بغداد ـ «القدس العربي»: حذّر الخبير الاقتصادي العراقي منار العبيدي، أمس الثلاثاء، من أن العراق لم يعد في مرحلة التحذير أو الاستشراف للأزمة الاقتصادية، بل بات «في قلب العاصفة ذاتها»، مؤكداً أن المعالجات الترقيعية والمسكنات الوقتية لم تعد مجدية، وأن الأمور خرجت عن السيطرة.
وقال في إيضاح له، إن «السؤال الجوهري لم يعد: هل هناك أزمة؟ بل: ماذا بعد الإعصار؟ وماذا بعد الطوفان؟»، مشيراً إلى أن «هذا الامتحان القاسي سيكشف قدرة العراق على تجاوز محنته، فإذا تمكن من الحفاظ على وحدته وتماسكه الاجتماعي فذلك يعني أنه أقوى من التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها، أما الفشل في تجاوز هذه المرحلة فينذر بانهيار اجتماعي خطير وتفكك في النسيج الوطني، وقد يمتد إلى أبعاد أمنية».
وأوضح أن «الواقع يشير إلى أن الأزمة تجاوزت قدرة المؤسسات الرسمية وحدها على الاحتواء والمعالجة، وأصبحت مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الجهات المؤثرة في المجتمع»، مرجعاً السبب الجوهري لذلك إلى «فقدان الثقة بين الدولة والمواطن، وهو التحدي الأكبر أمام أي مسار إصلاحي حقيقي».
وأضاف أن «الرابط شبه الوحيد اليوم بين المواطن والمؤسسات الرسمية هو القدرة على الإيفاء بالالتزامات المالية الآنية، بينما سيُقابل أي حديث عن خطط مستقبلية أو إصلاحات هيكلية عميقة تتطلب عمليات جراحية مؤلمة بغضب ورفض شعبي واسع، طالما لم تُستعد الثقة أولاً».
وأشار إلى أن «الاستمرار في النهج القائم على استنزاف الموارد الحالية والمستقبلية لتأمين خيط رفيع من الاستقرار يقترب من نهايته»، مؤكداً أن «القدرة على الاستمرار بهذه الطريقة بلغت مراحلها الأخيرة».
وشدّد على أن «لا مخرج حقيقياً من هذه الدوامة إلا عبر المصارحة والشفافية المطلقة، بدءاً من فتح ملف الموازنات العامة منذ أول موازنة بعد 2003 وحتى اليوم، مروراً بإعادة فتح جميع ملفات الفساد دون استثناء، وكشف أين صُرفت الأموال العامة وأين ذهبت، ومحاسبة كل من قصّر أو تهاون بها».
أكد أن المعالجات الترقيعية والمسكنات الوقتية لم تعد مجدية
ولفت إلى أن «تقليص نفقات الدرجات العليا والامتيازات الممنوحة للمسؤولين، حتى وإن لم يشكّل حلاً مالياً جذرياً، يمثل خطوة معنوية بالغة الأهمية تسهم في تقليص الفجوة بين المجتمع والسلطة، وتعيد جزءاً من الثقة المفقودة».
وختم العبيدي بالتحذير من أن «محاولة تخدير الشارع أو الإيحاء بعدم الحاجة إلى إصلاحات حقيقية أو الترويج لإمكانية تسديد المستحقات كاملة وفي مواعيدها دون كلفة، ليست سوى تضخيم لفقاعة مؤجلة الانفجار»، مؤكداً أن «كل فقاعة، مهما طال زمنها، مصيرها الانفجار، وعندها ستكون العواقب وخيمة ولا يُحمد عقباها».
وتحاول الحكومة اتخاذ إجراءات من شأنها تقليل الإنفاق وتأمين السيولة المالية، غير أنها تواجه رفضاً شعبياً، بكونها تمس بشكلٍ أو بآخر المواطن.
وكان الحزب الشيوعي العراقي، قد سجّل اعتراضه على ما وصفه «المساس بقوت الشعب»، مطالباً بإلغاء جميع القرارات الحكومية بهذا الصدد.
وقال المكتب السياسي للحزب في بيان صحافي «اتخذت حكومة تصريف الأعمال عدداً من القرارات التقشفية التعسفية، في وقت يواجه فيه العراقيون عموماً، ولا سيما الشرائح ذات الدخل المحدود والكادحين، أوضاعاً معيشية قاسية، وارتفاعاً متزايداً في كلف تأمين المستلزمات الأساسية اليومية المرتبطة بالصحة والكهرباء والتعليم والغذاء. وكان آخر هذه القرارات إلغاء مخصصات شريحة حملة الشهادات العليا من الموظفين في القطاع العام».
وأضاف: «إننا نجدد موقفنا الرافض لأي إجراء من شأنه المساس بقوت العراقيين وسبل عيشهم، وندعو إلى تعزيز التضامن الشعبي مع التحركات الاحتجاجية السلمية التي باشرت بها هذه الشريحة، ونؤكد وقوفنا الكامل إلى جانبها. فهذه الإجراءات لا تمثل إصلاحاً حقيقياً للمنظومة الاقتصادية، بل تشكل مقدمة لسياسات تقشفية تُحمَّل أعباؤها للمواطن، لا للجهات المتسببة بالأزمات».
وأكد البيان أن «صرفيات النثريات غير الضرورية لمكاتب الرئاسات الثلاث والمناصب العليا الأخرى تعادل، إن لم تزد، قيمة المبالغ التي يجري استقطاعها من هذه الشريحة المتضررة».
وفي الوقت ذاته، حمّل الحزب «أي جهة رسمية تحاول منع هذا الفعل المطلبي المشروع، أو استغلاله لتمرير أجندات سياسية تهدف إلى زيادة الضغط في مفاوضات تشكيل حكومة المحاصصة المقبلة، المسؤولية الكاملة عن الفشل الحاصل. كما نطالب أي حكومة بالإعلان الواضح عن برنامجها الوزاري، لوضعها أمام مسؤولياتها في تلافي هذه الأزمة الكبيرة».
وجدد مطالبته بـ «إلغاء جميع القرارات التي اتخذتها هذه حكومة تصريف الأعمال وتمس حقوق الموظفين، والبدء بإصلاحات اقتصادية حقيقية تُقلِّص المخصصات الكبيرة والعالية للرئاسات الثلاث وكبار الموظفين، والعمل الجاد على كشف ملفات الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، ومحاكمة الفاسدين من ناهبي المال العام».