دوخي – تقاسيم الصبا

في روايته الجديدة «دوخي تقاسيم الصبا» يكتب طالب الرفاعي سيرة مبدعة عن عوض دوخي، أحد رواد الغناء الحديث في الكويت، وكان ابتدأ مسيرته من البحر وهو طفل، بعد وفاة والده النهام، أي مغني البحر، وهو شخصية مهمة في عمليات صيد اللؤلؤ قديما، حيث يردد ما يسمى بالنهمة، التي تعادل في تأثيرها عملية الغوص نفسها لاستخراج المحار الذي قد يحتوي على اللؤلؤ.
دوخي تحمل عبء العائلة، التي تركها والده ورحل باكرا، عمل تبابا أي غواصا في البداية، ثم كبر وكبر صوته وكبر صيته في التراث الغنائي الكويتي، ورحل صغيرا نسبيا وقبل أن يتحقق الكثير من أمنياته.
المشهد الأول في رواية طالب، ينفتح على هدير الريح، ومغن عظيم يحتضر وسط أهله. الطبيب يراه، لكن لا يبدو واثقا من حالته، وواثقا من عدم جدوى أي علاج في حالته، يتركه بعد أن يطلب من أهله نقله في الصباح لغرفة العناية المركزة في المستشفى، والحقيقة من ناحية طبية، فإن النقل للعناية المركزة، يحدث فورا في حالة احتياج المريض لها، لكن كما يبدو، هي ذريعة هنا، بأن لا شيء في العناية المركزة سيعيد المريض إلى الحياة.

دوخي راقد على الأرض في شبه غيبوبة، إنها ليست غيبوبة شخص يحتضر فقط، لكنها انتصار لوهن الجسد على سطوة الإبداع، هو يود أن يقول شيئا لكن الكلام متوقف تماما، الصوت الشجية نبراته، إما أنها ترتاح انسياقا للوهن، أو تمزقت تماما، الأهل حاضرون، الأم، الزوجة الأخت أم بدر. التي يحبها كثيرا، الأخ يوسف وإخوته، وابن الخالة عبد الله، الذي رافق الطفولة والصبا والشباب، والآن يرافق الوهن الأخير.
في لحظة الموت دائما، لا يفكر المرء في مباهج الحياة، التي سيتركها من خلفه، ولكن يفكر في من رحل من أهله وأحبابه وغالبا يحس ببعض الفرح إنه لاحق بهم، حين يأتي اليقين وتصبح الطريق إلى النهاية واضحة، لا أحد يجزع أو يرتبك، هو يطالب بأعلى قدر من السكينة، وعند المسلمين نجد القرآن حاضرا وشاهدا على الرحيل وينطلق صوت القارئ من جهاز تسجيل موجود في الغرفة.

عبد الله يروي عن الطفولة، يدخن ويتحدث ويتشوق لمعرفة ما يمكن أن يقول المغني، لكن المغني لا يقول شيئا، هو يبدو متحمسا لقول شيء، لكن لا يقول شيئا، هو ينتظر نهاية القصة، مثلما ينتظر الجميع، الذين يدخلون الغرفة ويخرجون، والذين يبكون في الخارج، والذين لا يقدرون على التفكير في النهاية، كان عوض دوخي مريضا جدا، هو مريض منذ سنوات، أهلكه المرض، وسافر إلى الخارج للعلاج، وعاد ليحتضر ذلك الاحتضار المؤثر، حيث يصف طالب لحظات قاسية بلغة مؤثرة حقا، هي لغة تلك اللحظات بامتياز.
الرواية تتعدد فيها الأصوات، المغني يروي سيرته، وطبعا لا يرويها في لحظة احتضاره، وإنما ترد سيرته، كلما غاب المشهد قليلا وعاد إليه، عبد الله يروي، وآخرون يروون قليلا، ونجد الرواية في مجملها روايات متماسكة، تجمعت وكونت نسيج الرواية الكبرى، أي تقاسيم الصبا.

ولأن سيرة دوخي، مرتبطة برباط وثيق بسيرة الكويت الدولة، والمجتمع، فإنها امتلأت بثقافة شعبية، ليس من السهل الإلمام بها، وأظن الكاتب أراد أن يضخ هذه المعرفة إلى القارئ، وهذا بالضبط ما ننادي به في الرواية، وهو اكتساب المعرفة، وضخها للقارئ، وبذلك يتحقق شيء من أهداف الكتابة. نحن هنا نتعرف أولا على الحياة في «الفرجان» القديمة، قبل ثورة النفط، حياة بسيطة، فقيرة، تعتمد بشكل أساسي على البحر، البحر لصيد السمك، ولصيد اللؤلؤ الذي هو عماد التجارة، والبحر لمناجاته والتغزل به، وللنزهات بقربه. وصيد اللؤلؤ ليس عملا سهلا، ولكنه مغامرة كبرى، يخوضها شباب العوائل الفقيرة، وأرباب البيوت، من أجل الحياة، هناك بحارة أو غواصون ينزلون البحر جوعى ليصطادوا المحار، هناك مساعدون يهيئون لهم الظروف، هناك قائد أو نوخذة، يمتلك زمام الأمر في السفينة الشراعية، ثم هناك الطواش، أو تاجر اللؤلؤ، الذي لا يقرب البحر، لكن مغامرة البحر تصب في دكانه، والكل يعمل وفق نظام دقيق.

عوض دوخي سار في هذا الطريق، هو من أسرة تحب الغناء، كان الجد نهاما، والأب نهاما، وعبد اللطيف، الأخ الأكبر، يعزف على العود ويغني، والحياة لا بأس بها في زمن كانت الحيوات هكذا في كل مكان، كثير من البساطة، كثير من الفقر، وكثير من السعادة، لكن عوض مريض، ويحتضر، والمشهد ينغلق ويعود إليه، ولعل تسمية فصول الرواية، بالمشاهد، كانت أصدق، فنحن نتابع مشاهد متعددة، وفي الوقت نفسه، مشهد واحد، يتمدد إلى مشاهد، ويعود مشهدا، مؤثرا وحزينا.
من الأشياء التي وردت في سياق طفولة عوض، ذهابه إلى جلسة» قادرية»، ستعقد لإخراج الجن من جسد فتاة مسكينة، هذا المشهد الذي وصفه الراوي، هو بالضبط المشهد الذي يتكرر في كل دول العالم الفقير. أشخاص يؤمنون بخرافة أن يسكن الجن جسد أحد، ثم يأتي شيخ لإخراجه، بترديد عبارات معينة، وقد ينهض المريض، بإيحاء نفسي أن الجن خرج منه. هذا يشبه « الزار» عندنا في السودان، الطقوس نفسها تقريبا، النساء الملتمات نفسهن، والشيخ الذي يتولى زمام الأمور، وهنا كان من يفعل ذلك امرأة.
عموما سيرة دوخي، التي كتبها طالب الرفاعي، واهتمت أكثر بطفولته، وموته، كانت مبدعة، ومكتوبة بحنكة، وكما قلت، حوت كثيرا من المعلومات، التي يحتاجها القارئ الجيد من أجل فهم جيد لتصور الحياة في مكان لا يعرفه، وأظنها نموذج جيد للسيرة التي لا تكتب حرفيا، ولكن ببعض الإضافات الإبداعية، التي لن تؤثر سلبا في سيرة أحد.

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية