شهود وأقمار صناعية: إسرائيل تعبث بـ”الخط الأصفر” لتوسيع نفوذها بقطاع غزة 

حجم الخط
0

بعد ثلاثة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، كشفت صور أقمار صناعية عن تطورات مهمة على طول قطاع غزة، منها تعزيز الجيش الإسرائيلي لسيطرته على طول خط حدود السيطرة في القطاع. هذا الخط المعروف بـ “الخط الأصفر” يمتد في بعض الأحيان مئات الأمتار داخل الأراضي التي من المفروض رسمياً أن تكون تحت سيطرة حماس. ويمكن رصد مناطق دمار تتسع رقعتها حتى في ظل وقف إطلاق النار، بما في ذلك منطقة جباليا وحي الشجاعية، داخل الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بل وحتى خارجها. وفي الأراضي التي تسيطر عليها حماس، تظهر تجمعات خيام جديدة أقيمت لإيواء عشرات آلاف النازحين الغزيين.

كل هذه التطورات تحدث في ظل وضع انتقالي في القطاع، بعد تطبيق جزئي فقط لخطة ترامب، وفي ظل استمرار إطلاق النار والتفجيرات والاشتباكات بشكل دائم.

وقف إطلاق النار الرسمي في تشرين الأول وإطلاق سراح الرهائن كان من المفروض أن يكون مرحلة انتقالية نحو التنفيذ الكامل لخطة ترامب، التي وعدت بتنظيم انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم قطاع غزة وإعادة تأهيله وتقديم الإغاثة للنازحين ونزع سلاح حماس. وقد تحققت بعض هذه الخطوات بالفعل، حيث تمت إعادة الرهائن الأحياء وجثث القتلى باستثناء جثة واحدة، إلى إسرائيل. لقد انسحب الجيش الإسرائيلي جزئياً وأصبح القطاع الآن مقسماً على طول خط السيطرة – الخط الأصفر، لكن الأطراف لم تنتقل بعد إلى المرحلة الثانية في الاتفاق، وما زال الوضع الانتقالي مستمراً. أول أمس، أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن الانتقال إلى المرحلة الثانية في خطة ترامب، لكن نتنياهو قال إن هذا مجرد خطوة إعلانية.

الجيش الإسرائيلي يسيطر على 54 في المئة تقريبا من أراضي القطاع. وتحليل صور الأقمار الصناعية المحدثة لشركة “بلانت لابس” يظهر بأنه بعد دخول الاتفاق إلى حيز التنفيذ، أعاد الجيش الإسرائيلي تنظيم قواته وانتشارها، على طول الخط الأصفر الذي وصفه رئيس الأركان إيال زامير مؤخراً بأنه “خط الحدود الجديد لإسرائيل”. وكجزء من هذه الخطوة، أنشأ الجيش الإسرائيلي مواقع متقدمة جديدة في الأراضي الخاضعة لسيطرته. ووفقاً لمنظمة فورنزيك آركيتكتشر البريطانية، فقد أنشأ الجيش الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار وحتى منتصف كانون الأول 13 موقعاً متقدماً جديداً في قطاع غزة، منها موقعان كبيران في جباليا، التي هي مرتفعة جداً ويمكن رؤية مسافة بعيدة منها. وقد شمل إنشاؤها تدمير مبان وإخلاء مناطق واستخدام فرق هندسية ثقيلة لإقامة سواتر ترابية مرتفعة تتيح مراقبة شمال القطاع كله. وقد نشر فلسطينيون أفلام فيديو في الشبكة تظهر هذه المواقع.

ويتبين من صور الأقمار الصناعية بأن الجيش الإسرائيلي يواصل تدمير مئات المباني الأخرى في جباليا، حول المستشفى الإندونيسي، منذ وقف إطلاق النار. معظم الدمار في الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر، كما يظهر في المنشورات الرسمية للجيش الإسرائيلي، لكن يبدو أن منازل كثيرة أخرى دمرت في الجانب الغربي من الخط. وتظهر أفلام فيديو من الأرض الارتفاع الكبير للمواقع الجديدة في جباليا. أحد الأفلام نشرته “كان 11”.

منطقة الخط الأصفر هي بؤرة ثابتة للأحداث وإطلاق النار والقتل، حسب بيانات رسمية للجيش الإسرائيلي وشهادات فلسطينية. وقد قتل 449 فلسطينياً في مواقع متفرقة في قطاع غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار، وأصيب 1246 شخصاً آخر حسب بيان وزارة الصحة الفلسطينية، التي لم تميز بين المدنيين والمسلحين. وحسب اليونيسيف، فإن 100 قتيل كانوا من الأطفال والشباب. وفي إحدى الحوادث قتل طفلان أبناء 10 و12، كانا يبحثان عن الحطب، حسب إفادة عائلتيهما، بغارة جوية. وقد صرح الجيش الإسرائيلي لاحقاً بأنه هاجم شخصين اشتبه فيهما بعبور الخط الأصفر، وأنه عمل على “إزالة التهديد”. منذ وقف إطلاق النار، قتل ثلاثة جنود في جنوب القطاع بنار مضادة للدبابات وقناصة من حركة حماس.

الخط نفسه غير محدد بشكل متواصل على الأرض، إذ وضع الجيش الإسرائيلي مكعبات صفراء صغيرة تفصل بينها أحيانا مئات الأمتار لتحديد مساره. وقد أفاد فلسطينيون بأن الجيش الإسرائيلي يحرك هذه المكعبات أحياناً غرباً، إلى داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس. ويظهر تحليل صور الأقمار الصناعية وجود فجوة في مناطق مختلفة على طول الخط الأصفر بين مكان المكعبات الصفراء على الأرض ومكان الخط الأصفر مثلما هو محدد في منشورات الجيش الإسرائيلي الرسمية، بما في ذلك خريطة باللغة العربية قدمها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لسكان قطاع غزة.

ففي حي الشجاعية في شرق مدينة غزة، يمكن تشخيص المكعبات الصفراء في صور الأقمار الصناعية، حيث إنها تقع على بعد حوالي 300 متر غرب الخط الأصفر الرسمي الظاهر على خريطة الجيش الإسرائيلي. وقد رصدت وسائل إعلام دولية مواقع أخرى لا يتطابق فيها الإعلان الرسمي مع الواقع على الأرض. ومثلما كشفت “هآرتس” قبل شهر، فمنذ وقف إطلاق النار والجيش الإسرائيلي واصل هدم مئات المباني في الشجاعية، غرب الخط الأصفر الرسمي، وصولاً إلى خط المكعبات الصفراء.

وجار رد من الجيش الإسرائيلي: “وفقاً لخطة وقف إطلاق النار، يتم تنفيذ عمليات الجيش الإسرائيلي لمواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية في غزة بقيادة حماس، التي خرقت وقف إطلاق النار مراراً وتكراراً، ويعمل الجيش الإسرائيلي على تحديد الخط الأصفر بصرياً، بما يتوافق مع الظروف الميدانية وتقييم الوضع العملياتي المحدث، وينفذ العمليات المطلوبة في المنطقة مع بذل الجهود لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين بقدر الإمكان ووفقاً للقانون الدولي”. ولم يرد الجيش على أسئلة مثل: لماذا لا يتم تحديث موقع المكعبات في المنطقة على الخريطة الرسمية؟ ولماذا لا يتم تحديد الخط بشكل مستمر على الأرض بطريقة تقلل الضرر الذي يلحق بالمدنيين؟ ولماذا يتسع نطاق تدمير المباني، حتى خارج الخط الأصفر، في المنطقة التي تسيطر عليها حماس؟

الدمار الذي استمر في الأشهر الأخيرة، يضاف إلى محو مدن كاملة في القطاع أثناء الحرب. وحسب أحدث تقرير صادر عن مركز الفضاء للأمم المتحدة، الذي رصد حجم الدمار في قطاع غزة حتى منتصف تشرين الأول، فقد دُمر أو تضرر أكثر من 80 في المئة من مباني القطاع نتيجة الحرب. وقد نتجت عن هذا الدمار واسع النطاق أزمة نزوح جماعية يعاني منها سكان غزة بشدة. وحسب الأمم المتحدة، يكافح مئات آلاف الأشخاص من أجل البقاء في خيام تضررت بسبب الأمطار والرياح ومياه البحر، أو في مبان معرضة للانهيار، ويبلغ إجمالي عدد المحتاجين للمساعدة 1.3 مليون شخص. في هذا الأسبوع فقط، دمرت أو تضررت آلاف الخيام والملاجئ المؤقتة التي كانت تؤوي عشرات آلاف الأشخاص بسبب الأمطار والرياح الشديدة.

مؤخراً، نشرت “هآرتس” بأن أطباء في قطاع غزة رصدوا ارتفاعاً في معدل الإصابة بالأمراض ودخول المستشفيات، ويعزى ذلك جزئيا إلى تأثير الإقامة الطويلة في الخيام المبللة. وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية بوفاة سبعة أشخاص بسبب البرد منذ بداية فصل الشتاء، إضافة إلى قتل 25 شخصاً آخر من سكان غزة بسبب انهيار المباني. على هذه الخلفية، تظهر صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها “هآرتس” أربعة تجمعات خيام كبيرة على الأقل في المنطقة التي تخضع لسيطرة حماس في الأسابيع الأخيرة، اثنان في وسط القطاع في منطقة ممر نتساريم الذي يقسم القطاع، واثنان في شمال مدينة غزة. وحسب اللجنة المصرية، وهي هيئة معنية بتقديم المساعدات في القطاع، فإن المجمع القريب من ممر نتساريم مخصص لإيواء 15 ألف عائلة. وفي إطار جهود مساعدة النازحين، قامت وكالات الأمم المتحدة أيضاً بتسوية أرض في حي حمد في خان يونس وأقامت هناك مجمع خيام لنقل بعض النازحين بعيداً عن الظروف الصعبة على الشاطئ. ورغم هذه الإجراءات ثمة حاجة إلى جهود جبارة لمساعدة أعداد كبيرة من النازحين الذين يعيشون في الخيام منذ سنتين.

في إطار الانتقال إلى المرحلة الثانية، سيتم إنشاء منطقة سكنية لسكان غزة غير المنتمين لحماس في المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل. وكشفت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها “هآرتس” قبل أسبوع عن أعمال حفر وإجلاء وتسوية قرب رفح في منطقة يقول الجيش بأنها مخصصة لهذا الغرض. وقد تم توثيق أعمال حفر بدأت قبل شهر تقريبا على مسافة تزيد على كيلومتر مربع واحد (ألف دونم). وأفادت مصادر عسكرية أن هذه المنطقة ستؤوي في المرحلة الأولى 20 ألف غزي.

مع ذلك، ليس معروفاً حتى الآن إذا كانت الأطراف ستنتقل بالفعل إلى المرحلة الثانية، ومتى سيكون ذلك. 

يردين ميخائيلي

هآرتس 16/1/2026

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية