الرباط ـ «القدس العربي»: تُعدّ سميرة القادري واحدة من أبرز الأصوات المغربية في عالم الغناء الكلاسيكي والأوبرا، حيث جمعت بين أصالة التراث الموسيقي المغربي والتجريب الموسيقي المعاصر. نشأت في بيئة صوفية غنية بالتراث، ما منحها حسا موسيقيا فطريا، قبل أن تواصل تعليمها في «المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي» والمعهد الموسيقي بتطوان، وتتلقى تدريبات متقدمة على يد أساتذة دوليين.
تميزت القادري بتجارب فنية فريدة، أبرزها تقديم أعمال الراحل مصطفى عائشة على خشبات دولية، وإطلاق مشروعها الموسيقي المبتكر «من ضفة إلى أخرى»، الذي جمع بين التراث الأندلسي والموسيقى المتوسطية في قالب حديث ومبتكر. كما تُعدّ باحثة في علم الموسيقى، ما يجعل أعمالها مزيجا متفردا بين الأداء الفني والتأمل الأكاديمي.
في هذا الحوار، نستعرض مع السوبرانو المغربية سميرة القادري مسارها الفني، ورؤيتها الموسيقية، وتجربتها في المزج بين التراث والابتكار، ودورها في المشهد الفني المغربي والعالمي.
○ نشأتِ في بيئة صوفية غنية بالتراث الموسيقي، كيف أثرت هذه البيئة على صوتك الفني ورؤيتك للموسيقى؟
• ترعرعت في أجواء صوفية شكلت جزءا أصيلا من هويتي وذاكرتي، حيث أثرت فيّ هذه الطقوس والبيئة روحا ومسارا. أنتمي للطريقة الشرقاوية، ومنها نهلت أولى تجاربي مع الغناء الصوفي، الذي تتوارثه نساء عائلتي في المناسبات الدينية والتجمعات العائلية، كطقس يجمع بين الروحانية والاحتفاء بالتراث.
عشت طفولتي بين جدتي وجدي وأخوالي، وكلهم كانوا حريصين على صون هذا الإرث وحمايته من الاندثار. كنت أحضر كل مناسبة بشغف كبير، أراقب نساء العائلة وهن يرددْن الأشعار عن ظهر قلب، وكأنهن يُعدن نسج الذاكرة الجماعية عبر كل لحن.
أدركت باكرًا أن الذاكرة خزان يرافق الإنسان طوال حياته، يفتح له الأبواب حين يحتاج إلى جذوره الأولى. لهذا، حين اشتغلت لاحقا على الموسيقى الصوفية، وجدت في داخلي مفاتيح جاهزة، وبالأساس من الجانب الروحاني، تساعدني على تشكيل صوتي ومساري.
أثرت هذه الخلفية في عدد من أعمالي، ووجهت اختياراتي الفنية نحو البحث عن توليفة تجمع بين النفَس الأندلسي وعمق الغناء الصوفي، في مزج يسعى إلى إحياء الذاكرة وإبداع شيء جديد في الآن ذاته. وقد تجسد هذا الاتجاه بوضوح في مشروعي «من البشرات إلى عرفات»، الذي حاولت من خلاله ربط الجذور بالآفاق، وإعادة صياغة التراث بروح معاصرة تحفظ جماله وتستشرف امتداداته.
○ تدرّجتِ في دراستك بين المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، والمعهد الموسيقي بتطوان، وأساتذة دوليين. كيف ساهمت هذه التجارب المتنوعة في تشكيل هويتك الفنية؟
• كانت كل تلك التجارب جزءًا لا يتجزأ من الرحلة التي صاغت هويتي الفنية، فمنذ أن كنت في التاسعة من عمري كانت الموهبة حاضرة تنمو داخلي في بيئة تجمع بين الأصالة والحداثة. فقد كان والدي عاشقا للفنون بمختلف أشكالها؛ الغناء والتمثيل وكل ما يرتبط بالإبداع، ومعه بدأت أولى خطواتي، حيث كنت أُظهر مواهبي في المناسبات الوطنية، لأدرك مبكرا أن هذا الشغف سيلازمني طويلا.
