للكتابة الشذرية تاريخٌ لا إلى أين ينتهي، لكنه قديم؛ منذ أن أخذ الكاتب ينزع إلى خاصية الإيجاز والتكثيف ويُضمن ما يكتبه فكرة، أو رؤيا، أو حكمة، أو فلسفة، أو رؤية للعالم. فهي ليست جنسا تعبيريا، أو نمطا من الخطاب، أو تأملا نظريا وحسب، بل كذلك ممارسة خاصة للغة في تصورها للذات والعالم والأشياء، فتنفتح بذلك على مجموع تعبيرات النشاط الإنساني. هكذا، نجد هذا النوع من الكتابة، وكان يُسمى الإبيجراما، يتردد في تأملات الفلاسفة والشعراء من قدامى الإغريق والرومان (أفلاطون، أرسطو، هيراقليطس، سيمونيديس، كاليماخوس، جيوفيناليس…) وهم ينكبون على معالجة القضايا الأخلاقية والميتافيزيقية. كما نجده عند عدد غير قليل من الشعراء القدامى، الذين لم يُعرف لهم سوى بيت أو بيتين، ضمن ما يعرف بفن التوقيعات وقصيدة البيت الواحد والمقطعات التي عنيت بها كتب الحماسات، وفي شطحات الشعر الصوفي، أو النثر العرفاني، حيث الشذر يعبر عن نفسه من خلال كثافته وانخطافاته واتساع أفقه الرمزي، كما في حكم ابن عطاء الله السكندري وهوامل التوحيدي ومواقف النفري وغير ذلك.
في العصر الحديث، يتردد عند الرومانسيين الألمان، وجماعة «الآتيناووم» تحديدا، وفي ما كتبه باسكال وجان جاك روسو ونيتشه وجبران ورولان بارت وستانسلاف جرزي ليك وإميل سيوران وغيرهم، ممن أدمج تفكيره للشذرة داخل وعي فلسفي وجمالي حديث ومفارق، يستوعب مجالات معرفية شتى؛ مثل الفلسفة، وعلم الاجتماع والسياسة والفن والنقد الأدبي، ويرتقي معها للتعبير عن التجربة الإنسانية بصورة جديدة وثورية تتساوق مع فلسفة ما بعد الحداثة، في سعيها إلى تفكيك النصوص والمواضعات التقليدية وتحطيم أنساق السرديات الكبرى، بكل ما تعنيه من معاني الاختلاف والتعدد واللااكتمال.
وعي كتابي
نتيجة للتحويل الشكلي الذي عرفته القصيدة العربية الحديثة، والسياقات المعرفية والجمالية، التي رافقته وقطعت مع مسكوكات العقل النقدي التقليدي، أمكن للشعراء المحدثين مستأنسين بمجهود نظرائهم الرومانسيين، وأصحاب الكتابة الجديدة في أوروبا، أن يُجربوا بنى وأنماطا نصية متعددة، تميل إلى تكريس جماليات التشذير والاقتصاد اللغوي والتعبير بالرمز الوامض، فيما هي تنفتح على التفاصيل الصغيرة، ومباذل الحياة، والصور المهمشة متناهية الصغر. ولا يمكن إنكار أن «الخط الحداثي للتطور المفهومي للقصيدة» بتعبير كمال خير بك، قد بَلْور وعيا كتابيا جديدا على المستويين الفلسفي والجمالي، عند هؤلاء الشعراء ومن جاء بعدهم، وساهم في «شخصنة» القصيدة التي لا تشكل الشذرة، ضمن تعبير مصطلحات أخرى مرادفة ومتجاوبة معها، إلا تمثيلا لغويا وفنيا لها.
في شعرنا المعاصر تحضر الكتابة الشذرية بصيغ وكيفياتٍ متعددة، وطرحت نفسها في قلب الصراع الأنطولوجي، الذي يخوضه الشاعر مع مجموع ما يحيط به، ويتمثلها باعتبارها سلاحا وتعويذة نظر. فقد أخذ وعي الشعراء الجدد بشرط نصوصهم الكتابي والجمالي يتقوى ويبرز بشكلٍ مُطردٍ حتى وجدنا لديهم ضروبا من هذه الكتابة، التي لا تخضع لقواعد، أو على الأقل تفرض قواعد خاصة بها، تُفجرها من داخلها، وقد مالت أكثر إلى القصر والاقتصاد في اللغة والتكثيف، وإلى تشظية وعي الأنا بنفسها والعالم، مثلما عملت على تشذير البناء النصي وأولت الدال الأسبقية في تشييد مُتخيلها وتفجيره في آن. أي في مقابل تجانس الانسجام الذي تشد أجزاءه رقابُ بعضها بعضا داخل القصيدة- الكتلة، تصنع الشذرات «نصا» متشظيا، كثيفا، مُفارقا، شفافا، مُتعددا ومفتوحا، ما دشن، في حقيقة الأمر، أسلوبا جديدا في الكتابة وحياتها نكتشفه، على فترات دالة، عبر الأعمال الشعرية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، ولا ننفي ـ هنا- أن بعضها ترعرع ووقع تحت تأثير فيسبوك بوصفه حاملا جديدا للكتابة يساير فضاءه الأميل للقصر والتشذيب، وتحت تلقياته السريعة من قارئ عجول ومتلقف لكل ما يدهشه في أقصر وقت ممكن.
أصغى الشعراء المتأثرون بجماليات قصيدة النثر تحديدا، وبالأشكال الشعرية الوجيزة (قصيدة الومضة، التوقيعة، اللافتة، الهايكو..) إلى اليومي ونثروا جماليات دمامته شذرا، وجعلوا مما يكتبونه نوعا من «سيميولوجيا للحياة اليومية» التي يزخر بالصور والقيم والعلامات، إذ لا أخطر من أن تستمد الشذرات فعالية معناها من بلاغة الشعر الذي يُفارق ويُواجه ما هو معطى، فيما هو لا يتحدث عن الأشياء التي توجد في الخارج إلا لتسميتها، أو إعادة خلقها من جديد، حسب بنيته المفتوحة، التي تتخفف من إلزامات هذه البلاغة. لقد احتفى هؤلاء الشعراء ممن يمثلون الحساسية الجديدة بالقلب الكتابي، الذي أخذ يشهده هذا الشعر العربي المعاصر، ولعل أهم ما نعثر عندهم هو الوعي الجديد في تمثل الكتابة المقطعية بأضربها التي تطول وتقصر، في ما هي تعبرها صيغٌ من أفانين «الرقْش» التعبيري. وبالتالي، لم يعد النص الشعري مجرد شكل أو أسلوب، وإنما بقدر ما يحمله من محتوى يعكس فلسفة ما، أو فهما خاصا للذات والعالم تطبعه روح المفارقة، ويقف ساخرا، أو لوذعيا، أو غير مُبالٍ من حياتنا المعاصرة المتشظية، بل يغدو مجالا لإنتاج معطيات هذه الحياة بشكل لعبي ومنفصل عن لحظة انبثاقه في المكان بذريعة وَهْم تملكه. وعلى الأرجح، أن هذه الكتابة تصدر عنها رؤية خاصة بها للغة التي تكتبها وتؤلف بها نسيجها التصوري للعالم، من منظور يجعل الغياب في اللغة هو الأصل وليس الحضور، المحو وليس الذاكرة، الفراغ وليس الامتلاء. في شعرنا المعاصر، أمثلة كثيرة ومتنوعة من هذه الكتابة التي تتبلور باستمرار.
شعرية الهايكو
إذا قصرنا حديثنا على شعر الهايكو، فإنه يمكن القول، بغض النظر عن أساسه المرجعي وبيئته اليابانية الأصلية التي أوجدته، إن ثمة نماذج موفقة تحاول بجد أن تكتب قصيدة هايكو عربية. فهذه هذه النماذج فهمها الخاص لكتابة الهايكو؛ فعلاوة على الاقتصاد والجدة والمفارقة المركبة بلغة شعرية خاصة ومتطلبة في هذا النوع الكتابي، يحدث الشاعر في صميمها فجوة التوتر التي تحدث في السطر الأخير، ومن ثمة تنقل ـ بضربة فرشاة- نمط الشذرة من العادي إلى المدهش الذي على ضوئه يعيد متلقيها تأويل الشذرة وعنوانها، فيما هو يسرح بها في مجالات متراحبة تمزج بين عالم الطبيعة، والإشراق الصوفي، والنمش الإيروتيكي والتأمل الذاتي.
والأهم أن مثل هذه الكتابة الشذرية، التي تفيد من الهايكو ولا تنغلق فيه، تحيلنا إلى الكائن باعتباره حقل تأويلات متنوعة ومفتوحة، لا يرتد إلى وحدة المنظور ويجعل من هويته التلفظية داخل الخطاب عبورا في المختلف والمتعدد الذي لا يعترف بمنطق الشمول والتعميم؛ وهل فلسفة الشذرة غير ذلك. إذا كانت الكتابة الشذرية قد سادت فضاء الشعر المعاصر، فهل معنى ذلك أنها صارت بديلا عن القصائد المطولة والمدورة، التي سادت الشعر العربي، وعن الجهد البنائي والجمالي الذي كانت تفترضه؟ ومن ثمة، فهل يتعلق الأمر ـ فعلا- بكسل شعري، أو بالأحرى برؤية متراخية للعالم؟
لا نملك الحق في امتلاك جواب قطعي وتعميمي، فالكتابة الشعرية بطبيعتها متعددة الرافد والشكل والأسلوب، وإن كان هذا لا يتنافي مع القول، إنه في كل طور من أطوار تاريخ الشعر العربي يهيمن نوع شعري ما ويزيحه إلى الهامش، لكنه لا ينفيه ويحل محله، ورُبما عرضنا مثل هذه المشكلات الشعرية على ذوي الاختصاص، وضمن ما صار يُصطلح عليه في حقل الدراسات المعاصرة بـ(أنواعية الشعر) التي لا تعنى بتداخلات الشعري والنثري وحسب، بل الشعري واللاشعري كذلك.
كاتب مغربي