لكلّ زمان ضربٌ من المِحنَة سببها طغيان الحاكم الظالم، يرزح تحت ذلّه الجميع، ويترك آثارا عميقة في المكان، شأنه شأن زلزال يأتي على الإنسان والزرع والضرع، فلا ينجو كائنٌ أو حتى جماد من الهلاك، أو من السَحْق والتحطّم.
خلال الثورة الثقافيّة (1966 ـ 1976) دمّر الحرس الأحمر الموالي للزعيم الصيني ماو تسي تونغ كلّ ما يتعلق بالماضي في الحياة الصينيّة، المطمحُ هو تقويض وطمس ما يعود إلى الأنظمة التي حكمت في السابق، من أجل أن تترسّخ سلطة الزعيم كليّا، وتكون دمغةُ حكمه ثابتة، وتتمدّد في اتجاه المستقبل، والماضي أيضا. هل كان الرجل مشوّش الذهن حين فكّر في ما هو مقدم عليه؟ لقد أمر شعبه أن ينسى تاريخه مرّة واحدة، وإلى الأبد، بما فيه من أفكار وثقافة وعادات وتقاليد قديمة؛ مجموع ما يُدعى ب»الأربعة القديمة»، أي الشفرة الوراثيّة للمجتمع، أو (الدي أن أي) الخاصّ به.
إجبار المواطنين وقهرهم على نزع ما يجري في دمائهم، وتطهيرها من روائح الماضي، يؤدي بهم إلى أنهم «يتذكرون دائما أن ينسوا»، بتعبير المؤرخ والسياسي الأمريكي تشارلز هندرسن (1860 ـ 1937)، وتكون النتيجة أنه لن يغيب شيء عن بالهم، أي أن الفعل سوف يؤدي إلى ردّة فعل أقوى. وهذا ما حدث بالفعل، رغم سياسة الرعب والترهيب التي استعملها الزعيم الصيني، جالبا الدمار والموت لشعبه، أو بالأحرى إلى نصف شعبه، لأن النصف الآخر كان يهتف له، وهو يقوم بالمجازر والفظائع. أثبتت الأحداث التالية أن الثورة الثقافية عبارة عن كتلة وهم هائلة، ولا شيء غير ذلك. حتى التفاصيل الدقيقة في الديانة البوذيّة، وتعاليم كونفوشيوس، بالإضافة إلى تقاليد الحياة الموروثة، عادت كلها بعد وفاة ماو، بل إنها صارت أقوى بكثير وأمتن، كأن دماء المقتولين والمعذّبين لم تسِلْ هدْرا، وتحوّلت إلى سماد امتصّته جذور الشجرة ذات الأغصان الأربعة، والتي حاول الزعيم الصيني اقتلاعها. يمكننا القول إذن إن السبب الرئيسي في نهضة الصين الحديثة، هو ردة فعل المجتمع ضدّ تلك الثورة، وليست الثورة في حدّ ذاتها.
من سمات المجتمع الحيّ أنه يُعيد النظر في حاضره في كلّ حقبة زمنيّة، وإلا أصابه الجمود، وما يتبعه من ركود وتأخّر عن دورة الحياة، أما الماضي البعيد والقصيّ فهو ثابت كاللوح المحفوظ، ولا يمكن التفريط فيه بأيّ صورة كانت. بالنسبة إلى هذا الجزء من البلاد، الذي يُدعى الآن (كردستان العراق)، قامت سياسة الحكومة السابقة على التنكيل بشعبه وسرقته، ومحاولة إخضاعه واستعباده، بالإضافة إلى إلغاء تاريخه، أو تشويهه وتزويره. يمكن مناظرة الثورة الثقافيّة للزعيم الصيني، بال(ثورة البعثية) التي قام بها النظام السابق، من ناحية الوسائل لا الغايات بالطبع؛ فالأول هدفه تأسيس بلد صناعيّ حديث ومتطوّر، بينما الحال بالنسبة إلى حزب البعث مختلفة تماما، فقد استحوذت على أذهان رئيسه وأعضاء الحكومة فكرة عسْكرة المجتمع، من أجل أن تتقاتل مكوّناته مع بعضها بعضا، الأكراد ضدّ العرب، والعرب ضد العرب، والأكراد في ما بينهم، ليتشكل في النتيجة من هذه الخلطة الغريبة جيشٌ مهلهل الصفات، يستعمله رئيس البلاد في تنفيذ مغامرات عاثرة واحدة تلو الأخرى، منفردا في حكمه، ومحاطا بما يُدعى أعضاء قيادة يُباركون له ولأخطائه، بسذاجة وخضوع وخنوع عجيب. انتهى كل هذا وصار من الماضي الذي لا يُريد أن يذكره أحد، فهو بالتالي لا يدخل ضمن تاريخنا الطبيعي، وهذا يختلف بصورة جوهرية عن التاريخ السياسي؛ الأول هو الفعّال والباقي، إذ تجري فيه وتغذّيه الأربعةُ القديمة التي مرّ ذكرها، تنقل شفرته الوراثية عبر الأجيال، بينما تصنع الحروب والمآسي التي يقوم بها الطغاة، تاريخا عادة ما يكون بائسا وقصير الأمد، تزول آثاره من الواقع حتما، عندما ينبذه الناس وينسونه بمرور السنين.
يوصف الأكراد بأنهم أصدقاء الجبال، لا يعيشون الا في ظلال أحجار سامقة. يقول محمود درويش، ولسان حال كاتب السطور يجري معه: «لا يملك الأكراد سوى الشموس والرياح والصخور والجبال، ومع ذلك، فإنهم لا يتركون الجبال، وأنا لا أستطيع أن أترك الأكراد». للروائي الفرنسي جوستاف فلوبير تُنسب هذه الكلمات المشعّة: «الموطن الحقيقي هو البلد الذي أحبّهُ، البلد الذي أحلمُ به وأنشدُه، وحيث أشعر بالانتماء وبأنني في أفضل أحوالي».
ثلاث محافظات رئيسية؛ أربيل والسليمانيّة ودهوك، هي مجمل إقليم كردستان العراق، وفي النيّة تحويل بلدة حلبجة، التي قام النظام السابق بقصفها بالسلاح الكيمياوي عام 1991، إلى محافظة رابعة. أربيل هي المدينة الأهمّ، لأنها العاصمة أولا، ويُشير تاريخها الطبيعي إلى الآلهة الأربعة «أربعة إيلو»، حارسات البوابات الأربع في التاريخ القديم، أي قبل نحو 7000 عام، ومنها جاء اسم المدينة: «أربيل»، أو «هولير» باللسان الكردي. في تلك العهود كان بإمكان هذه الحاضرة أن تختصر الكون، والعالم دائم التغير ودائم التكرار في آنٍ. تكبر البلدان وتتمدد نتيجة للصراع بين التاريخين الطبيعي والسياسي، كما أن لدورات الزمان نصيب في هذا الخضمّ، إذ ربما تَهيّأ للبلد نسقٌ من نظام للحكم، تمكّن الشعب بواسطته من تحريك جمرات النار في الرماد، فيستعيد التاريخ حرارته الأولى، بعد أن برد وكاد يكون نسيا منسيّا.
التقاليد القديمة عظيمة، والانفتاح على الخارج عظيم أيضا، كما أن النجاح في الحياة يتطلب الكثير من الكفاح، وصلابة النفس والقدرة على المطاولة. من يزور إقليم كردستان اليوم يستطيع التحقّق من أن الحب ينتصر، في الدورة الكبرى في الحياة، على العنف والكراهية. في كل شارع وزقاق من عاصمة الإقليم، يشعر المرء بشيء من النشاط يُصارع السكون الذي يطبع بقية مدن العراق، وفي هذا نوع من الإزاحة والكشف في دنيا السياسة. النظر إلى المستقبل سهل هنا، مع إمكانيّة التطلّع إلى الآثار العظيمة للحضارة، بل إن المدينتين الرئيستين، أربيل والسليمانيّة، صارتا ملاذا للعراقيين والعرب، يقصدون أيّا منهما في حالة طلب العلاج والنقاهة، بالإضافة إلى السياحة أو حتى السكن الدائم. يقول صاحب المثل: «إذا كنت في غير أهلك فلا تنسَ نصيبك من الذلّ». تبعا لسيادة القانون، والظروف الأمنيّة الملائمة، وغير ذلك مما يتطلبه العيش في المدينة في هذا العصر، يشعر العراقيون العرب أنهم يعيشون بين أهلهم في ظلال حكومة الإقليم، فإذا عادوا إلى ديارهم، ربما شعروا بالنقيض من ذلك، رغم قلة الموارد المالية المخصصة، قياسا بما تحصل عليه الحكومة المركزية، المسؤولة عن وسط وغرب وجنوب البلاد. بصريح العبارة، ودون مغالاة أو شطط في الكلام، أصبحت النهضة التي يعيشها الكرد في موطنهم، حلما لبقية العراقيين بعيد المنال. من ناحية أخرى، فإن هذا الجزء من العراق، محاط بالألغام من كل جهة. التوازنات الدولية صعبة للغاية في عصرنا، مثلما هي في كل عصر، والإنسان ذئب في عالم السياسة لأخيه الإنسان، والذئبُ «يستخبِرُ الريحَ إذا لم يسمعِ»، كما يقول الشاعر. إذا فَتَرتِ الجهود المبذولة فهي عقيمة وجرداء وقصيرة الأمد، وتكمن المخاطرُ عندها في كلّ منعطف.
يأتي إلى إقليم كردستان اليوم الأكاديميون والفنانون والحرفيّون من جميع الجهات، والمستثمرون ورجال الأعمال. هل نستطيع القول إنه صار إقليما كوزموبوليتانيّا، أي كونيّا ينتمي إلى العالم أجمع لا إلى الأكراد وحدهم، وكلّ هذا حصل في زمن قصير لا يتعدى عقدين أو ثلاثة؟
لدينا تاريخان؛ طبيعي وسياسي، إلا أن حاضر البلاد يصنعه ما يمكن أن ندعوه «التاريخ الجمعي»، يتشكل من السيرة الذاتية لجميع المواطنين؛ الكرد والعرب والأجانب المقيمين والسياح، يتركون علاماتهم في ما يخصّ استمرار الحياة وتطورها.