وحين اجتزت «الباكالوريا» (الثانوية العامة)، كان خيار الالتحاق بـ«المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي» امتدادا طبيعيا لهذا الشغف، لكنه كان أيضا قرارا جريئا. فقد تخليت عن مسار دراسة العلوم الاقتصادية، رغم قيمته الاجتماعية، من أجل طريق يؤمن به قلبي قبل خطواتي. حملت بداخلي رغبة عميقة في إثبات صحة هذا القرار، في مجتمع لا يمنح الفن والفنانين المكانة التي يستحقونها. كان ذلك التحدي جزءا من دوافعي، وجزءا من إصراري على أن يكون للفن دوره ومكانه في حياتي.
في المعهد، عشت تحولا حقيقيا في مساري واختياراتي. درست لدى أسماء كبيرة وفنانين قديرين تركوا أثرهم في شخصيتي ومساري، وفتحوا لي أبوابا جديدة للفهم والتجربة. لم يكن يخطر ببالي في بداياتي أن أصبح سوبرانو مغربية، فقد كان طموحي الأول أن أتجه نحو الغناء المسرحي، متأثرة بتجربة فيروز والرحابنة التي تركت بصمتها في وجداني. ومع مرور الوقت وتراكم التجارب، أصبحت اختياراتي أكثر عمقا ورصانة، وصار صوتي يميل نحو آفاق أخرى لم أكن أتوقع بلوغها.
بعد التخرج، التحقت بوزارة الثقافة كموظفة بمدينة تطوان، المدينة التي أحمل لها تقديرا خاصا. كانت تطوان فضاء ملهما وغنيا بالمبدعين من أدباء ومفكرين وموسيقيين، وشكلت حاضنة حقيقية للتجديد والإبداع. في هذا المناخ الثقافي المتنوع، توسعت رؤيتي وتعمقت تجربتي.
وفي تلك الفترة، جمعتني الأقدار بالمؤلف الموسيقي مصطفى عائشة، الذي كان يبحث عن صوت يجمع بين التكوين الأكاديمي والموهبة القادرة على منح أعماله حياة جديدة. كانت أعماله قد وُضعت منذ ستينيات القرن الماضي، تنتظر الصوت الذي يليق بها. وهكذا قادتني الصدفة الجميلة إلى أن أكون أول سوبرانو تؤدي هذه الأعمال، في تجربة كانت بمثابة خطوة مفصلية في مساري، وفتحا فنيا أعتز به، لأنه جمع بين قدر جميل، وفرصة نادرة، وشغف لم يتوقف عن النمو.
○ أنتِ أول سوبرانو مغربية تؤدين أعمال الراحل مصطفى عائشة في قوالب موسيقية عالمية. كيف كانت هذه التجربة بالنسبة لكِ، وما التحديات التي واجهتها؟
• كانت التجربة شديدة الصعوبة، لأننا في الوطن العربي ما زلنا نفتقر إلى ثقافة أوبرالية راسخة، على خلاف العديد من الدول التي تحتضن هذا الفن وتقدّره. ما جمعني بالمؤلف الموسيقي مصطفى عائشة هو انشغالنا المشترك بأسئلة مؤرقة: هل تستطيع اللغة العربية أن تتشكل في قوالب موسيقية عالمية؟ وهل يمكن تقديم القصيدة العربية بروح أوبرالية دون المساس بهويتها؟
كان الراحل مصطفى عائشة قد وجد بعض الأجوبة، أما أنا فكنت أبحث عنها، فجاءت تجربتنا المشتركة كمختبر فني حقيقي، قائم على التجريب والمجازفة. لكننا كنا نعمل داخل بيئة ليست مهيأة بعد لسماع هذا النوع من الموسيقى؛ فالأصوات الأوبرالية غير مألوفة لدى الجمهور العربي وشمال إفريقيا عموما، وهذا ما جعل إخراج العمل إلى الوجود مهمة معقدة، رغم التميز الذي حققناه على المستوى العربي.
ظلت التجربة نخبوية، بل حتى داخل النخبة نفسها، ولم تنل ما تستحقه من اهتمام أو انتشار، وربما كانت تتقدم زمنها بخطوات كثيرة. ومع ذلك، حاولنا بكل جهد تقريب هذا الفن إلى الجمهور، واستهداف شريحة قادرة على التفاعل مع هذا النوع من الإبداع، مع الحفاظ على أصالة اللغة العربية وروحها.
ورغم ضعف الأضواء المسلطة على التجربة، فإنها لاقت إعجاب عدد من المهتمين، وكانت موضوع دراسات وأبحاث تناولتها باعتبارها تجربة فنية متفردة في الوطن العربي.
○ في مشروعك «من ضفة إلى أخرى»، جمعتِ بين التراث الأندلسي والموسيقى المتوسطية. كيف توفقين بين الحفاظ على الأصالة والابتكار في تقديم هذه الأعمال؟
• شكّل مشروع «من ضفة إلى أخرى» جسرا حقيقيا قربنا من الجمهور، فقد انطلق من التراث الأندلسي لكن من بابه العالمي، وفتح أمامي مساحة واسعة لطرح أسئلة جوهرية حول علاقة الموسيقى الأندلسية بباقي موسيقيات البحر الأبيض المتوسط، وكيف يمكن أن تتقاطع وتتفاعل معها دون أن تفقد جذورها.
كان المشروع غنائيا أوبراليا في جوهره، واقترحنا من خلاله تبسيط المقامات والأنماط الموسيقية، وإعادة كتابة أجزاء من التراث الأندلسي بشكل يجعله قابلا للانفتاح على قوالب عالمية. وقد حققت التجربة نجاحا باهرا، جعلها واحدة من العلامات الفارقة في مساري الفني. من خلالها استطعت تقييم تجربتي مع مصطفى عائشة، ومقارنتها مع مدارس أخرى كالمدرسة التركية، لأزداد اقتناعا بضرورة تقديم عمل مغربي مغاربي متوسطي عربي يحمل روح المنطقة ويستطيع الجمهور تذوقه بسهولة.
بعدها اتجهت إلى مشروع جديد يرتكز على التاريخ، بلغة فنية أبسط مما سبق، يستلهم من تعددية البحر المتوسط ويجعل من الموسيقى الأندلسية «الأم» التي تتفرع عنها باقي العناصر. وبعد سنتين من العمل المتواصل، قدمتُ هذا المشروع وحصدتُ بفضله عدة جوائز، وانتقلت بين تيمات مختلفة ومواضيع متنوعة تحت المظلة نفسها «من ضفة إلى أخرى».
كانت جميع هذه الأعمال تبحث عن نقطة التقاء وانسجام، ولذلك أصبحت عروضي أقرب إلى دروس «الماستر كلاس»؛ حيث أحرص على شرح التفاصيل للجمهور ومرافقته في رحلة الاكتشاف. ولا يزال المشروع مستمرا حتى اليوم، أجدد محتواه كل سنة، وأؤكد دائما أنني لستُ ناقلة للتراث كما هو، بل أسعى إلى تقريبه من الزمن المعاصر، وتطويره دون خدش هويته، ونقل روحه الحقيقية إلى المستمع.
الاشتغال على التراث مهمة دقيقة وصعبة، ولأكون مقنعة عليّ أن أكون متمكنة وعارفة بخباياه. هو بحث طويل اشتغلت عليه لشهور وسنوات بشغف ومحبة وإنصات، رفقة متخصصين ونقاد وسمّيعة. والاعترافات التي حظي بها العمل، والجوائز التي حصل عليها، كانت دافعا أكبر للاستمرار وتحمل مسؤولية التوفيق بين الأصالة والابتكار.
ولتحقيق هذه المعادلة، رجعتُ إلى تجارب عالمية اشتغلت على تراثها الخاص، وقدمت توليفة تجمع بين الأصيل والحديث دون أن تمسّ جوهر الهوية. على النهج نفسه، كنت حريصة على توسيع رقعة جمهوري، وكسب تفاعله، وجعلِه أكثر التصاقا بتراثه من خلال رؤية جديدة ومتجددة، تعزز شعوره بالفخر بكوننا صنّاع حضارة عريقة وفنون رفيعة.
○ قدّمتِ عروضا في مهرجانات دولية مرموقة، مثل مهرجان الموسيقى العريقة في أوبيدا. كيف يختلف التفاعل مع الجمهور العربي عن الجمهور الغربي، خاصة في مجال الأوبرا؟
ـ • ذلك من تسطيح وتنميط وتفاهة يشتكي منها الجميع، ما زلت أؤمن بأن الشغف الصادق والاجتهاد الحقيقي قادران على تمكين الفنان ومنحه القوة للوصول إلى جمهوره. فقد أمضيت عشرين سنة من العمل المتواصل، وبفضل المثابرة تمكنت من صناعة اسم يحضر اليوم في محافل دولية مرموقة. لا أضع نفسي ضمن خانة «المشاهير»، بل أعتز بأن لي مكانة محترمة وجمهورا خاصا، وأنني واحدة من الأصوات الأوبرالية المغربية. ولست الأولى في هذا المجال؛ فقد سبقتني الراحلة الأستاذة صفية التجاني، إلى جانب أصوات مغربية أخرى رائعة مهّدت الطريق للأجيال اللاحقة. لم يكن هدفي يوما الظهور المكثف في السهرات أو الأمسيات الفنية، فاختياري للمواعيد التي أشارك فيها يتم بعناية شديدة. إن ذكاء الاختيار عنصر أساسي في المسار الفني، والإضافة الحقيقية تأتي من تقديم ما ينتمي إلى ثقافتك ومرجعيتك بأسلوب مبتكر. لذلك كان حضوري دائما حضور سوبرانو تحمل مشروعا فنيا واضحا.
شاركت في تجارب عربية مهمة، من بينها تقديم أوبيريت في دولة الإمارات كممثلة ومغنية في «أوبرا زرياب»، وأدائي في «مهرجان الموسيقى العالمية بالشارقة» رفقة الأوركسترا الفيلهارمونية. ومن هنا يبرز سؤال مؤرق: لماذا تغلق الأوركسترات في المغرب أبوابها في وجه الطاقات المغربية الجديدة؟ ولدينا اليوم مسرح كبير ومتميز في الرباط، لكن السؤال المطروح هو: ما هي الأصوات التي ستعتلي خشبته؟ وما طبيعة التجارب الفنية التي ستُقدَّم فيه؟
ما نحتاجه فعلا هو سياسة فنية وثقافية واضحة، تحتضن الطاقات وتؤطرها. فالإمكانات متوفرة، لكنها تُصرف أحيانا في قنوات لا تُثمر كما يجب. إنها دعوة إلى إرساء توازن حقيقي في مجال الثقافة والفنون، لأن الموسيقى والفن لغة كونية تتجاوز الحدود وتخاطب العالم بأسره.
أشعر بفخر كبير عندما أحضر رفقة سوبرانو من بلدان أخرى، كصوت مغربي مغاربي عربي حاضر بقوة. ورغم أن الترويج لحفلاتي لا يتم بشكل كبير، لكونه يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، فإن جمهوري ظل وفيا ومساندا، مما يعزز قناعتي بأن القيمة الفنية الحقيقية تتجاوز الضوضاء الدعائية.
○ تعتبرين صوتك «قلما ينبش في الذاكرة الموريسكية». كيف تعكسين هذه الرؤية في أدائك الفني؟
• صوتي هو امتداد لذاكرة موريسكية عريقة، صوتٌ ينبش في طبقات الزمن ويعيد الاعتبار لحكايات الأجداد الذين صاغوا ملامح حضارة كاملة. حاولت دائما أن أقول بصوت عال: هذا ما صنعه أجدادنا، فلولا إسهاماتهم العلمية والفكرية والفنية، لما بلغت أوروبا ازدهارها، خاصة خلال القرون الوسطى. لقد أسهموا في الطب والفلك والهندسة والموسيقى والفلسفة، وتركوا بصمات لا تزال شاهدة حتى اليوم.
في مساري الفني، سعيت إلى إحياء الذاكرة الأندلسية ومنح صوتي مساحة ليصبح قلما يكتب وينقّب ويسترجع ما طُمس، صوتا يقاوم بالنغم، بلا ذنب سوى التمسك بالجذور. حتى أني أقرأ خروج الموريسكيين من زاوية إيجابية لا مأساوية؛ فلولا هذا الخروج، ربما ما كانت ثقافتهم لتنتشر وتتجذر في فضاءات جديدة. فالذاكرة لم تمت، بل ظلت حية تنبض، ومع كل مشروع أختار «ثيمة» مختلفة تنتمي لهذه الثقافة الواسعة والمتعددة.
اخترت أيضا خوض رحلة روحية صوفية بملامح موريسكية، واستحضرت الأدب المكتوب بلغة ألخاميادو ذلك المزيج الفريد الذي حفظ سرّ الهوية في زمن الاضطهاد. اشتغلت على نصوص من هذا التراث وغنيتها، فاستقبلها الجمهور بكثير من الدهشة والاحتفاء، وحصلت من خلالها على جائزة «المهاجر» التي كانت تتويجا لمسار من البحث والإحياء الفني.
○ بعد مسيرة فنية تمتد لأكثر من 20 عاما، ما هي المشاريع المستقبلية التي تطمحين لتحقيقها؟
• الحلم ما يزال مستمرا، فالعين ترى الآفاق الواسعة، لكن اليد في كثير من الأحيان تبقى قصيرة أمام ما نحتاجه من نهضة حقيقية تليق بتاريخ بلادنا العريق فنيا وثقافيا. أحلم بأن نحقق تراكما فكريا وثقافيا وفنيا يضيف إلى الرصيد الوطني، ويجعل بلدنا في مصاف الدول التي تحتفي بإبداعها وتستثمر في طاقاتها.
أفرح حين أرى المنجزات التي تحققت خلال العقود الأخيرة، وما زلت أتطلع إلى رؤية مجموعات فيلهارمونية مغربية، وإلى فتح الأبواب أمام كفاءات فنية محترمة وجيدة. طموحي أن نكون متفردين بطاقاتنا وقاماتنا الفنية، وأن نحضر في المحافل العالمية والدولية التي لا يزال الصوت المغربي غائبا عنها في كثير من الأحيان.
نعاني نقصا واضحا في الدبلوماسية الثقافية، وتراجعا في الاحتضان. قد أحيي حفلات ضخمة في بلدان أخرى، بينما تغيب الدبلوماسية المغربية عن القيام بدورها، باستثناءات محدودة، حتى في أبسط التفاصيل الرمزية كإهداء باقة ورد. ورغم ذلك، ما زلت مؤمنة بمشاريعي التي تسير في اتجاه معاكس للواقع السائد، وأناضل لإخراجها إلى الوجود. أسجل أعمالي في «بودابست» لأن الأبواب مغلقة أمامي في بلدي، خاصة على مستوى الأوركسترا الفيلهارمونية.
وأتساءل بحسرة: لماذا لا تتوفر وزارة الثقافة في المغرب على أوركسترا فيلهارمونية وطنية، كما هو الحال في إسبانيا وفرنسا وتونس وسوريا ولبنان والأردن والعراق وقطر والسعودية والإمارات؟ هذا الفراغ مؤلم، خصوصا للشباب الذين نريد أن نؤمن بقدراتهم ونمنحهم فرصا حقيقية لإبراز مواهبهم.
صحيح أننا نطالب بالصحة والتعليم، لكن من حقنا أيضا أن نطالب بالثقافة والفن، فهما جزء من كرامة الإنسان وعمق هويته. أستعد اليوم لطرح ألبوم جديد سجلته في بودابست، بدعم جزئي من وزارة الثقافة، وأتمنى أن يحظى بالترويج الذي يستحقه. فأنا قليلة الحفلات في المغرب، لأن هذا النوع من الموسيقى ما يزال بعيدا نسبيا عن الذائقة العامة، رغم أن لي مكانة لدى فئة تتابع تجربتي وتحب فني وتحترمه.