هل يواصل الذهب كسر الأرقام القياسية عام 2026؟ نعم… ولكن!

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

تظهر الحقائق اليومية في أسواق الذهب العالمية أن التغيرات في الأسعار لا تعكس فقط عوامل وقتية أو محركات اقتصادية عادية تتعلق بطبيعة وكمية العرض والطلب. ولا يستطيع أحد تفسير ما يحدث باستخدام منهج التحليل الفني للعرض والطلب. ولهذا السبب يلجأ الخبراء في الوقت الحالي إلى استخدام نهج متعدد المحاور والطبقات، يتنقل بحرص بين قياس تأثير العوامل الفنية القصيرة الأجل والعوامل الأخرى الاقتصادية والجيوستراتيجية الطويلة الأجل. ومع ذلك فإن إعادة قراءة توقعاتهم لمستويات الأسعار تثبت أن صناع السوق والخبراء فشلوا جميعا في إدراك طبيعة التغيرات التي تمر بها سوق الذهب. على سبيل المثال توقع البنك الدولي في بداية العام الماضي أن يصل سعر الأوقية من الذهب عيار 24 إلى 1950 دولارا في حين توقع خبراء غولدمان ساكس 2050 دولارا، وجي بي مورغان 2175 دولارا، وكان ذلك التقدير هو الحد الأقصى للتوقعات في غرف وصالات التحليل داخل أكبر وأهم مراكز البحوث التي تشارك في إدارة أصول تقدر بمليارات الدولارات. وكانت أسعار الذهب في نهاية العام الماضي بمثابة صدمة كبرى للمؤسسات المالية العالمية، لأن التوقعات خابت واستطاعت السوق تحقيق مستويات قياسية في الشهر الأخير من العام الماضي حيث ضربت ذروة بلغت 4550 دولارا للأوقية متفوقة على أعلى التوقعات بنسبة تزيد على 52 في المئة وأكثر من ضعف توقعات الحد الأدنى. ويبدو أن عدم إدراك طبيعة التفاعلات في السوق تتجاوز بكثير كل التوقعات الصادرة حتى الآن بالنسبة للعام الحالي. على سبيل المثال فإن مؤسسة جى بي مورغان تتوقع أن يبلغ سعر أوقية الذهب 5000 دولار في الربع الأخير من العام الحالي، في حين أن السوق تقترب من هذا المستوى بسرعة الصاروخ في الشهر الأول من العام! وحقق الذهب قبل نهاية الأسبوع الثالث من الشهر الأول قفزة بنسبة 12.1 في المئة، حيث بلغت قيمة الأوقية 4863 دولارا مقابل 4336 دولارات في نهاية الشهر الماضي، وهي نسبة زيادة لم يحققها الذهب في عامي 2022 و23 مجتمعين!

انتقال تاريخي

ما يحدث في سوق الذهب يعبر عن عملية انتقال تاريخي تحركها عوامل بعيدة المدى متعددة المحاور والمستويات.
صحيح أن الأسعار تتأثر بتقلبات التوقعات الاقتصادية وقوة العملات ومستويات أسعار الفائدة وحالة الاستقرار أو التوتر في النظام العالمي، فترتفع وتنخفض حول محور رئيسي يضبط حركة كل من منحنى العرض والطلب داخل نطاق يسمح بتلك التغيرات، لكنه لا يتجاوزها. الحقيقة التي نراها الآن هي عدم وجود حدود قصوى لارتفاع الأسعار، لأن العوامل المؤثرة في الأسعار قد كفت عن القيام بهذا الدور، وذلك نظرا لنشوء حالة تاريخية جديدة يتم خلالها إعادة تشكيل النظام العالمي بأكمله، وأن أحدا لا يستطيع حتى الآن رسم الملامح النهائية للنظام الجديد، هذا مع أن هناك قدرا كبيرا من اليقين بأن النظام القديم لم يعد قادرا على الاستمرار كما كان من قبل. كنا خلال أعوام جائحة كورونا وبداية حرب أوكرانيا نتحدث عن «عدم اليقين» بشأن مستقبل النظام العالمي، وكان هذا الحديث أكثر ما يقلق دوائر الأعمال ومؤسسات إدارة الاقتصاد على المستوى الدولي. وكانت نتيجة هذا النوع من عدم اليقين هي شيوع حالة من اختلاط المعرفة واضطراب المعاملات، وهي حالة تفرز الطمأنينة والقلق، والاستقرار والاضطراب، والإقبال والتردد. هذه الحالة تنتج لنا منحنيات قلقة ومضطربة في كل مجالات الأعمال. المنحنى الوحيد تقريبا الذي ظل في وضع النزول هو منحنى التضخم، وذلك بفضل السياسات النقدية المتشددة التي قادها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية حول العالم. وتنبئنا التغيرات في سوق الذهب أن منحنى الأسعار ظل يصعد بقوة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما أنتج لنا مستويات تاريخية جديدة لأسعار المعدن النفيس. هذا الصعود لم يخل من سقطات أو صدمات هبطت بالأسعار إلى أسفل. هذا الصعود لأسعار الذهب منذ عام 2023 حتى الآن لم يكن ولن يكون أبدا صعودا خطيا إلى آخر المدى، لكنه صعود يسمح بحدوث تغيرات حادة في الأسعار بسبب عوامل فنية جني الأرباح مثلا، أو نقدية (أسعار الفائدة) أو اقتصادية (البطالة والنمو) أو غيرها من العوامل قصيرة الأجل التي تترك تأثيرا مباشرا لكنه محدود من حيث مداه وتداعياته.
وقد اتفق الاقتصاديون على أنه إذا انخفضت أسعار الفائدة ترتفع أسعار الذهب، وذلك على الرغم من أن الذهب لا يدر عائدا. كذلك من المتفق عليه أنها ترتفع أيضا إذا ارتفعت نسبة التضخم، على الرغم من أن البنوك المركزية تلجأ في العادة إلى كبح جماح التضخم عن طريق رفع أسعار الفائدة. ويبدو أننا قد نواجه شيئا من هذا القبيل إذا وقعت الولايات المتحدة في مصيدة النمو التضخمي، الأمر الذي قد يعيد سياستها النقدية إلى قيود التشدد النقدي. ومع ذلك فإن الميل العام لأسعار الذهب هو الصعود، ليس على هيئة خط مستقيم من دون نتوءات لأعلى وأسفل. ومع أن هذا يمثل حقيقة تاريخية، إلا أن معدل سرعة وتغير الأسعار وانتقالها من مستوى قياسي إلى مستوى جديد يظهر لنا فروقات واضحة بين ظاهرة الارتفاع والانخفاض في الأسعار، وظاهر الانتقال التاريخي للأسعار من مستوى إلى آخر، لا يعود بعده إلى المستوى الذي كان عليه من قبل.
في أربعينات القرن الماضي استقر سعر الذهب لما يقرب من ثلاثين عاما حول معدل 34 دولارا للأوقية. وعندما تمكن من كسر هذا المستوى بعد قرار نيكسون بفك العلاقة بين الدولار والذهب فإن قيمة الأوقية حلقت بسرعة حول معدل 160 دولارا، ثم طارت إلى ما يتراوح بين 650 إلى 850 دولارا في ثمانينات القرن الماضي. وبعد أزمة 2008 قفز سعر الذهب ليتضاعف بمقدار يزيد عن ثلاثة أمثال تلك القيمة حتى عام 2022، أي خلال أكثر من عقدين من الزمان. لكن الذهب خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط تضاعف أكثر من مرة، إذ قفز سعر الأوقية في عام 2024 إلى 2600 دولار مقارنة بحوالي 1935 في العام السابق، ليحقق قفزة تالية في العام التالي 2025، ثم ها هو الآن يمضي في طريقه بقوة لتحقيق قفزة ثالثة. المدهش هو أن الطريق أمامه للصعود لا يزال مفتوحا، ولا يبدو أن أي محركات لكبح هذا الصعود تلوح في الأفق حتى الآن. منحنى العرض لا يستطيع أن يتحرك لأعلى بسهولة إلا إذا زادت الأسعار لمقابلة الزيادة في تكلفة الاستخراج والتنقية والتصنيع. بينما نرى في الوقت نفسه أن البنوك المركزية وصناديق استثمارات الأصول المادية والمالية تتجه بقوة إلى زيادة الأرصدة الذهبية التي تحتفظ بها، للوقاية من تقلبات أسعار العملات ومعدلات التضخم، وتحسبا لانتقال محور استقرار النظام النقدي العالمي من الدولار إلى الذهب الرقمي أو عملة أخرى قد يتم تطويرها خلال السنوات القليلة المقبلة.
ومن الصواب القول إن ما يشهده العالم في سوق الذهب يمثل انتقالا تاريخيا لموقع المعدن النفيس من النظام الاقتصادي العالمي، وأن سرعة هذا الانتقال ومعدلات سرعة التغيير تبرهن على أن خبراء السوق لا يدركون حتى الآن مدى عمق هذا الانتقال التاريخي وتداعياته المرتقبة على كل نواحي الحياة وليس على الاقتصاد فقط. إننا نشهد بأعيننا أن النظام النقدي الدولي القائم على الدولار آخذ في الترنح، حيث تبدو العملات جميعا، بما فيها الدولار مجرد أوراق باهتة قليلة الصلة بالواقع إلى حد بعيد. وربما يكون العالم في طريقه إلى إعادة اكتشاف «قاعدة الذهب» التي قام عليها النظام النقدي الدولي منذ عصر الثورة الصناعية واكتشاف العالم الجديد وفتح طريق بحري ثوري من أوروبا إلى الشرق الأقصى عبر رأس الرجاء الصالح. ولن تكون العودة إلى قاعدة الذهب جريا للخلف نحو سراب مضلل، وإنما تجري استعدادات لإقامة نظام نقدي يقوم على محور مركزي يتضمن توظيف التكنولوجيا الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الكوانتوم والبلوكتشين إلى جانب قيمة الذهب، والتغيرات الهائلة التي يمر بها نظام التقسيم الدولي الجديد للعمل الذي يقوم على أسس التنافسية التي تسمح بالارتقاء على سلم حلقات سلاسل القيمة العالمية، وذلك على العكس من النظام التقليدي لتقسيم العمل بين الدول المستعمرة ودول المستعمرات. وهو النظام الذي يحبس أنفاس الدول الصناعية الصاعدة داخل مصيدة التخلف والتخصص في تصدير المواد الخام.
وسط كل هذه المتغيرات فإن الذهب قد يكون في طريقه إلى التربع على عرش النظام النقدي في العالم. ومن الواضح أن شهية البنوك المركزية لزيادة الاحتياطي من الذهب لها دلالات كبيرة خصوصا وأن ذلك يأتي على حساب الدولار. ومع زيادة الاحتياطي الذهبي لدى البنوك المركزية سيصبح الطريق سهلا إلى تصميم عملة رقمية عالمية بمواصفات موحدة مقبولة للمقاصة في كل أو معظم دول العالم، يجري استخدامها عبر المصارف لتسوية مدفوعات التجارة، وإصدارات التمويل وسداد المديونية. في هذه الحال سيكون الذهب الرقمي هو المنافس الحقيقي للعملات الرقمية الموجودة حاليا مثل البيتكوين، كما سيكون أيضا المنافس الحقيقي للدولار التقليدي أو الرقمي. ولا يبدو النظام العالمي في وضع يسمح ببقاء واستمرار النظام القديم الذي تأسس على أكتاف الولايات المتحدة، لأن تلك الدولة هي التي تحمل الآن معول هدم ذلك النظام.

.. ولكن

لا يوجد سقف لأسعار الذهب لا في هذه السنة ولا في السنوات القادمة طالما استمرت في العمل معاول الهدم، وطالما لم تستقر قوائم نظام جديد يحفظ نوعا من التوازن الجيوسياسي في العالم لعقود وليس لسنوات قادمة. هذا يعني أن صراع القوى في العالم حتى يستقر توازن جديد هو المحرك الرئيسي الذي يقود الأسعار إلى سقف ثم سقف. ومع ذلك فإن السوق تكره الارتفاع الخطي في قيمة أي شيء، لأن من شأن ذلك قتل المضاربة وإضفاء صفة الركود على المعاملات. السوق تحب المنحنيات التي تصعد وتهبط وتفاجئ المتعاملين بمقدار ونوعية وأمد التغيرات، لأن هذا هو ما يخلق الحوافز لتوسيع نطاق السوق. الشيء نفسه ينطبق على الذهب. على سبيل المثال فإن أسعار الذهب التي دخلت مرحلة صعود بعد قرار نيكسون، وقفز سعر أوقية الذهب من 58 دولارا عام 1972 حتى وصل إلى 850 دولارا في كانون الثاني/يناير 1980 وما لبثت الأسعار بعد ذلك أن دخلت في موجة هبوط حتى بلغت في حزيران/يونيو 2001 حوالي 270 دولارا للأوقية! لكن الذهب استجمع قوته بعد ذلك ليعاود الصعود ويحقق 1718 دولارا للأوقية في تشرين الأول/أكتوبر 2011، ثم دخل إلى موجة هبوط تالية حيث لامس مستوى 1115 دولارا للأوقية في أيلول/سبتمبر 2015. وقد تكرر تذبذب أسعار الذهب في العام الماضي رغم كل الأرقام القياسية التي حققها، وتوقف كثيرا أمام حاجز الـ 4000 دولار للأوقية. وليس من المستبعد أن تدخل أسعار الذهب في موجة تذبذب من آن إلى آخر، لكن ذلك سيكون في الأجل القصير فقط، حيث أن حركة الأسعار محكومة في الأجل الطويل بعوامل أقوى وأبعد مدى من التغيرات الوقتية. ومع أن معظم بيوت الاستثمار الرئيسية في العالم تتوقع صعود الذهب إلى سقف يقدر بحوالي 7000 دولار للأوقية في عام 2030 فإننا نعتقد أنه سيخترق هذا السقف مبكرا جدا عن ذلك التاريخ مدفوعا بقوة تقدم المتغير الصيني، وتسارع الخروج من سندات الخزانة الأمريكية وتوظيف الفوائض المالية في الذهب، وتضارب اتجاهات معدل التضخم والسياسات النقدية في الدول الصناعية الغربية واليابان، إلى جانب تأثير «عامل ترامب» السلبي على السياسة الأمريكية وتدهور مكانة الولايات المتحدة على خريطة التوازن العالمي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية