من برطلة اسمًا حاضرًا في المدونات الكنسية والتاريخية، ورسّخ صورتها بوصفها مدينة علم وطقس، لا مجرد قرية زراعية.
اقتصاديا عاشت برطلة عبر قرون طويلة ضمن نمط يمكن وصفه بـ«اقتصاد الاكتفاء الذاتي»، حيث شكّلت الزراعة العمود الفقري لحياة السكان، من دون أن تتحول البلدة إلى مركز تجاري واسع أو مدينة سوق بالمعنى الحضري. فقد اعتمد الأهالي أساسًا على زراعة الحبوب، ولا سيما الحنطة والشعير، إضافة إلى بعض المحاصيل التي تلائم طبيعة سهل نينوى، مستفيدين من خصوبة الأرض وقربهم من الموصل بوصفها سوقًا لتصريف بعض الفائض. لكن الأمر تطور في العهد العثماني، إذ تشير السجلات العثمانية إلى أن برطلة كانت ترفد ولاية الموصل بكميات معتبرة من الحبوب، وأنها خضعت لنظام ضرائبي منتظم، ما يدل على استقرار إنتاجها الزراعي وانتظام دورتها الاقتصادية وتحولها إلى اقتصاد السوق.
إلى جانب الزراعة، عُرفت برطلة منذ القرن التاسع عشر بجودة قطنها وبنشاطها في صناعة النسيج اليدوي، حيث كانت تنتج أقمشة تُقدَّم أحيانًا كضرائب عينية أو تُسوّق في الموصل. أما التجارة، فبقيت محدودة النطاق، تقتصر على تبادل السلع الأساسية، وتدار غالبًا عبر علاقات شخصية وشبكات ثقة داخلية، من دون ظهور طبقة تجارية واسعة أو رأس مال كبير. وبهذا المعنى، لم تكن برطلة فقيرة، لكنها أيضًا لم تكن مدينة ثراء؛ بل كانت مجتمعًا يعمل ليؤمّن استمراره، ويعيد إنتاج نمط حياته بهدوء، في توازن دقيق بين الأرض، والعائلة، والدين.
هذا الطابع الفلاحي يفسر، إلى حد بعيد، تأخر ظهور المقاهي في برطلة مقارنة بالمدن والبلدات الأخرى. ويشير الباحث بهنام شابا شمني في تتبعه التاريخي لموضوع مقاهي برطلة، فيقول؛ كان رجال المدينة يقضون معظم يومهم في الحقول، ولم يكونوا بحاجة إلى فضاءات ترفيه بالمعنى الحضري. وبدلًا من ذلك، تشكّلت فضاءات بديلة للقاء والتفاعل الاجتماعي، مثل: باحات الكنائس قبل الصلوات وبعدها، دواوين المختارين ووجهاء البلدة، وأزقة الأحياء وساحاتها الصغيرة. وكانت هذه الفضاءات تؤدي وظيفة البرلمان المحلي، حيث تُتداول الأخبار، وتُناقش شؤون الزراعة والضرائب والسياسة، وتُصاغ المواقف الجماعية تجاه ما يجري في الموصل أو في البلاد عمومًا.
ومع دخول القرن العشرين، وبداية تشكّل الدولة العراقية الحديثة، بدأت برطلة تشهد تحولات بطيئة في بنيتها الاجتماعية. ظهرت المقاهي تدريجيًا، كمكان لتبادل الرأي والاستماع إلى الأخبار القادمة من المدن عبر المسافرين أو الراديو لاحقًا. ومع ذلك، ظل الطابع المحافظ للمجتمع حاضرًا بقوة، وبقيت الكنيسة المرجعية الرمزية الأولى، حتى مع توسع التعليم وانتشار الوظائف الحكومية بين أبناء البلدة.
ما ميّز برطلة، مقارنة ببلدات أخرى في سهل نينوى، هو قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين الانغلاق الضروري لحماية الهوية، والانفتاح المحدود الذي فرضته الجغرافيا والعلاقات الاقتصادية مع الموصل. فقد عاش سكانها قرونًا في محيط متنوع دينيًا وإثنيًا، وتفاعلوا مع القرى والبلدات المجاورة، دون أن يذوبوا فيها أو يفقدوا خصوصيتهم اللغوية والدينية. اللغة السريانية (السورث) بقيت حاضرة في البيوت والكنائس، والطقوس ظلت حية، والعادات الاجتماعية انتقلت من جيل إلى جيل بوصفها جزءًا من «الذات البرطلية».
غير أن هذا التوازن، الذي صمد طويلًا، كان هشًا بطبيعته، لأنه قائم على استقرار سياسي وأمني نسبي، وعلى قبول متبادل بين المكونات. ومع تراجع هذا الاستقرار في العقود الأخيرة، ثم انهياره الكامل بعد عام 2014، دخلت برطلة مرحلة جديدة، يُعاد فيها اختبار كل ما كان يبدو ثابتًا: دور الكنيسة، معنى الأرض، جدوى البقاء، وحدود الهوية نفسها.

