تعمل القيادة العسكرية الصينية على تعزيز البحرية الحربية بحاملات طائرات في إطار خطتها لتحويل جيشها إلى قوة عسكرية بحرية عالمية قادرة على العمل في أعالي المحيطات.
لندن ـ «القدس العربي»: تنوي الصين تعزيز البحرية الحربية بحاملات طائرات لتحقق ما بين تسع وعشر وحدات في ظرف عشر سنوات، وهو ما تعتبره واشنطن خطرا على نفوذها في العالم ومقدمة لاستعادة تايوان عبر الضغط العسكري مثل الحصار البحري.
وتعتبر الصين القوة العسكرية الثالثة في العالم بعد كل من الولايات المتحدة وروسيا، وتخطط لتكون في مستوى القدرة العسكرية الأمريكية، على الأقل في السلاح الكلاسيكي مثل الطائرات المقاتلة والسفن الحربية، بينما تتفوق واشنطن في مجال الصواريخ النووية. وتعمل القيادة العسكرية الصينية على تعزيز وتقوية هذا التوجّه وتطويره في إطار خطتها لتحويل جيشها إلى قوة عسكرية بحرية عالمية قادرة على العمل بعيدًا عن سواحلها أو ما يسمى «المياه الزرقاء» في أعالي المحيطات. ومن بين أهم ما تسعى إليه في هذا السياق هو امتلاك مزيد من حاملات الطائرات، ولا سيما بعد أن تبيَّن حجم القوة والرمزية والنفوذ التي تمنحها هذه السفن للدول التي تملكها. ولا يقتصر هذا السباق على الصين وحدها، إذ يفسِّر هذا الواقع حرص عدد من الدول على امتلاك حاملة طائرات مثل إسبانيا وتركيا واليابان، أو إضافة حاملة جديدة إلى أساطيلها كما هو الحال بالنسبة لفرنسا وإيطاليا، في ظل إدراك متزايد لأهمية هذه المنصّات في بسط النفوذ وحماية المصالح الإستراتيجية.
وتوجد 23 حاملة طائرات (ليس مروحيات) في العالم حاليا وتمتلكها نسبة قليلة من الدول على رأسها الولايات المتحدة بـ 11، ثم الصين بثلاث والهند وبريطانيا باثنين وإيطاليا بإثنين، ولكنها ستسحب واحدة قديمة وصغيرة نسبيا غاربالدي إس 551 من الخدمة، ثم فرنسا وروسيا بواحدة فقط. وعملية تصنيع حاملة الطائرات التي يفوق طولها 300 متر هي الأصعب في الصناعة العسكرية. وتمتلك دولتان القدرة الكبيرة على ذلك، وهي الولايات المتحدة التي تمتلك نصف حاملات طائرات العالم ثم الصين. وتتوفر بكين على ثلاث حاملات طائرات. وجاء في تقرير صدر مؤخرًا عن المعهد البحري الأمريكي «USNI»، أن البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني «PLAN» في طريقها إلى تعزيز قوتها الجوية البحرية التي ستضم تسع حاملة طائرات في الخدمة بحلول عام 2035، بمعنى تصنيع واحدة كل سنة ونصف. ويصف التقرير، الذي هو جزء من تقرير القوة العسكرية الصينية 2025، برنامج بناء السفن الطموح بأنه أكبر جهد صناعي لتوسيع حاملات الطائرات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ منذ الحرب العالمية الثانية، مما سيعزز بشكل كبير من نفوذ الصين البحري.
من فندق إلى حاملة طائرات
لم تدخل الصين نادي الدول المالكة لحاملات الطائرات إلا سنة 2012، متأخرةً بعقود تقارب القرن عن القوى البحرية الكبرى مثل الولايات المتحدة التي بنت أول حاملة طائرات سنة 1922 وروسيا وبريطانيا وفرنسا. ورغم هذا التأخر، شكّل امتلاك الصين أول حاملة طائرات نقطة تحوّل لافتة في مسار صعودها العسكري البحري. وكانت البداية مع حاملة الطائرات لياونينغ Liaoning النوع 001، التي بُنيت أصلا في أوكرانيا خلال الحقبة السوفييتية لتكون جزءًا من أسطول الاتحاد السوفييتي، لكنها بقيت غير مكتملة بعد انهياره. وفي خطوة اتسمت بالكثير من الغموض، اشترت بكين السفينة عام 1998 عبر شركة خاصة، تحت ذريعة تحويلها إلى كازينو عائم وفندق فاخر في ماكاو، في محاولة لتجنّب إثارة الشكوك الدولية، خصوصًا لدى الولايات المتحدة وبريطانيا، حول طموحاتها العسكرية الحقيقية. ونجحت في تحويلها إلى حاملة طائرات ودخلت الخدمة سنة 2012. وكان البنتاغون قد بدأ ينتبه إلى تطور القوة العسكرية الصينية في نهاية التسعينات، وعمل على حرمانها من التكنولوجيا العسكرية وخاصة في المجال البحري.
وتمتلك الصين الموارد المالية والطبيعية من المعادن والتكنولوجيا والقوة البشرية لبناء حاملات طائرات كبيرة ومتطورة كل سنة ونصف. ويكفي أنها تتجاوز الولايات المتحدة على مستوى عدد السفن الحربية، وإن كان البنتاغون يتفوق في القدرة النارية وعدد حاملات الطائرات. وأصبحت الصين تعزز أسطولها الحربي كل أربع سنوات ما يعادل مجموع سفن الأسطول الفرنسي، ومن المحتمل جدا أن تتفوق على مجموع الأساطيل الغربية في ظرف عقدين.
خريطة النفوذ وتايوان
سعت القيادة العسكرية الصينية إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة من خلال تعزيز أسطولها البحري بشكل جذري، حيث تخطط لبناء ما يصل إلى 9 حاملة طائرات بحلول 2035، ما يضاعف قدرتها على الإسقاط العسكري البعيد المدى. ويمكن تلخيص هذه الأهداف في النقاط التالية، مدعومة بسياقات حالية:
أولاً، حماية الخطوط التجارية البحرية الحيوية، إذ تعتمد الصين على 80 في المئة من استيراد نفطها عبر مضيق ملقا وخطوط الإمداد في بحر الصين الجنوبي. هذا يحميها من أي قرصنة مستقبلية أو تحرش من قوى أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تمارس حصارا بحريا نسبيا على فنزويلا حاليا، وتسيطر على نسبة كبيرة من التدفقات العالمية عبر أسطولها البالغ 11 حاملة طائرات. فالقيادات في بكين لا تثق كثيرا في الاستقرار الدولي، وتستعد دائما للسيناريوهات الأسوأ.
ثانياً، ممارسة الردع المباشر ضد تايوان، من خلال ضغط بحري يشمل تدريبات محيطها وإمكانية حصار الجزر، لدفعها طوعا أو كرها نحو «الصين الموحدة». وتؤكد تقارير البنتاغون جدية بكين في هذه الاستراتيجية.
ثالثاً، منافسة النفوذ البحري الأمريكي، إذ تنشئ واشنطن نقاطا استراتيجية في المياه الدولية ومياه حلفائها (مثل اليابان وكوريا الجنوبية)، تمكنها من إسقاط قوة هائلة عبر حاملاتها. الصين تسعى لموازاة هذه الهيمنة من خلال بناء أسطول قادر على العمل في «المياه البعيدة». وإذا حققت الصين خمس حاملة طائرات حيث ستكون اثنتان منها بالقرب من سواحل الصين وثلاث في مناطق بحرية متفرقة مثل الأطلسي والهندي والبحر المتوسط، وقتها ستصبح قوة بحرية عالمية. ولهذا يسعى البنتاغون إلى منع دول تطل على الأطلسي والمتوسط من منح امتيازات للصين مثل رسو سفنها الحربية في موانئ هذه الدول.
وأخيراً، الحفاظ على التفوق البحري الرئيسي في الجزء الآسيوي من المحيط الهادئ، ثم امتدادا إلى المحيط الهندي عند مضيق ملقا وخليج عدن، متفوقة على الهند وأستراليا وكوريا الجنوبية، وكلها دول قريبة من الولايات المتحدة.