من كل نحو وصوب، تسمع تعبيرات قلق بسبب نية الولايات المتحدة خوض مفاوضات مع إيران. لا أشارك في التخوف من دعم ترامب اتفاقاً يعرّض دولة إسرائيل للخطر. ونقد ترامب اللاذع ضد الاتفاق الذي وقع عليه الرئيسان أوباما وبايدن قبل نحو عقد مع الإيرانيين نقد تعزز. وحتى عندما يستخدم بايدن وترامب التعبير ذاته فإنهما يقصدان نتيجة معاكسة تماماً.
“القوى العظمى لا تخادع!” – هكذا أوضح مسؤولون كبار في إدارة بايدن لإسرائيل، بمن فيهم الرئيس نفسه، عندما طالبناهم ببلورة تهديد عسكري مصداق ضد إيران، في ضوء تقدم برنامجها النووي. لم يكن هذا جواباً متملصاً؛ كان قولاً صادقاً وأصيلاً. فقد عكست أزمة قيادة أمريكية حرجة تشعر بواجب إحباط مساعي النظام الإيراني للوصول إلى قنبلة ذرية، لكنها مع ذلك لا تريد التورط في حرب لا داعي لها. هذا حرج نبع من الاعتراف بأن وصولهم إلى هدفهم مع الإيرانيين سيكون شبه متعذر مع مرور الزمن.
وهكذا، في أربع سنوات من ولاية بايدن، عبرت السياسة الأمريكية في موضوع إيران عن رسالة غامضة. من جهة، تعهد علني من الرئيس بأنه “لن يسمح لإيران امتلاك سلاح نووي”، مثلما في وثيقة “إعلان القدس” الذي وقعه الرئيس بايدن ورئيس الوزراء في حينه لبيد في أثناء زيارة بايدن إلى إسرائيل في تموز 2022. ومن جهة أخرى، اختيار الدبلوماسية مكبوحة الجماح وضابطة النفس التي فسرتها إيران بشكل واحد فقط: طالما كان تقدمها إلى سلاح نووي يتم بطريقة مقنونة وحذرة. ومثلما كان طريقها منذ البداية، فإن الولايات المتحدة لن تتخذ ضدها خطوات مغامرة أكثر مما ينبغي.
لقد كان كبار مسؤولي إدارة بايدن على قدر كاف من النزاهة ليعرضوا على إسرائيل نهجهم بالضبط كما هو، دون محاولة تجميله. في محادثات ولقاءات أجريتها كمستشار للأمن القومي مع نظرائي في البيت الأبيض في عامي 2023 – 2024، حدد الطرف الأمريكي هدفه بشكل مباشر وبوضوح: “No Deal, No Crisis – لا صفقة، لا أزمة”. بمعنى أنه وإن كانت أمريكا لا تعمل على العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه في عهد الرئيس ترامب، لكنها لن تبادر إلى أعمال تجرّ إلى أزمة جبهوية مع إيران.
لقد كانت المشكلة أن هذه السياسة التي كانت تحرص على ألا تتورط في أي ورطة غير مرغوب فيها، حققت عملياً المصلحتين الإيرانيتين المركزيتين في مسألة النووي: الرغبة في عدم تمديد الاتفاق النووي الذي تقترب نهايته، ومع انتهاء مدته تتحرر إيران من كل تعهد بشروطه. ثانياً، الرغبة في الامتناع عن أزمة تعرض استقرار النظام وبقائه للخطر.
لقد استغل الإيرانيون انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق لتجديد جمع اليورانيوم المخصب، ونصب آلاف أجهزة الطرد المركزي الجديدة في منشآت التخصيب، والتقدم أيضاً في مجال تطوير السلاح، وإذا كان ممكناً مواصلة ذلك دون أي عراقيل بدون “أزمة”، وهذا وضع أفضل للإيرانيين. في ضوء هذا الواقع، اقترحت إسرائيل على إدارة بايدن التنسيق معاً لبضع خطوات كإشارة مدوية لإيران – دون مستوى الأزمة – بحيث تعكس استعداداً لاستخدام القوة لضرب منشآت النووي. مثلاً، مرابطة طائرات شحن أمريكية بالوقود في قواعد سلاح الجو في إسرائيل. مثل آخر: الكشف عن تجارب تجريها الولايات المتحدة بفحص أهلية القذائف الخارقة للتحصينات المحملة في طائراتها.
إشارات من هذا القبيل وأشباهها كانت تستهدف المس بحكام إيران وبأنهم بقدر ما يرفعون مستوى رهانهم فإنهم يخاطرون برد حاد أكثر مما يتوقعوه. لكن جواب واشنطن كما أسلفنا: “القوى العظمى لا تخادع”. وبالترجمة للحياة العملية: “نحن غير معنيين بأن نعلق في أي مواجهة عسكرية في إيران، وإذا حاولنا أن نخلق مع إسرائيل أو بدونها استعراضاً معاكساً للقوة ولم تتراجع إيران فسنكون نحن من سيضطر للتراجع، وستكون إهانة ينبغي لقوة عظمى عالمية أن تتفاداها”. الرئيس ترامب هو الآخر يؤمن بأن قوة عظمى كالولايات المتحدة لا يمكنها أن “تخادع”. واضح له أيضاً بأن مصداقية القوة العظمى العالمية هي ذخرها الأغلى. لكن بخلاف بايدن، لا يخشى ترامب من وضع مصداقية سياسته قيد الاختبار. وهو بالذات استخدمها كرافعة وأداة تأثير على خصومه. ويختار عن وعي التعهد علناً بمواقف كفاحية، وإبداء ثقة ذاتية باردة بل ومبالغ فيها بدلاً من تقليص المخاطر خشية الحرج. إن معضلة كيفية التصدي لخطر المواجهة وثمنها ينقلها إلى ملعب أعداء أمريكا. بدلاً من أن تعذب القوة العظمى الأكبر في العالم نفسها في مسألة ما سيحصل إذا ما رفض خصمها الأصغر والأضعف الطاعة، يفرض ترامب هذه الترددات على الزعماء الذي يقرر مواجهتهم.
ممن تحدوا أمريكا، قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني، وأبو بكر البغدادي زعيم “داعش”. بعد أن عاد ترامب إلى البيت الأبيض لولايته الثانية، تبين أن ذاكرة طغاة عنيفين تميل للتشوش مع مرور السنين. قيادة الحرس الثوري وكبار العلماء الإيرانيين دفعوا الثمن بحياتهم على الاستخفاف الذي أبدوه تجاه الإنذارات التي أصدرها لهم ترامب في السنة الماضية. تجاهل مشابه من تحذيرات صريحة نقلت مؤخراً مقر رئيس فنزويلا مادورو من قصره الفاخر في كاراكاس إلى زنزانة نيويوركية.
الكثير من زعماء العالم يفهمون اليوم ما فهمه الرئيس ترامب منذ زمن بعيد: قوة عظمى تخشى وضع نفسها في وضع تكشف فيها خدعتها للعيان، تكشف عملياً بأنها لم تعد جديرة بادعاء قوة عظمى. وإذا كان هناك من يرفضون استيعاب ذلك، كما في طهران اليوم، فإن تصميم الرئيس ترامب سيوفر دليلاً آخر على أن القوى العظمى بالفعل لا تخادع.
تساحي هنغبي
يديعوت أحرونوت 6/2/2026