لحظة الانكسار الكبير

لم يدخل عام 2014 إلى برطلة بوصفه عامًا عاديًا في تسلسل الزمن، بل مثّل لحظة انقطاع حاد بين ما كان وما صار. ففي صيف ذلك العام، حين انهارت المنظومة الأمنية في الموصل وتقدمت تنظيمات «داعش» في سهل نينوى، وجدت برطلة نفسها، كما غيرها من بلدات سهل نينوى، مكشوفة بلا حماية حقيقية، أمام خطر لم يكن عسكريًا فحسب، بل وجوديًا بالدرجة الأولى.
لم تكن برطلة مدينة قتال أو مواجهة مسلحة، ولم تسجَّل فيها معارك بالمعنى التقليدي، لكن ذلك لم يخفف من قسوة ما تعرضت له. فمع اقتراب التنظيم، بدأ الخوف يتسلل سريعًا إلى البيوت، مستحضرًا ذاكرة تاريخية مثقلة بالاضطهادات القديمة والهجرات القسرية. خلال أيام قليلة، أتُخذ القرار الأصعب: الرحيل. غادر معظم سكان برطلة بيوتهم على عجل، تاركين خلفهم منازلهم، وكنائسهم، وحقولهم، وكل ما راكموه عبر أجيال. لم يكن الخروج منظّمًا ولا مدروسًا، بل هروبًا جماعيًا فرضه الإحساس بأن البقاء لم يعد ممكنًا.
تحوّلت برطلة بعد ذلك إلى بلدة أشباح شبه خالية من سكانها الأصليين. استُبيحت المنازل، وتعرّضت الممتلكات الخاصة والعامة للنهب والتخريب، ولم تسلم الكنائس والمباني الدينية من العبث، سواء عبر التدمير أو الاستخدام القسري لأغراض بعيدة عن وظيفتها الأصلية.
امتدت سنوات التهجير، وتوزع أبناء برطلة بين مدن إقليم كردستان، ولا سيما أربيل ودهوك، وبين مناطق أخرى داخل العراق وخارجه. في المنفى المؤقت، تشكّلت حياة جديدة قسرية، اعتمدت على المساعدات، أو على أعمال طارئة، أو على شبكات التضامن العائلي والكنسي. غير أن هذه الحياة، مهما طال أمدها، بقيت معلّقة على سؤال العودة: متى وكيف وإلى أي برطلة؟
مع تحرير سهل نينوى في أواخر عام 2016 وبدايات 2017، فُتح الباب نظريًا أمام عودة السكان. لكن العودة لم تكن لحظة احتفال خالص، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا. عاد بعض الأهالي ليجدوا بيوتهم مدمَّرة أو منهوبة، وبنيتهم التحتية شبه مشلولة، ومصادر رزقهم مفقودة.
كما برزت بعد التحرير إشكالية السيطرة الأمنية والإدارية في سهل نينوى عمومًا، وفي برطلة على وجه الخصوص. فقد تعددت الجهات المسلحة، وتداخلت الصلاحيات، ما خلق شعورًا واسعًا بعدم اليقين لدى العائدين. لم يكن الخوف هذه المرة من تنظيم متطرف ظاهر، بل من واقع رمادي، يصعب فيه التمييز بين السلطة والدولة، وبين الحماية والهيمنة. هذا الواقع ألقى بظلاله الثقيلة على قرار العودة، فاختار كثيرون التريث، أو العودة الجزئية، أو الاكتفاء بزيارة البلدة دون الاستقرار الدائم فيها.
اقتصاديًا، جاءت العودة في ظل غياب شبه كامل لمقومات العيش المستقرة. الزراعة، التي كانت تشكل أساس الاقتصاد المحلي، تأثرت بتلف الأراضي، وغياب اليد العاملة، وضعف الدعم. أما فرص العمل خارج الزراعة فبقيت محدودة جدًا، ما جعل الكثير من العائلات تعتمد على تحويلات الأقارب في الخارج. ومع أن بعض الكنائس والمؤسسات الأهلية لعبت دورًا في ترميم البيوت ودعم العائدين، إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تكن كافية لمعالجة جرح عميق بهذا الحجم.
على المستوى الاجتماعي، أحدثت سنوات التهجير شرخًا في نسيج مدينة برطلة الاجتماعي. فالأجيال الشابة التي نشأت أو كبرت خارج البلدة خلال تلك السنوات، بدأت تفقد ارتباطها اليومي بالمكان، ومعه اللغة والعادات والطقوس. وداخل البلدة نفسها، ظهرت حالة من القلق الصامت، حيث يعيش العائدون بين رغبة في استعادة ما كان، وإدراك مؤلم بأن الزمن لا يعود إلى الوراء بسهولة.

لحظة
الاعتراف العالمي

الخامس من آذار/مارس 2021، لم يكن يوماً عادياً في تاريخ المدينة المكلومة، إذ لم تكن زيارة البابا فرنسيس إلى العراق حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل لحظة رمزية عالية الكثافة، اختزلت في أيام قليلة تاريخًا طويلًا من الألم والأسئلة المفتوحة. كانت الزيارة -وهي الأولى التي يقوم بها أحد بابوات الفاتيكان إلى العراق- موجهة في جوهرها إلى مسيحيي البلاد الذين تعرّضوا خلال السنوات السابقة لأقسى موجات العنف والتهجير، ولا سيما في الموصل وسهل نينوى، حيث تقع برطلة.
فالمكان الذي أُفرغ من سكانه عام 2014، وتحوّل إلى شاهد صامت على التدمير والنهب، وجد نفسه فجأة في قلب خطاب بابوي عالمي يتحدث عن المعاناة، والصمود، وحق البقاء.
وشملت جولة البابا مدينة الموصل، حيث زار الكنائس المدمَّرة وألقى كلمة في ساحة شهدت واحدة من أعنف فصول العنف الطائفي، كما شملت بلدات مسيحية في سهل نينوى، ومنها مدينة برطلة. وفي هذه المحطات، حرص على توجيه رسائل مباشرة إلى المسيحيين العراقيين، دعاهم فيها إلى عدم فقدان الأمل، وإلى التمسك بأرضهم، مؤكدًا أن «الأخوّة أقوى من القتل»، وأن «السلام ممكن حتى بعد أقسى الحروب».
لقد شعر كثير من أبناء المدينة أن صوتهم، الذي ظل لسنوات حبيس التقارير المحلية وبيانات الإغاثة، وصل أخيرًا إلى منبر عالمي، وأن ما جرى لهم لم يعد شأنًا هامشيًا في بلد مثقل بالأزمات، بل جزءًا من مأساة إنسانية كبرى تستحق الإصغاء.
مع ذلك، لم تُقابل الزيارة بتفاؤل مطلق داخل برطلة. فبينما رأى فيها البعض نافذة أمل ودعمًا روحيًا كبيرًا، تعامل معها آخرون بحذر، معتبرين أن الرمزية وحدها لا تكفي لإعادة بناء ما تهدّم. فالكلمات، مهما بلغت قوتها، لا تعيد بيتًا مسروقًا، ولا توفّر عملًا لشاب عاطل، ولا تحسم إشكاليات السيطرة والسلاح والسلطة في سهل نينوى. هذا التباين في التلقي عكس حالة الانقسام الداخلي بين من لا يزال يؤمن بإمكان النهوض، ومن يخشى أن تتحول برطلة إلى رمز للذاكرة أكثر منها مكانًا للحياة.

بين الذاكرة والمستقبل

بعد سنوات على تحريرها من تنظيم داعش، لم تعد برطلة مدينة منكوبة بالمعنى المباشر، لكنها لم تتحول أيضًا إلى مدينة متعافية. فهي اليوم تقف في منطقة وسطى رمادية، بين ما استعادته وما فقدته، وبين ما يُقال عنها بوصفها قصة صمود، وما يعيشه أهلها فعليًا من قلق يومي وأسئلة بلا أجوبة. في هذا الواقع المعلّق، تتكشف صورة برطلة المعاصرة بوصفها مدينة تحاول أن تعيش، لا أن تحتفل بالنجاة.
برطلة ليست مجرد بلدة مسيحية في سهل نينوى، ولا مجرد ضحية أخرى من ضحايا العنف الذي ضرب العراق في العقد الأخير. إنها مدينة تحمل في طبقاتها تاريخًا يمتد لآلاف السنين، وتجربة إنسانية مركبة تختزل أسئلة الهوية، والانتماء، والبقاء. وما جرى لها منذ عام 2014 لم يكن حادثة معزولة، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة مكان صغير على الصمود في وجه التحولات الكبرى.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية