أمريكا أمريكا

هو عنوان قصيدة لسعدي يوسف كتبها عام 1996، وظهرت في مجموعته الشعرية «قصائد ساذجة»، فيها نبوءة تحقّقت في بلاده في قادم السنين، كأن قائلها عرّاف وساحر، وهاتان المهمتان كان يقوم بهما الشاعر، في العصور التي ينعتها علماء النقد بعصور الحجر والظلام:
«أمريكا!/ لنستبدلْ هداياكِ/ خذي سجائركِ المهرّبة/ وأعطينا البطاطا/ خذي مسدس جيمس بوند الذهب/ وأعطينا كركرةَ مارلين مونرو/ خذي حقنة المخدِّر المرمية تحت شجرة/ وأعطينا زجاجةَ المصل/ خذي خرائطَ السجون النموذجية/ وأعطينا بيوتَ القرى..»
لستُ ممن أنجبتهم مدينة بغداد، لكني تربيتُ فيها ونشأتُ وقويَ عودي، فيحقّ لي إذن الكلام عن بعض ما يخصّها من عِمران أو خراب. في الثّمانينيات كنتُ طالباً في كلية ينتهي أسبوعها الدراسي في ظهيرة الأربعاء، حيث آخذ طريقي سيراً على الأقدام، من باب المعظّم إلى الباب الشرقي؛ البوابتان اللتان كانتا تُغلقان في الماضي بالسلاسل عند المساء، تحميان المدينة من اللصوص والغزاة. في مشواري الأسبوعي هذا، كنتُ أحاول اكتشاف الجمال الغامض والسّحر الخاصّ بهذه الأرض، حيث عاش البغداديّون وتطبّعت المدينة بخصالهم، وأخذوا منها الاسم والوسْم والصّفة.
عندما أتمّت الولايات المتحدة الأمريكية استعدادها للحرب، وفي أثناء مُهلة اليومين اللذين تركهما بوش الابن للقيادة العراقية للانسحاب من سدّة الحكم؛ في هذين اليومين رحتُ أجول في أحياء بغداد القديمة، مثلما كان عهدي وأنا طالب، أجاهد أن أملأ روحي بالشذا الذي يبعثه الهواء، في مكان لا يعرف ساكنوه مصيرهم في القادم من الأيام. السوق العربي والشورجة (أي سوق العجم) وعقد النصارى وسوق اليهود ودانيال والسراي … كان عمال البناء يخلعون أبواب جميع المحلاّت، ويشيّدون بدلاً عنها جدراناً من الطابوق والإسمنت. غريبٌ أن ترى تجّار البلاد، أو أصحاب رؤوس الأموال بلفظ أعمّ، وهي قليلة على الأغلب، يقرؤون ما سوف يجري، لهذا حصّنوا بضائعهم من اللصوص. بينما كان قادة البلاد لا يُريدون استخلاص أيّ شيء مما يرون ـ بل إن الرئيس كان منشغلاً بتأليف روايته الأخيرة: «اخرج منها يا ملعون».
السقوط الأول لبغداد كان على يد هولاكوخان في 10 شباط 1258، والثاني قام به الإنكليز في 11 آذار 1918، وكان (السقوط) في تلك الأيام يعني انتقال الحكم من أيدي المسلمين إلى الكفّار. تمّ إلباس الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 نيسان عام 2003 معنى مخاتلاً، حينما وصفه بعض رجال الدين والسياسيين بالسّقوط، وانتقل التّعبير إلى العامّة والخاصّة ـ استعمله رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري أكثر من مرّة، رغم فصاحته التي كان يُبالغ فيها. لكن السلطة في البلاد لم تكن دينية، وإنما مدنية فيها مجلس وطنيّ وهيئة للوزراء، وفيها رئيس ونائب أو نائبان، بل إن حزب البعث الحاكم كان يثقّف أعضاءه على أنه حزب علمانيّ، وهكذا كان وصف الاحتلال الأمريكي بالسّقوط محاولة لا مبرّر لها لخدش الحقيقة.
«أمريكا! خذي كتب مبشّريكِ/ وأعطينا ورقاً للقصائد التي تهجوكِ/ خذي ما لا تملكين/ وأعطينا ما نملك/ خذي أشرطةَ البيرقِ/ وأعطينا النجوم/ خذي اللحية الأفغانية/ وأعطينا لحية والت ويتمان المليئة بالفراشات».
في التاسع من نيسان، تمّ الغزو الأمريكي للعراق. قل لي: الجميع له ذكريات عن ذلك اليوم. فما هي ذكرياتك؟ أكثر من صورة بقيت في الوجدان من ذلك النهار الرّبيعي الرّائع، فالأشجار في الشوارع كانت تحمل وروداً حمراء كبيرة، وأنا متفائل بهذه الأعجوبة الربّانية، عبرتُ جسر (الأحرار) أو (مود) سابقاً، أي الجنرال ستانلي مود، قائد الحملة البريطانية عام 1911، وسط الفوضى والسرقات والحرائق قادني خَطوي إلى «شارع الرشيد»؛ قلب المدينة. كان يرقد على الرصيف رجل مخمور وأكوام الذباب تغطي وجهه وشعره وذراعيه وقدميه الحافيتين. كان فاقد الوعيَ تماماً، ولولا تنفسّه الرتيب لظننته ميّتاً. وقفتُ على رأسه، وهززته محاولاً إيقاظه لأن شمس الظّهيرة كانت قوية. عاد الرجل إلى وعيه، ولكن بالطريقة التي ابتغاها في لجّة سكره؛ فتح عينين دمويّتين لا علاقة لهما بمقلتي بني آدم. نظر إليّ شزْراً، ولمّا تبيّنني صرخ بي:
– ماذا تريد؟
قبل أن يبلغه جوابي تبوّل، وكان السائل يصعد من بدنه مثل نافورة، ويعود يسقط على بدنه. ثم انقلب على جنبه، وتبرّز. عاد بعد ذلك إلى النوم، وأسراب الذباب تضاعفت مرات، بينما الحرائق تزداد في المدينة كلّ ساعة، وتزداد معها أعمال السلب ونهب المصارف ودوائر الدولة. لا أظنّ أن لوحة تشكيلية فيها دلالات واضحة وقاطعة عن الواقع الذي ينتظرنا نحن العراقيين، أكثر صدقاً من صورة السكّير الذي التقيته في هذا الشارع، مع اللصوص الذين كانوا يتقاتلون فيما بينهم بأنواع الأسلحة، بعد أن يختلفوا عند تقاسم الغنيمة:
«لكنّا لسنا أسرى، يا أمريكا/ وجنودُكِ ليسوا جندَ الله… نحن الموتى، يا أمريكا/ فليأتِ جنودُكِ/ من يقتلْ مَيْتًا يبعَثْهُ/ ونحنُ الغرقى يا أمريكا/ نحن الغرقى/ فلْيأتِ الماء».
قالوا عن أسباب الغزو إنها أسلحة الدمار الشامل، واعتقد البعض، من ضمنهم كاتب السطور في ذلك الزمان، أن الأمريكان عاقبوا صدام حسين لأنه اشترك في أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لا هذا ولا ذاك! أكاد أجزم الآن، وقد مرّ ربع قرن على الحدث، أن الوازع الأهمّ وراء إنهاء حُكم صدام، أنه بدأ في تلك السنين (يعي إلى زمانه)، مثلما نقول بالعراقي، ويحاول الكفّ عن أن يكون عميلاً على طول الخطّ. العمالةُ للأجنبي في زماننا تشبه سلعةً في السوق، لها تاريخ ابتداء الصلاحية، وتاريخ انتهاء.
في السنة التي أعقبت الاحتلال، أي عام 2004، كان الجنود الأمريكان ينتشرون في الساحات والشوارع والحدائق، وفي دوائر الدولة التي كانت تعمل تحت رعايتهم. سألتُ جنديّاً منهم بلغته، بعد أن تبادل معي المصافحة والسلام، في نوع من تجاذب الحديث لغرض إمضاء الوقت:
ـ هل قرأتَ رواية «نور في آب»؟
لم يفهم كلامي. أعدت سؤالي بصيغة ثانية:
ـ هل تعرف وليام فوكنر؟ نحن في العراق نعرفه جيداً، وقرأنا جميع أعماله.
أحسّ الشابّ بنوع من الإهانة، لا بسبب جهله بالروائيّ الأمريكي العظيم، بل لأنني أخطأتُ في تقدير مهمته في الجيش. راح يهتف، في نوع من الغطرسة:
ـ ما شأني بالروايات؟ أنا جندي مختصّ في الحرب الكيمياوية، ومهمتي قتل الناس بهذا السلاح.
في حرب الخليج الثانية، كانت الفرقة الجوية القتالية الأمريكية السابعة والسبعون، توزع على جنودها كتابا فيه أناشيد حماسية عن الاستعداد للحرب، يغلب عليها الطابع الديني. منها نشيد ينتهي بهذه الخاتمة: «الله يخلق أما نحن فنحرق الجثث». هل قرأ الجندي هذه الأناشيد، وكانت السبب وراء القسوة الشديدة في كلامه؟ يقول سعدي يوسف في قصيدته، في أبيات تُثيرُ الشجن واللوعة والحسرة والغمّ، وتبعث أكثر من رسالة إلى العالم:
«أريد القرية لا نيويورك لماذا جئتَني من صحراء نيفادا/ أيها الجنديّ المسلّح حتى الأسنان؟ لماذا جئتَ إلى البصرة/ البعيدةِ حيث السمك يبلغ عتَباتِ البيوت؟/ .. اتركني أيها الجنديّ اتركْ لي/ كوخَ القصب الطافي وحربةَ الصياد اتركْ لي طيوري/ المهاجرةَ وخضرةَ الريش خذْ طيور الحديد المزمجرة/ وصواريخَ توماهوك لستُ الخصيمَ/ أنا المخوِّض حتى ركبتيَّ في مَناقعِ الرزّ/ اتركني ولعنتي/ لا أريدُ قيامتك».
المشهد الثالث الذي يعود إلى الغزو، حَدَثَ في العام الماضي. في محلّ للتسوّق في الحيّ الذي أسكنه، وعلى مصطبة جانبية جلست عجوز قربي. أشعلت سيجارة. سألتني:
– ما تاريخ هذا اليوم؟
– أجبتها: 9/ 4
لكن سمع العجوز كان ثقيلا، فرفعت صوتي وقلتُ لها، موضّحاً:
– إنه التاسع من نيسان، يوم سقوط بغداد…
لم تفهم العجوز منّي. وأنا أبعد عني دخان سيجارتها، كرّرتُ على سمعها الثقيل، وبصوت أعلى يشبه الصياح:
– هو يوم احتلال الأمريكان للعراق.
رفعت العجوز حاجبيها، وتنهّدت:
-أها…!
لم أسمع البتة في عمري أكثر من هذه ال (أها) صدقاً وطبيعية!

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية