حالة من الجدل الشعبي، تعيشها مصر هذه الآونة، حول نية الرئيس عبدالفتاح السيسي، تجاه السلطة القضائية، كما حالة من الترقب المشوب بالحذر يعيشها القضاة أيضاً، في أعقاب ما أثير حول قيام القوات المسلحة، ممثلة فيما تعرف بالأكاديمية العسكرية، تولي عملية تعيينات وترقيات القضاة بدرجاتهم المختلفة، ما جعل القضاة ينتفضون من خلال ناديهم، معلنين الدعوة لانعقاد جمعية عمومية موسعة وعاجلة لمواجهة الموقف.
وبعد يومين صدر بيان يؤكد أن ترقيات القضاة تخصهم وحدهم، في إشارة إلى أن توافقاً مع السلطة تم التوصل إليه في هذا الشأن. رغم ذلك، مازالت الأزمة محتدمة في الوسط القضائي، مطالبين برفع يد القوات المسلحة عن القضاء ككل، في إشارة لما تم استحداثه أخيراً، من ضرورة اجتياز القضاة الجدد دورة تدريبية بالأكاديمية العسكرية، وهو الاستحداث الذي طال كل الفئات والوظائف في مصر تقريباً، حسب تصريحات السيسي الأخيرة، بمن فيهم الوعاظ وخطباء المنابر بالمساجد، ما أثار امتعاض الشارع ككل، خصوصاً بعد أن تم رفض تعيين 179 منهم بسبب السمنة، أو زيادة الوزن، في سوابق غريبة شكلاً وموضوعاً، تتعلق بمهن لا تطلب قفزاً في الهواء، أو مجرد لياقة عالية.
ورغم أن القضاء في مصر متهم شعبياً طوال الوقت، بأنه موال للنظام، أي نظام، إلا أن الأنظمة المتعاقبة لا تألوا جهداً عن محاولات إخضاعه لمزيد من السيطرة والتبعية، ما يسفر عن أمرين غاية في الخطورة، أحدهما تلك الفجوة مع الشعب، أو عدم الثقة، والثاني هو الصدام مع النظام، حتى لو كان ذلك من خلال قطاع محدد، داخل الوسط القضائي، يتسم بالنزاهة والشفافية، وما أكثرهم في كل العصور، ذلك أن تاريخ فئة القضاة حافل بالدفاع عن العدالة والقانون وإعمال الدستور، ناهيك من المواقف الوطنية والثورية، وهو ما لا يمكن إغفاله.
لا يمكن النظر إلى القضاء أو القضاة في مصر، بمعزل عن كل محاور الحياة السياسية والاجتماعية ما يؤكد أن النهضة السياسية والاجتماعية، إن لم تكن شاملة جامعة، فإنها لن تحصل على أي امتيازات
المؤكد أن مصر، منذ عام 1952 حتى الآن، ومع تعاقب رؤساء الدولة، تعيش حالة متكررة من الديكتاتورية، ممثلة في محاولات الانفراد بالسلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وكان القضاء بالضرورة في مقدمة المضاربين منها، إلا إنه عاش فترة حالكة السواد في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، عندما ضاق بالقضاة ذرعاً، فأطاح عام 1969، من خلال قرارات عزل، شملت أكثر من مئتي قاضياً، وهو ما يعرف بـ(مذبحة القضاة) بتهمة العداء للنظام، وكانوا من مختلف الدرجات الوظيفية، بينهم رموز مشهود لها، وذلك في إطار الصراع بين النظام السياسي، ونادي القضاة، المدافع دوماً عن استقلال القضاء، وما زالت هذه القرارات، أو تلك المذبحة، تلقي ظلالها المخيفة حتى اليوم، على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، باعتبارها الواقعة الأولى من نوعها في التاريخ المصري، التي استهدفت، جهاراً نهاراً، إخضاع السلطة القضائية، من خلال تصفية المستقلين، أو الشرفاء.
أما في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، فقد أعيد للقضاء هيبته في البداية، من خلال إعادة القضاة المفصولين، والعودة لانتخابات نادي القضاة، ثم ما لبثت أن تدهورت العلاقة، بإنشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية، الذي استهدف تعزيز سيطرة السلطة التنفيذية على القضاة، من خلال وزارة العدل، إضافة إلى الصدام مع مجلس إدارة نادي القضاة المنتخب، واستبداله بمجلس تابع، من خلال ترشيح موالين للسلطة، ثم حاول السادات فرض المزيد من عملية تقييد القضاء، بإنشاء محاكم استثنائية مثل، إنشاء جهاز المدعي الاشتراكي، وإصدار قانون حماية القيم من العيب، واستحداث محكمة القيم، وهو ما رفضه القضاة أيضاً. في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، صمدت العلاقة الودية بين السلطتين التنفيذية والقضائية أطول فترة من الوقت، حتى جاءت انتخابات البرلمان عام 2005 لتكشف هشاشة هذه العلاقة، بعد أن جهر بعض القضاة بمحاولات الأمن تزوير الانتخابات، ما دعا الحكومة إلى التقدم بقانون جديد للسلطة القضائية عام 2006، من شأنه الحد من استقلال القضاء، فكانت النتيجة صداماً حاداً مع ما يسمى تيار الاستقلال داخل النادي في تلك الفترة. وتقدم القضاة بقانون مضاد، بالتزامن مع احتجاجات سلمية، واجهتها الجهات الأمنية بعنف شديد، تم خلاله حصار مبنى نادي القضاة، وتحويل عدد من منهم إلى التحقيق بنيابة أمن الدولة ولجنة الصلاحية، ما أثار معظم القضاة، وسط تضامن شعبي منقطع النظير في ذلك الوقت، ودعا وزير العدل، المستشار ممدوح مرعي آنذاك، إلى التنكيل بعدد من القضاة، خصوصاً أنه جاء في أعقاب إقالة الوزير محمود أبوالليل، الذي وافق رسمياً، بخطاب تاريخي، على إلحاق التفتيش القضائي، والموازنة العامة، بمجلس القضاء الأعلى، بدلاً من وزارة العدل، فأثار بذلك غضب القيادة السياسية، التي تجاهلت تلك الموافقة. بعد أحداث 25 يناير 2011، استبشر المواطن المصري خيراً، باعتبار ما حدث ثورة على الديكتاتورية والفساد في المقام الأول، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، بفصل عشرات القضاة، بعد إحالتهم إلى مجلس التأديب والصلاحية، لمحاكمتهم بتهمة مخالفة قانون السلطة القضائية والاشتغال بالسياسة، عبر توقيع نحو 75 قاضياً على بيان يندد بالإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، معتبرين أن ما حدث في الثالث من يوليو 2013 هو استيلاء على السلطة بالقوة، مطالبين بالعودة إلى الشرعية الدستورية، وبذلك بدأت فترة حكم السيسي بأزمة مع قطاع عريض من القضاة، منذ اليوم الأول لاعتلائه السلطة.
وفيما بدا أنه استقرار هش للأوضاع في مصر، أمنياً، وقضائياً، وإعلامياً، وحتى شعبياً، يخفي تحته كثير من الدخان، إن لم يكن النيران، فإن أوضاعاً غير طبيعية تزداد سخونة، دون أي محاولات للتصحيح، بعد أن آثرت الغالبية الخضوع والخنوع، لأسباب تتعلق بالسطوة الأمنية، حتى إن حكماً قضائياً صدر من محكمة جنايات المنيا، عام 2014، بإعدام 529 شخصاً دفعة واحدة، بتهمة اقتحام مركز شرطة، ولم يستغرق نظر القضية سوى جلستين، لم تتجاوز الأولى منهما 20 دقيقة، في سابقة هي الأولى من نوعها، لم تستمع خلالها المحكمة إلى الدفاع أو الشهود، بل إن هيئة الدفاع قامت برد المحكمة (الطعن في صلاحيتها) دون جدوى، وهو ما رأى فيه المراقبون حالة من دخول القضاة بيت الطاعة الرسمي. استمر وضع القضاء على هذا النحو، بنماذج صارخة، ما بين أحكام مثيرة للجدل، وحبس احتياطي أكثر إثارة، وغير ذلك من ممارسات، إلى أن اتجهت الأنظار للقضاء أخيراً، كسلطة مستهدفة بمزيد من التقييد، إلا إنه لم يجد ظهيراً شعبياً هذه المرة، على عكس المرات السابقة، بل إن المتابع لحالة الشارع، كما «السوشيال ميديا» سيكتشف أن هناك حالة تشفي في السلطة القضائية، تدعو إلى مزيد من الإجراءات نحوها، خصوصاً ما يتعلق منها بأولوية تعيين أبناء القضاة في السلك القضائي، في إطار عملية توريث للوظائف العليا، متعارف عليها، ليس في الأوساط القضائية فقط، بل في قطاعات الشرطة والجيش والأكاديميين بالجامعات، وغير ذلك من المهن السيادية بشكل خاص. ولأن القضاة يخوضون معركتهم مع القيادة السياسية حالياً، منفردين، دون دعم شعبي ولو ضئيل، أو حزبي من هنا أو هناك، أو حتى برلماني نتيجة سيطرة النظام على تشكيل البرلمان، فسوف يصبح موقفهم ضعيفاً في التفاوض، في غياب إعلام حر، يتبنى وجهة نظرهم، خصوصاً أن كل محاور السياسة والإعلام في مصر، قد دخلت بيت الطاعة مبكراً، ولن يتم السماح أبداً للقضاء بالتمرد على هذه المنظومة، التي تبدأ من التدريب بالأكاديمية العسكرية، وتنتهي بالإقصاء المبكر.
لا يمكن النظر إلى القضاء أو القضاة في مصر، بمعزل عن كل محاور الحياة السياسية والاجتماعية، مما يشكل الوجدان المصري، ومسار المستقبل بشكل عام، وهو ما يؤكد أن النهضة السياسية والاجتماعية، إن لم تكن شاملة جامعة، فإن أياً من محاورها لن يحصل على أي امتيازات منفرداً، خصوصاً مع انكفاء كل فصيل على نفسه، دون أدنى تنسيق بين أي منها، لأسباب تتعلق بفقدان الثقة بين بعضها بعضا أحياناً، وهو ما نجح فيه النظام السياسي، وإيثاراً للسلامة، خوفاً من البطش والتنكيل في معظم الأحيان، والذي هو سمة المرحلة.
كاتب مصري