صباحاً، في بواكير الطفولة وشقاوة الصيف، كان الجمع عائداً من مباراة كرة قدم على أرضٍ عند ضفاف الوادي. يبس خضارها واصفرّت، وتفرّقت على مساحتها نخلاتٌ كانت يوماً ما تُشبه واحة. وعند باب الميضأة القديمة كانت البئر تنتظر صخب أطفالٍ يدفعهم عطشٌ شقّ حلوقهم. تزاحموا على حوافها، ينتزع بعضهم من بعض الدلو المعلّق بالحبل. أطلقه أحدهم، فسمعنا ارتطامه بالماء. ثم راح يرفعه بسرعة، يتصارع مع الحبل، يثبت قدميه بقوة على الحافة، ويلقي بجسده إلى الخلف ليجذب.
لحظاتٌ ارتفع فيها الدلو أعلى الحافة، وما هي إلا ثوانٍ حتى انفلت من يد صديقنا، فسقط على يدِ آخر كان قد انهمك في التطلّع إلى صفحة الماء المتراقصة في الأسفل؛ المتماوجة بين الضوء والعتمة. جُرح إصبعه، وما تزال فتحة ذلك الجرح—في بدايتها—مرسومة في خيالي: لونٌ شاحب لم يحمّره الدم بعد.
صرخ الطفل من الألم، وأخذ يهزّ إصبعه تخفيفاً للوجع. ثم ابتعد عن الأطفال… ولم نره إلا وهو يقف إلى الجدار ويبول على الجرح. قال لنا بثقةٍ كاملة: إن ذلك علاجٌ ناجع.
«الجرح الأنثروبولوجي» والطفولة الهرِمة
افترقنا منذ ذلك اليوم. كبرنا، بل “هرمنا”—على حدّ قول أحمد المستيري، التونسي المقهور بتغوّل الديكتاتورية—ولم نلتق بعدها. لا أدري ماذا حلّ بصديقي بعد ذلك، لكن الحادثة عادت إليّ وأنا أقرأ للمفكر الأردني موفّق محادين وهو يستدعي فرويد (1856–1939) من كتابه “الطوطم والطابو”، خصوصاً فكرة قتل الأب على نحوٍ رمزيّ بوصفه محاولة للتخلّص من هيمنة البطريركية؛ وهو ما يسقطه، بحسب قراءته، على الحراكات العربية المتصلة بالأنظمة السياسية.
ويذهب محادين أيضاً إلى مقاربةٍ أخرى تستدعي ليو شتراوس (1899–1973) في قراءته للربيع العربي، واصفاً بعضه بـ»المشبوه»، ومميزاً بين ما قبل وما بعد. فـ»ما قبل كانت تركيا، في رأيه، تشكّل مركزاً إقليمياً، وكان الشارع تتحرك فيه قوى الإسلام السياسي بوضوح. ثم تغيّرت اللوحة «بعد» الربيع العربي: تبدّلت مراكز التأثير الإقليمي والإعلامي، وتغيّرت خرائط التحالفات، وبرزت- وفق هذا التصوير- مفردات جديدة في المجال السياسي والديني، من بينها ما يُشار إليه بـ»الرؤية الإبراهيمية». ويرى محادين أن قراءات شتراوس لفلسفة الفارابي السياسية، وتركيبها على فلسفة موسى بن ميمون، أسهمت- في زعمه- في إنتاج تصور قريب من هذه “الإبراهيمية”.
تحت وطأة هذه الاستدعاءات، بدأت أجمع شتات مشاهد شخصية، وأحاول قراءتها ضمن منظورات ما يحدث على الساحة العربية الجريحة. ولعل «الجرح النرجسي الكوني» الذي قال به فرويد في مقاله المنشور عام 1917 بعنوان “صعوبة أمام التحليل النفسي”، يضيء شيئاً من ملفوظ «الجرح» هنا. فرويد تحدّث عن جروحٍ ثلاثة: الكوسمولوجي، والبيولوجي، وجرح الذات. وقد رأى طرابيشي أن هذه الجروح نُحتت في سياق الإنسان الغربي، فاقترح جرحاً رابعاً سماه «الجرح الأنثروبولوجي»: جرحاً نرجسياً مركباً ارتبط بالسؤال المُلِحّ: لماذا تقدّم الغرب؟ ولماذا تأخر العرب والمسلمون؟
ضربة شمس… وجرح وعي
في مشهد الطفولة ثلاثة عناصر يمكن ردّها إلى قراءةٍ أوسع: الصيف، والماء، والخطر.
الصيف موسم تخلّص الأطفال من ضجر المدرسة. والاتجاه نحو الفسحة، في الصحراء، لا يعني شيئاً بقدر ما يعني الماء. غير أن الانفكاك من الدرس التعليمي ليس انفكاكاً بريئاً دائماً؛ إنه انفكاك—في وجهٍ منه—عن منظومةٍ لا ابتكار فيها سوى ما يورّث الطفل الكراهية للمقعد والسبورة والاختبار. لذلك تصبح العطلة فرصةً للخلاص. والخلاص—في صورته السهلة—هو الفرار من محطة التفكير والاستقلال بالذات، إلى ما يُستساغ لخفته وسهولته. ولعل هذا أحد وجوه تراجع المشاريع الكبرى في واقع الفكر العربي، وتقدم الاستجمام بوصفه تعويضاً نفسياً تشتاق إليه الروح في مراتع الصيف.
لكن الاستجمام نفسه ينطوي على خطر: “ضربة شمس” لشدة التعرض للحرارة. وهنا تحضر “فكرة الصحراء”: لا الصحراء بوصفها جغرافيا فحسب، بل بوصفها استعارةً للفصل بين صحراء المكان وصحراء الفكر، بما تحمله من أخطار الفراغ والضياع والعطش. يكشف حاضر الوعي العربي، في كثيرٍ من مظاهره، أن العقل يعيش طوراً “صحراوياً”: فراغاً لا يعترف بخطورته، ولا يستنفر ما يلزم من قوى التأمل والنقد، مع أن الحياة تأبى الفراغ وتنفر من السكون.
ثم يأتي الماء: لحظة تعريج الأطفال على البئر، وما مثّله ذلك من تزاحمٍ وهرجٍ طفولي قاد إلى جرح. هذه اللحظة تصلح استعارةً لحاجة الواقع العربي- في راهنه- إلى الانخراط في وعيٍ عالميّ بأهمية الماء باعتباره أصل الحياة وتحدياً وجودياً. غير أن الماء، في خرائط كثيرة من الجغرافيا العربية، يُراق هدراً: تُهمل قيمته الاستراتيجية، ويُهمَّش الإنسان بوصفه مركزاً للحياة.
هنا يتقدّم الدم: جرح الجسد ليس تفصيلاً. إنه تذكير بأن الإنسان- حين لا يُقدَّر- يُختزل إلى وقود. والمعالجة الاستخفافية للجرح تتحول إلى صورةٍ عن الاستخفاف بحيوية الدم ذاته؛ فنستعيض عن علاجٍ رشيدٍ بما هو متاح وسهل، حتى لو كان عبثياً أو مُهيناً. يصبح “البول”، في مشهد الطفولة، معادلاً موضوعياً لنمطٍ من التعاطي مع الجراح: معالجةٌ بالبداهة لا بالمعرفة، وبالاستسهال لا بالتفكير. وعند هذا المستوى من التموضع في سلّم الحضارة، تتساوى سلبية التصور مع إيجابيته، ويغيب معيار الحكم… فيلوح شبح الخروج من التاريخ.
«الجرح الأنثروبولوجي» و»الاسم العربي الجريح»
كان صديقٌ لي يحدثني عبر الهاتف عن وضعي الصحي، ثم أخبرني أنه صلّى الجمعة في مسجد الحي، وأعجبته حكاية تُروى في سياق نقد عبادة الأوثان، يَستشهد فيها الناس ببيتٍ شعري:
أرَبٌ يبولُ الثعلبانُ برأسِه لقد هانَ من تبولُ عليه الثعالبُ
تتكرر موضوعة البول خارج سياق “العلاج” الذي حكيتُه، لتغدو هذه المرة كاشفةً لهشاشة ما اعتُقد فيه من قداسة. سؤالٌ وجيه يطلّ من البيت: هل يكفي أن ينقل الشعر فداحة عبادة الهشّ؟ أم أن الوعي يحتاج إلى ما هو أكثر من القول: يحتاج إلى فعلٍ يقطع مع التقديس المعطوب؟
كل ما يحدث راهناً يحيل، على نحوٍ ما، إلى تلك المفارقة: وعيٌ يدرك مناطق انكساره، لكنه يستمر في الامتثال لـ“القداسة المعطوبة”. ينشأ عن ذلك شرخٌ أنطولوجيّ يعيشه الوعي المرتهن إلى منطق الاستجمام في معنى “الصيف” الذي سبق: ارتهانٌ إلى السهل المريح، في تناقضٍ فادح. فالعقل العربي-كغيره- يمجّد المبادئ الطبيعية كالعدالة والحرية والمساواة، لكنه كثيراً ما لا يفزع لما يعتري هذه المبادئ من “بول الثعلبان التاريخي” عليها؛ أي لإهانات الواقع لها، وتآكلها تحت ضغط القوة والتهويل والتبرير.
إن وعي الفداحة يتأسس هنا ضمن «الجرح» بالمعنى الطرابيشي: جرحٌ أنثروبولوجي لا يجرح المعرفة فقط، بل يجرح صورة الذات عن نفسها ومكانها في العالم. وبين صحراء الجغرافيا وصحراء الفكر، يستلهم العقل عناصر المكان، ويفككها بمعايير فهمه لحركته في فراغٍ تملؤه “ثعالب” الاستفاقة الصادمة.
ومن روايات «الثعلبان» تلك حكاية «غاوي بن ظالم» الذي كان سادن الصنم «سواع». أُهدي إليه شيء، فوجد ثعلباً يبول على الصنم فكسره. ثم أتى النبي (ص) معلناً إسلامه، فغيّر له اسمه، وقال: أنت الآن «راشد بن عبد الله». هذه الحكاية – بصرف النظر عن تعدد رواياتها – تكشف عن طبقات مرجعية في أركيولوجيا العقل العربي: مركزية «الاسم» بوصفه هويةً لمشروعٍ ومعنى. الانتقال من “غاوي” إلى “راشد”، ومن “بن ظالم” إلى «بن عبد الله»، ليس شكلاً فقط ولا فورةً احتفالية بالذات الجديدة، بل هو تعبير عن انتقالٍ في درجات الوعي؛ من وعيٍ مُعلّق بين قيدٍ موروث وبين إمكان تحرر.
غير أن المفارقة أن «عوداتنا» إلى الدين، في لحظات كثيرة، تتحول إلى ارتجاعات كرنفالية لا تُعمل مبضع الجرح للعلاج، بل تُعمله للكشف عن تورطٍ تاريخيّ في تناقضات الكينونة. وهنا يلوح ما سماه عبد الكبير الخطيبي بـ «الاسم العربي الجريح»: اسمٌ يعبّر عن اغترابٍ ثقافي وتمزقٍ بين هوية أصلية وثقافة غالبة، بما يورث اضطراباً وفقداناً للسيطرة على الذات.
والآن… أيها الجرح!
ولعل ما يكشف تفاهة مسعى العقل—حين يتهرب من العقلانية المعرفية—نكتةٌ أسرّ لي بها صديقي عبر الهاتف:
خرج أحد سكان منطقةٍ جنوبية في حرّ يوليو/تموز ليدخن سيجارة. مرّ به، في الظهيرة القائظة، ثلاثة أشخاص بدا أنهم أغراب عن المدينة. سألهم مستغرباً خروجهم في تلك الساعة إن كانوا يحتاجون مساعدة. قالوا إنهم يبحثون عن قبةِ وليٍّ صالحٍ يتقرب إليه المريدون ليفتح لهم أبواب الرزق، فقد ضاق عليهم الحال. ضحك الرجل، ونفث دخان سيجارته منتشياً بتلاشيه في الهواء، وقال: انظروا… أنا وهذا الوليّ جاري، ونقتسم جداراً واحداً، ولم يفدني بشيء. فكيف تطمعون – وأنتم
البُعداء- في ذلك؟
الصيف… والماء… والخطر. وبين جرحٍ يُطلب له علاجٌ، وجرحٍ يُستعاض عنه بحيلة، يظل «الثعلبان التاريخي» يمرّ من هنا: يبول على ما نرفعه إلى مقامٍ لا يليق إلا بما يثبت أمام الامتحان.
كاتب جزائري
يمينا عمل طينيّ بابليّ بين 2000 إلى 1600 ق.م. نرى السرو وسط الأرباب والملوك. يمينا تفصيل من عمل أخميني، فن مدينة بيرسبوليس Persepolis المستعار من الفن
الآشوري
يظهر مجمل المشهد الطبيعي في رسم الناصر، متداخلا، مشبوكا ببعضه، غير «مهندم» عموما ولا مفصّل، أي لا يعير للمقاييس الطبيعة وزنا، مثل رسمه لكل شيء آخر، وبكثير من الظلال التي تضفي غموضا وأسى وأفولا. رسم الناصر يكان أن يكون إيذانا بأفول الطبيعة لديه، مثلما أن رسمه للكائن الحي كانت على الدوام عند حافة الضوء.
كاتب عراقي