هذه هي المجموعة السادسة للشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب، بعد «جغرافيا الريح والأسئلة»، 1986؛ و«دفتر الأحوال والمقامات»، 1987؛ و«سيرة العشب»، 1997؛ و«ظل الليل»، 2010؛ و«مطر سرّي»، 2016. وللشاعر مسرحية بعنوان «بياض أعمى»، 1993؛ ومجموعة المقالات «ثمرة الجوز القاسية»، 2007.
وفي سنة 2012 فاز أبو شايب بجائزة محمود درويش للإبداع، وجاء في بيان لجنة التحكيم: «ينتمي الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب إلى قلّة من الشعراء العرب المعاصرين الذين امتلكوا سمات أسلوبية نوعية تعزّز صوته الخاصّ بين أقرانه، وترقى به إلى تشكيل تجربة متجددة لا تنفصل عن أرقى تقاليد الكتابة الشعرية العربية، ولا تنعزل عن تفاعلاتها معاً في آن».
كما قالت فقرة أخرى: «وإذا كانت فلسطين لا تحضر في معظم قصائد أبو شايب على نحو مباشر أو سياسي أو خطابي، ولا على نحو ملحمي أو أسطوري أو تجريدي، فذلك لأنّ ما يحضر في المقابل، ويمتزج في صياغات مركبة آسرة، هو قِيَم الوجود الفلسطيني ذاته، في جوانبها الإنسانية والشعورية والحضارية والإبداعية، وفي ما تستولده من ثقافة مقاومة وحسّ بقاء ونزوع ارتقاء، على أرض الفلسطيني، في تاريخه وجغرافيته وفضائه، وداخل كينونة وطنية عبقرية، غير منفصلة عن أبعادها الكونية. وهذا ما ظلّ الراحل الكبير محمود درويش يحثّ الشعراء الفلسطينيين الشباب على مقاربته وتطويره، ورأى في تجربة أبو شايب مستوى عالياً من تحقق ذلك المسعى الجمالي والثقافي الكبير».
المجموعة الجديدة هذه، «تاريخ العطش»، تتضمن 64 قصيدة، متوسطة الطول إجمالاً؛ تتوزع على خمسة أقسام: «يسير داخل نفسه»، «قلبُكَ يا نبع»، «لو أنني مطر»، «حفيد الماء»، و«دفتر الأحوال والمقامات». والأرجح أنها، وكما يقتضي منطق التجدد المطّرد على امتداد مجموعات الشاعر، ذروة رفيعة أخرى تكرّس المزيد من عناصر ارتقاء المضامين واستكشاف الأشكال، في تجربة شعرية عالية التفرد والتميّز.
هنا قصيدة «مطرٌ مؤجل»:
«لماذا أنتِ
يا حلم الفراشة في منام الورد؟
ألم تكن الطريق قصيرة بين الهوى والوجد؟
ألم أكُ شاعراً ذبلانَ قبلكِ،
ناشفاً في البَرْد؟
وكنتِ مجرّد امرأة،
وايس هناك شيء بَعْدّ؟
كأني لم أحبّ
ولم أجد في الحبّ غير الفقدّ
أنا المطر المؤجل دائماً،
وأنا حفيد الماءْ
مررتُ ولم أجدكِ،
وعدتُ مهزوماً إلى الصحراءْ
وكنتُ أرى النساء على كثيب الرملِ
محضَ نساءْ
ووحدكِ، فجأة، غيّرتِ في المعنى وفي الأشياءْ
كأنكِ أنتِ حارسة الكروم
وروحها الخضراءْ
سأنسى اسمي
لكي تتذكري ليِ اسمي وما أمسى
سأنسى أين كبكبتُ الظلالَ
ولم أصِرْ شمسا
سأنسى فيكِ ذاكرتي
وأنسى أنني أنسى
سأنسى كلّ شيءٍ:
راحتي،
وأصابعي الخمسا
كأني لن أصبّ الراحَ بعدُ
وأقرع الكاسا».
الأهلية، عمّان 2025